في ظل التغيرات المناخية المتسارعة والتقلبات الجوية غير المسبوقة التي تضرب شرق إفريقيا، برزت أزمة جديدة تهدد استقرار إدارة مياه سد النهضة الإثيوبي، وذلك وفق دراسة حديثة مدعومة من وكالة «ناسا».

وذهبت تلك الدراسة المنشورة فى دورية « جورنال أوف هيدرولوجي: ريجونال ستديز»، إلى أن نماذج التنبؤ المناخى العالمية التي تعتمد عليها إدارة السد فى تقدير كميات الأمطار، تعانى من أخطاء كبيرة وتفاوت فى الدقة، مما يضع مستقبل التشغيل المائى للسد تحت تهديدات غير محسوبة.
◄ اقرا أيضًا | ترامب عن سد النهضة: كان من أغبى القرارت التي تمت بتمويل أمريكي كامل
◄ توقعات غير دقيقة
وتعتمد إدارة سد النهضة الذي يُعد الأكبر فى إفريقيا، بشكل كبير على توقعات الأمطار الصيفية فى حوض النيل الأزرق، المصدر الرئيسى لمياه النيل، إلا أن الدراسة العلمية للباحثين من جامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس، بالتعاون مع باحث من جامعة تبريز بإيران، والتى حللت بيانات 21 عاما من بيانات الأمطار، بينت أن النماذج المناخية المستخدمة، المعروفة بمجموعة «NMME «، تفرط فى تقدير الأمطار أو تقلل منها بشكل مستمر.
وأوضحت الدراسة أنه « على سبيل المثال، فإن بعض النماذج مثل ( CanCM4i ) و (GFDL-SPEAR ) أعطت توقعات مبالغ فيها، فى حين أن نماذج أخرى مثل ( GEOS5 ) و (CCSM4 )، كانت متشائمة للغاية، متوقعة أمطارا أقل من الواقع، وهذه التباينات أثرت على قدرة المسؤولين فى سد النهضة على التخطيط الأمثل لتشغيل السد، ما قد يؤدى إلى إما تخزين مفرط للمياه يزيد من مخاطر الفيضانات، أو نقص فى التخزين يفاقم أزمات الجفاف في مصر والسودان.

◄ اقتراح مؤشرات أفضل
وفى مواجهة هذه التحديات، ركز الباحثون على مؤشرين مناخيين رئيسيين، وهما: ظاهرة النينيو، والتى ترتبط غالبًا بانخفاض فى الأمطار الموسمية، ومؤشر تذبذب المحيط الهندى الذى يربط ارتفاعه بزيادة الأمطار.
وباستخدام هذين المؤشرين فقط، تمكن الباحثون من بناء نموذج إحصائى بسيط، لكنه كان أكثر دقة وموثوقية من النماذج المعقدة التى تعتمد عليها المؤسسات المناخية الدولية، وهذا النموذج كان قادرا على التنبؤ بـ63% من المواسم الجافة والممطرة بشكل صحيح، ما يفتح آفاقا جديدة لتحسين إدارة موارد المياه فى منطقة شديدة الحساسية.
◄ الغموض المناخي المستمر
وعلى الرغم من تحسن دقة التوقعات باستخدام هذا النموذج الجديد، تبقى هناك نحو نصف المواسم التى لا يمكن تفسيرها بناء على هذه المؤشرات، وهذا يعكس الطبيعة المعقدة لنظام المناخ فى حوض النيل، ويدعو إلى تبنى تقنيات متقدمة مثل الذكاء الاصطناعى والتعلم الآلى لتعزيز دقة التنبؤات المستقبلية.
وتأتى هذه الدراسة لتؤكد أن الحسابات المناخية الخاطئة ليست مجرد أرقام فى جداول بيانات، بل لها تداعيات حقيقية على حياة الملايين فى دول المصب، وعلى الأمن المائى والزراعى فى المنطقة.
وفي ظل هذه التحديات، يتوجب على دول حوض النيل تعزيز التعاون المشترك، ومشاركة البيانات، والاستثمار فى تطوير أدوات التنبؤ المناخي، لضمان استدامة إدارة السدود وحماية مصالح الجميع.
ويؤيد د. كارم عبد المحسن أستاذ الهيدرولوجيا المساعد بجامعة ولاية أريزونا الأمريكية، ما ذهبت إليه
الدراسة من ضرورة تحسين دقة نماذج التنبؤ الموسمي، وشدد على على أهمية تعزيز جهود التعاون المحلي والإقليمى بين المراكز البحثية فى إفريقيا، وتبنى سياسات أكثر انفتاحا فى مشاركة البيانات، بما يساهم فى تطوير نماذج محلية دقيقة وفعالة لخدمة المجتمعات النهرية.
ويقول عبد المحسن فى تصريحات لـ «الأخبار»، إنه شارك العام الماضى فى دراسة خلصت إلى نتائج مشابهة، لذلك فإن النتيجة التى توصل لها الباحثون لم تكن مفاجئة بالنسبة له.
ويضيف أنه « من المعروف فى الأوساط العلمية أن أداء النماذج المناخية والهيدرولوجية يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتوافر البيانات الأرضية مثل محطات قياس الأمطار، ومحطات رصد تدفق الأنهار، وأبراج الفلكس التى ترصد متغيرات مناخية مختلفة، وتُعد هذه البيانات مدخلا رئيسيا لتحسين دقة النماذج، وهو ما يفسر تفاوت أدائها من منطقة لأخرى، حيث تحقق نتائج أفضل فى مناطق مثل الولايات المتحدة وأوروبا، التى تتمتع ببنية تحتية رصدية قوية».
وخلص من ذلك للقول، إنه « مع مشروع يؤثر على أكثر من دولة، يجب العمل على تحسين تلك البنية، حتى لا نفاجىء بمفاجآت خطيرة، لا تكون الدول قد أعدت العدة للتعامل معها».
جوهرة الدولة المملوكية| «المؤيد شيخ» حكاية سلطان «نذر» بناء مسجده فوق سجنه
تدريب طلاب المستقبل| انطلاق منتدى التعليم التقنى والمهنى لدول المتوسط
خبز الأجداد يعـــود| «الساور دو» من الفراعنة إلى «الترند»







