د.محمد سليم شوشة
والمعنى الخاطئ يقود إلى سلوك خاطئ وبخاصة إذ ارتبطت عملية التفسير والفهم والتأويل لنص له سلطة دينية أو روحية أو قانونية على عقل المفسر.
من الحقائق العملية المهمة التى تزداد قناعتى بها بمرور الوقت، وهى أحد أهم المخرجات العلمية لأعوام من البحث فى اللغة والعقل والعلوم الإدراكية أن هناك ارتباطاً حتمياً لا يمكن تجاهله بين جمود علوم اللغة العربية وجمود الفكر العربي، بل يكاد يكون السبب الأوحد والأساسى لجمود الفكر العربى هو جمود علوم اللغة العربية وأبحاثها ودراساتها، هذه النتيجة تتأكد كل يوم مع كل قراءة جديدة ومع كل إيغال وتوغل فى العلوم الإدراكية وعلاقة الذكاء الاصطناعى باللغة العربية أو باللغات الطبيعية.
فقد كان المسار الذى مكّن الآلة من عمليات التفكير هو مسار اللغة، أى تمكين عقل الآلة من معالجة اللغات الطبيعية وإجراء معالجة عميقة لها، ومسألة المعالجة العميقة هذه تحتاج لكتب ودراسات وأبحاث وندوات ومؤتمرات، إذ يبدو الأمر خادعاً لدرجة لا يمكن تخيل حدودها، فقد نتصور أن اللغة العربية متساوية مع اللغات الأخرى فى حضورها فى التكنولوجيا عموما والذكاء الاصطناعى بصفة خاصة، والحقيقة بخلاف ذلك تماماً، إذ هناك معايير دقيقة يمكن الاستناد إليها لتحديد مستوى معالجة الذكاء الاصطناعى للغة ومدى عمق هذه المعالجة ودقتها وفاعليتها، وليس الأمر مجرد تقدير شكلى متعجل أو إطلاق رأى عام أو متسرع.
وهكذا فإن عمليات التفكير تستند بشكل كامل على موقف العقل من اللغة، سواء كان عقلا طبيعيا أو عقل آلة أى ذكاء اصطناعي، وهذا هو الاكتشاف الذى استقر عليه البشر الآن بعد كل هذه الأبحاث فى اللغة والذكاء الاصطناعى والعلوم الإدراكية.
الصادم فى الأمر أن كثيرا من الناس لدينا ممن قد نعتقد أن عمليات التفكير لديهم دقيقة يمكن أن تكون مساراتهم كلها خاطئة أو يقعون فى أخطاء كثيرة صارت معتادة لحد أنها صارت غير محسوسة أو أضحت طبيعية، ومع الأسف العميق نجد أن بعض الأكاديميين أنفسهم لديهم أخطاء فى الفكر أو أخطاء فى عمليات التفكير بكل مستوياته وإجراءاته سواء السطحى أو العميق، من القياس والاستدلال والاستنتاج وعمليات الجدل أو الديالكتيك والحوار أو المناظرات العملية debate، والغريب أن صاحب هذه الأخطاء قد لا يشعر هو نفسه بأن لديه أى شيء من هذه الأخطاء، أى أنه قد يؤدى عمله الأساسى فى البحث العلمى وفق مسارات خاطئة ويتوصل بالتالى إلى نتائج مغلوطة ويرسخها أو تترسخ معه لسنين فى الوقت الذى يعتقد هو نفسه أنه يمضى فى المسارات العلمية والموضوعية الدقيقة، كل هذا سببه الأساسى إشكالات تتصل باللغة، ليس فى مجرد اللغة التى يستخدمها أو علاقته باللغة، ولكن بعض هذه الإشكالات نابعة من سوء فهم للنصوص، أى أن عقله اعتاد على نمط معين فى فهم النصوص أو فهم البنى اللغوية، فكان يقع فى تفسيرات خاطئة أو استنباط للمعانى والدلالات بشكل خاطئ والمعنى الخاطئ يقود إلى سلوك خاطئ وبخاصة إذ ارتبطت عملية التفسير والفهم والتأويل لنص له سلطة دينية أو روحية أو قانونية على عقل المفسر. فعلى سبيل التمثيل بعض القضاة أو المشتغلين بالقانون عموما قد يخطئون فى تطبيق قاعدة قانونية لأنهم فهموا نصها بصورة خاطئة، أو أنهم أعملوا مبدأ خاطئا، أو لنتخيل مثلا أن محاكمة حدثت فيها مغالطة معينة وتم الاتصال الذهنى بين أطراف المحاكمة وفق هذا الخطأ أو المغالطة، كأن يتلاعب محام مثلا باللغة فى مرافعة وتلقى تأثيرا أو تقود فى مسار فهم معين وتكييف محدد للقضية يقود إلى نتيجة خاطئة.
ومن هنا يأتى فى كل دول العالم اختلاف الأحكام من محكمة إلى أخرى برغم وحدة القانون أو وحدة القاعدة القانونية أو المبدأ الذى يكون هناك قصد لتطبيقه، كل هذا أساسه اللغة وعمليات الفهم والتأويل.
اللغة مسألة فى غاية الخطورة والأهمية وأبحاثها مصيرية وعبرها تتحدد مسارات السلوك الإنسانى والحضارى فى العمل وفى العلاقات وفى أنشطة الإنسان كافة، علاقة الابن بأبيه أو الأب بابنه تتصل بمستوى اللغة بينهما، وبالمثل علاقة المسئول بمرؤسيه وسائر علاقات البشر ببعضهم أساسها اللغة، وحال اللغة فى المجتمع أو حالتها الصحية تتصل بما نجريه عليها من أبحاث ودراسات وعلوم تحدد مدى دقة منظورنا لها أو مدى عمق فهمنا لظواهرها، فظواهر اللغة كثيرة وعميقة وتكاد تكون لانهائية لأنها تتصل بحالات من الاستخدام المتجدد، وليس مجرد القواعد المستقرة والمحفوظة، فاللغة فى استخدامها وأدوارها الوظيفية تتجاوز كل ما قد نضع لها من القواعد والحدود، فهى كائن حى حرفيا وليس على سبيل الاستعارة والمجاز.

اتفاق مبدئى!
فى غزة.. الوقت من دم
إيمان راشد تكتب: ميزان العدل






