د.إيما ريس
فى عالم بلا رحمة فيه تُقاس قيمة الحياة أحيانًا بقدرتك على دفع ثمن الدواء، يأتى كتاب «كل شيء هو مرض السل» للكاتب الأمريكى «جون جرين»، ليكشف الوجه السياسى والاجتماعى لأحد أقدم الأمراض، وأكثرها فتكًا، «السل»، الذى يُعتقد أنه من بقايا الماضي، لكنه للأسف والدهشة لا يزال يحصد أرواح 1.5 مليون إنسان سنويًا، ليس لأنه عصيّ على العلاج، بل لأن الفقر، والوصمة، وجشع شركات الأدوية العالمية، ما زالت تتواطأ على إطالة أمده فبينما لا يُرى السل فى عيادات «بروكسل» منذ سنوات، يُعدّ فى «مومباسا» قاتلًا يوميًا.، يقول «جرين» فى أحد أكثر كلماته وجعًا: «لا يموت الناس من السل، لكنهم يموتون أولًا من الإهمال» هذا الاقتباس يُلخّص البُعد الأخلاقى للكتاب؛ إنه ليس فقط سردًا لرحلة مرض، بل فضحٌ لفجوة عالمية فى توزيع الرعاية الصحية. من خلال قصة هنري، الفتى السيراليوني، ينسج «جرين» سردًا إنسانيًا لا يُنسى، يضع القارئ وجهًا لوجه أمام سؤال مرير: هل الصحة حق، أم امتياز لمن يقدرُ على الثمن؟ هذا الكتاب ليس عن السل فقط، بل عن الصمت الذى يحيط به، والأنظمة التى تسمح لهذا الصمت بأن يستمر.
أليس مخزياً لعالمنا رغم تقدمه العلمى وسيطرته على العديد من الأمراض التى اعتقدنا أنها شيء من الماضى أن نجد «السل» لا يزال المرض المعدى الأكثر فتكًا فى العالم، مما يثير العديد من التساؤلات، حيث يحصد أرواح أكثر من مليون شخص سنويًا معظمهم من الدول النامية.
بل إنه تجاوز وفيات كوفيد-19 فى بعض السنوات الأخيرة. لقد لاحظنا بالفعل اتجاهًا مقلقًا فى الولايات المتحدة. فقد أفادت مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC) بزيادة تفوق 15% فى حالات السل عام 2023 مقارنة بالعام السابق، مما يوضح أن السل لا يزال مرضًا ذا صلة على مستوى العالم، حتى فى بلدان مثل أمريكا. إذا كنا نملك علاجاتٍ فعالة منذ منتصف القرن العشرين، فلماذا لا يزال هذا المرض يحصد كل هذه الأرواح؟.

اقرأ أيضًا | التهديد الصامت.. أعراض السل البولي التناسلي وتأثيره على الخصوبة

تهمَّيش الفقراء
يقول الكاتب «جون جرين» فى كتابه (كل شيء هو السل): إن السبب الرئيسى وراء أزمة السل فى القرن الحادى والعشرين ليس مجرد البكتيريا نفسها (المتفطرة السلية)، بل هو الإنسان العاقل إنه نحن، اختياراتنا، والأنظمة التى بنيناها.
الكتاب ينجح فى تقديم السل كعدسة نرى من خلالها قضايا أوسع: لماذا يُهمَّش الفقراء؟ ولماذا يُعَدّ العلاج امتيازًا لاحقًا؟ وكيف يمكن أن تكون «النجاة من المرض» حكرًا على من يملك المال أو يعيش فى المكان المناسب؟ وكيف تكون اختياراتنا وأنظمتنا أكثر مسئولية عن هذه الجائحة المستمرة من البكتيريا نفسها؟ حجة «جرين» أن السبب فى استمرار السل، رغم إمكانية علاجه بالمضادات الحيوية منذ خمسينيات القرن الماضي، يعود إلى الأنظمة التى صنعها الإنسان، وإلى التفاوتات العميقة التى لا تزال موجودة فى العالم.
لدينا المعرفة الطبية والأدوات لمحاربة السل بفعالية، لكن هذه الموارد لا تُوزع بشكل عادل، وغالبًا لا تصل إلى الأشخاص الأكثر حاجة إليها.
ويعلم «جرين» تمامًا هذا الواقع من خلال قصة شخصية جدًا يشاركها فى كتابه، تُظهر هذا الرابط بين تلك الأنظمة وأثرها الإنسانى فى حياة مرضى السل.
فى كتابه المؤثر «كل شيء هو السل: التاريخ واستمرارية عدواننا الأكثر فتكًا»، يستعرض «جون جرين» الأسباب التى تجعل هذا المرض التاريخى لا يزال يؤثر على الملايين، ويتحدى من خلاله فهمنا للأزمات الصحية فى العصر الحديث. السل بعيد تمامًا عن القضاء عليه.
