حسام بركات
الوحدة سلاح قوى للأمة فى مواجهة التحديات المختلفة، عندما تتحد الأمة تكون قادرة على تحقيق أهدافها المشتركة، والتغلب على الصعوبات بشكل أكثر فاعلية، فالوحدة تعزز التماسك والتعاون، بل تساهم فى الاستقرار والتنمية، هذا ما نناقشه فى هذا التحقيق: يؤكد د. محمود الهوارى، الأمين العام المساعد للدعوة والإعلام الدينى بالأزهر أن من سنن الله الكونية أن يميز بما يجرى فى الكون من أحداث بين الصالح والفاسد، والنافع والضار، قال تعالى: «مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ»؛ ومن الأحداث الكاشفة ما تواجهه الأمة فى كل مجالات الحياة من تحديات، ومعرفة هذه التحديات ونتائجها ضرورة، ولكن الأكثر أهمية وضرورة أن نفهم لماذا تستهدف الأمة بهذه التحديات.
والذى يقرأ الواقع بوعى كامل يدرك أن كل التحديات والعراقيل التى توضع للأمة فى مسارها تستهدف القضاء على مكونها الصلب، الذى يحفظ على الأمة خيريتها ما دام موجودا فى أبنائها وشبابها ورجالها ونسائها، وهذا المكون الذى ينبغى أن تتمسك به الأمة هو هويتها الوطنية العصية على الاختراق، وهذه الهوية هى مجموع الخصائص والصفات والقيم التى تتميز بها الأمة، والتى تجعل أبناء الأمة وحدة واحدة، تعمل على رفع شأن الأمة وتقدمها.
اقرأ أيضًا | تفسير آية | معنى قولة تعالى «وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ لَتُفۡسِدُنَّ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَّتَيۡنِ»
وكلما كانت مكونات هذه الهوية أكثر حضورا واعتقادا كانت الأمة أقدر على معالجة الخلل.. وأبرز مكونات الهوية التى تميز الأمة الوحدة بين أبنائها، وهذه الوحدة غاية قرآنية أعلنها الله جل جلاله فى قوله: «إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ».
وللأمة من أسباب الوحدة ما يجعلها ممكنة، فالقبلة واحدة، تجمع هذه الأمة وتوحِّد بينها على اختلاف مواطنها، واختلاف مواقعها من هذه القبلة، واختلاف أجناسها وألسنتها وألوانها، تتجه إليها الأمة فى مشارق الأرض ومغاربها، تعبد إلهًا واحدًا، وتؤمن برسول واحد.. وإذا كان الله الذى تتعبد له الأمة واحدا وكتاب الأمة واحدا فلماذا لا تتحد الأمة خاصة فى هذه الظروف التى يعمل فيها الأعداء على التفريق بين أطيافها وشعوبها؟
ويقول د. سعيد صادق، أستاذ الاجتماع السياسى إن الوحدة بين الشعوب تتطلب أيضا وقف الحروب القبلية والطائفية والدينية المستعرة بين الشعوب العربية. فلا وحدة وسط حروب إعلامية تخلق عداوات وعدم دعم مشترك بل شماتة وكراهية بين الشعوب.
يجب فضح الحملات المنظمة فى وسائل التواصل التى تهاجم بعنصرية شعوبا أخرى وتفتعل معارك تقسم الأمة لا توحدها.
يضيف أن العلماء دورهم رفع الوعى والتحذير من الأخطار وطرح الحلول العملية لصانع القرار والرأى العام. وهذا يتطلب حرية الإعلام والوصول له ليقوم العلماء بمخاطبة وتوعية الرأى العام. وعلى صانع القرار الاستعانة بهم عند وضع السياسات العامة لا تجاهلهم.
ويشير الشيخ خالد الجمل، بوزارة الأوقاف إلى أنه فى زمن الأزمات والتحديات الكبرى، لا سبيل للنجاة والفوز إلا بتكاتف القلوب وتعاون الأيدى وتوحد الصفوف. هذا ما تعلمناه من كتاب الله.. علّمنا القرآن الكريم أن التفرق ضعف وأن الاجتماع قوة ونجاة، فقال الله تعالى فى محكم تنزيله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ فجعل الاعتصام بحبل الله مقرونًا بالاجتماع عليه، لا فردية ولا عزلة، بل وحدة وتآلف وتعاون على البر والتقوى.
كما قال جل شأنه: «وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان»، لذلك فمما تعلمناه من كتاب الله أيضا أن الأزمات مهما اشتدت وأظهرت أنيابها، إلا أن لذلك ميزة قد بينها لنا الله جل وعلا فى قوله: (لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ)، فإن شدة الأزمة تكشف معادن الناس، وتبرز قيمة الوحدة والتكامل بين أفراد المجتمع، فحين يتعاون الجميع، تتحول المحن إلى منح، وتخرج الأمة من شدائدها أكثر قوة وصلابة.
وقد أشار النبى صلى الله عليه وسلم إلى أهمية الترابط بقوله: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا»، وفى رواية أخرى: «مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».
انظر الى التصوير البليغ الذى يشبه المجتمع المؤمن بالجسد الواحد الذى لا ينفصل بعضه عن بعض مهما كانت التحديات.
ويشير إلى أحد أروع الأمثلة على الوحدة فى الشدة ما وقع للمسلمين فى غزوة الأحزاب، حين تجمعت القبائل مع غيرهم لحصار المدينة، وأصبح الخطر محدقًا بالمسلمين من كل جانب.
ومع قلة العتاد والعدد، اجتمع الصحابة حول نبيهم عليه الصلاة والسلام، وتعاونوا فى حفر الخندق وتحملوا الجوع والبرد والخوف، لكنهم ثبتوا وتكاتفوا حتى صرف الله عنهم كيد أعدائهم بفضل إيمانهم ووحدتهم.
وقد وصف الله تعالى ذلك الموقف فقال: ﴿إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾.
تقـاليـع زمـن التـرنـد| العلماء: ليس كل مشهور قدوة.. والوعى ضرورة لحماية الشباب
سماعات الغش.. محرمة شرعًا وبيعها إعانة على الإثم
جدل كلاب الشوارع| كريمة: مقاصد الشرع تجمع بين دفع الضرر والرفق بالمخلوقات