مع ما يقارب 10 ملايين إصابة جديدة سنويًا، تُبرز استمرارية المرض كدليل على التفاوتات الصحية العالمية الهائلة. يستخدم «جرين» كتابه كمنصة للدعوة إلى تحسين الوصول إلى العلاجات، ويحث شركات الأدوية على أن تضع الرعاية فوق الربح. تسليطه الضوء على هذه القضايا يُبرز الحاجة إلى مشاركة نشطة من الأفراد والمؤسسات لخلق مستقبل يكون فيه السل فعلاً مرضًا من الماضي. فهذا المرض لم يكن يومًا مجرد قصة طبية، بل هو رواية اجتماعية وإنسانية، تجبرنا على طرح سؤال مؤلم: لماذا لا يزال من الممكن أن يموت إنسان من مرض يمكن علاجه بأقل من دولار فى اليوم .. ولماذا لا يزال يقتل أكثر من مليون شخص سنويًا؟؟؟ وما الدور الذى يمكن لكل واحد منا أن يلعبه فى بناء عالم أكثر عدلاً وصحة؟ هنا، نستعرض كيف تحوّل السلّ من مجرد عدوى بكتيرية إلى مرآة تعكس أعطاب العالم: من التفاوت الطبقي، إلى فشل النظم الصحية، إلى صمت المجتمعات أمام معاناة «غير المرئيين».
مرضى يُسحقون
فى عام 2019، التقى الكاتب بشاب يُدعى هنرى فى مستشفى «لاكا» بسيراليون. وهى دولة تقع فى غرب إفريقيا. كان هنرى مصابًا بالسل المقاوم للأدوية، وهو نوع من السل لا يستجيب للعلاجات التقليدية , لكنه لم يكن يعرف ذلك.
لقد قضى أسابيع وهو يسعل بلا توقف، يعانى من فقدان الوزن والتعب، ومع ذلك لم يتم الوصول إلى تشخيص دقيق أو علاج مناسب. لا لأن الطب فشل، بل لأن البيئة من حوله لم تُمنحه حقّ الحياة الكريمة.
كانت حالة هنرى شديدة الصعوبة، حيث لم تتوافر له فى بلده الأدوية الفعالة مثل: «بيداكويلين» و«لينزوليد» التى تُستخدم فى الدول الغنية لعلاج هذا النوع من السل.
ونتيجة لذلك، اضطر هنرى لتلقى علاج بديل شديد القسوة استمر لسنوات، وكان عليه تناول أكثر من 20,000 حبة دواء، كثير منها له آثار جانبية مؤلمة مثل: الغثيان، وفقدان السمع، وآلام شديدة. هنرى لم يكن حالة فريدة.
كان يمثل نموذجًا حيًا لملايين المرضى الذين يُسحقون تحت وطأة الفقر، البيروقراطية، والإهمال، بينما يعيشون فى مجتمعاتٍ لا تملك صوتًا ولا حيلة. لعلنا نُدرك أن كل هنرى فى هذا العالم يحتاج من يسمعه، يعالجه، وينقذه فى الوقت المناسب.
لا نعرف ماذا حدث لهنرى بعد مغادرة «جرين»، لكنه ترك أثرًا فى الكاتب دفعه لتأليف كتاب كامل عن السل، صدر فى 18 مارس 2025، ويُعد من أبرز الإصدارات غير الروائية لهذا العام.
وحظى بإشادة واسعة من النقاد، حيث وصفته مجلة«Kirkus Reviews» بأنه «دعوة للوعى »، وأشاد جرنال مدرسة الحرية School Library Journal بأسلوبه السلس والمعلومات القيمة التى يقدمها. كما تصدر قائمة الكتب الأكثر مبيعًا فى «نيويورك تايمز» فور صدوره.
للكتاب أثر مدوٍ على الساحة العامة: فهو ليس مجرد كتاب طبي، بل هو عمل إنسانى يُبرز التحديات الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بمرض يمكن علاجه. من خلال الجمع بين السرد الشخصى والتحليل التاريخى والاجتماعي، يقدم «جرين» دعوة مؤثرة للعمل الجماعى للقضاء على هذا المرض.
جاء الكتاب فى ستة فصول تناول فى الفصل الأول (السل – المرض المنسي) لا يزال أحد أكثر الأمراض فتكًا فى العالم، حيث يُصاب به حوالى 10 ملايين شخص سنويًا، ويتسبب فى وفاة أكثر من 1.25 مليون شخص، رغم أنه مرض يمكن الوقاية منه وعلاجه. ويناقش كيف أن السل يُعتبر مرضًا مرتبطًا بالفقر والظروف الاجتماعية غير العادلة، مما يجعله يستمر فى الانتشار فى المجتمعات المُهمشة. الفصل الثانى (العلم والسل) يشرح جرين بأسلوب مبسط كيفية عمل بكتيريا السل داخل الجسم، وكيفية تطور المقاومة للأدوية.
ويستعرض تطور طرق التشخيص والعلاج، من العلاجات التقليدية إلى استخدام تقنياتٍ حديثة مثل: اختبار GeneXpert.
أما الفصل الثالث (السياسة والاقتصاد فى مواجهة السل) فينتقد فيه السياسات الصحية والاقتصادية التى تُعيق وصول العلاجات الحديثة إلى الدول الفقيرة، مشيرًا إلى أن شركات الأدوية تحتكر الأدوية وتفرض أسعارًا مرتفعة.
مما يُبرز كيف أن التحليلات الاقتصادية تُستخدم لتبرير عدم توفير العلاج للمرضى فى الدول النامية.
الفصل الرابع (قصة هنري) يروى جرين قصة هنري، الطفل الذى التقى به فى سيراليون، والذى عانى من السل المقاوم للأدوية.
الفصل الخامس (التاريخ الثقافى للسل) يستعرض كيف كان يُنظر إلى السل فى الماضى كمرض «رومانسي» مرتبط بالشعراء والفنانين، مما ساهم فى تأخير الجهود لمكافحته.
ويناقش كيف أن هذه النظرة الثقافية أثرت على السياسات الصحية والتوعية العامة. ويأتى الفصل السادس (باعث الأمل والعمل الجماعي) فيبرز جرين أهمية التعاون العالمى لمكافحة السل، مؤكدًا أن المرض يمكن القضاء عليه إذا توافرت الإرادة السياسية والموارد اللازمة. ويُشجع القراء على المشاركة فى الجهود المبذولة لمكافحة المرض، سواء من خلال التوعية أو الدعم للمبادرات الصحية.
حملات ضغط
الكتاب شارك فى حملات ضغط على شركات الأدوية لتخفيض أسعار العلاجات، وتحدث فى الأمم المتحدة ، داعيًا إلى القضاء على السل خلال العقد المقبل.
وأشار جرين إلى أن العديد من الأدوية الفعالة لعلاج السل المقاوم للأدوية، مثل: بيداكويلين، موجودة بالفعل، لكنها غير متوافرة فى الدول الفقيرة بسبب أسعارها المرتفعة.
شركات الأدوية تحتكر تصنيع هذه العلاجات وتحدد أسعارًا لا يمكن للحكومات الفقيرة أو أنظمتها الصحية العامة أن تتحملها. وبذلك، يبقى المرضى فى الدول النامية دون علاج فعال.
انتقد جرين المؤسسات الصحية العالمية التى تعتمد على دراسات «التكلفة مقابل الفائدة» وغياب التمويل الكافى لأبحاث السل، رغم أنه من أقدم وأكثر الأمراض فتكًا فى العالم.
أوضح أن هذه الطريقة تُضعف فرص حصول الفقراء على العلاج ، لأن حياتهم تُقَيَّم ماليًا بأقل من حياة من يعيشون فى الدول الغنية. فبدلًا من أن يُنظر إلى العلاج كحق إنساني، يُعامَل كاستثمار مالى يجب أن يحقق عائدًا.
تحدث جرين أيضا عن البيروقراطية والإهمال السياسى الذى يُعيق إدخال التغييرات الضرورية فى السياسات الصحية.
ذكر أن بعض القرارات لا تُتخذ بناءً على مصلحة المرضى، بل بناءً على ما هو أسهل سياسيًا أو اقتصاديًا.
فى النهاية، دعا جرين إلى تغيير جذرى فى طريقة تعامل العالم مع الأمراض، بحيث تُبنى السياسات الصحية على مبدأ العدالة والمساواة فى الرعاية، لا على الربح الاقتصادى أو القوة السياسية.
اختبار للعدالة
السلّ ليس فقط مرضًا يصيب الرئتين، بل هو مؤشر اجتماعى يُظهر كيف يُعامل الفقراء فى هذا العالم. يصيب السلّ غالبًا أولئك الذين يعيشون فى بيوتٍ مزدحمة، بتهوية سيئة، ويعانون من سوء التغذية.
هؤلاء ليس لديهم رفاهية الذهاب إلى طبيب متخصص، أو حتى الحصول على التشخيص الصحيح فى الوقت المناسب. لذا، يُصبح السلّ اختبارًا قاسيًا لمنظومة العدالة الصحية عالميًا. لماذا يصمت العالم؟ ربما لأن السل لا يُصيب المشاهير، ولا يطرق أبواب الأغنياء، ولا يصنع عناوين مثيرة مثل: أوبئة العصر السريعة.
لكنه يقتل فى صمت، كل يوم. هنا، يصبح السؤال: لماذا لا يتحرك العالم إلا عندما يهدد المرض الأقوياء؟ ولماذا تُترك ملايين الأرواح لتصارع الموت فى الظل؟ حين يتحول الطب إلى قضية أخلاقية: فى جوهر الكتاب، يحكى السلّ قصة فشل أخلاقي، لا طبى فقط. فالعلم موجود والعلاج معروف، والتمويل ممكن.
لكن الإرادة السياسية والإنسانية هى ما تنقص. معالجة السل ليست فقط مسئولية وزارات الصحة، بل مسئولية عالم كامل يجب أن يتوقف عن تجاهل «اللا مرئيين» ويعيد تعريف من يستحق الحياة.
الأعراض
وفى ظل استعراض مرض السل لعل تبادر الى أذهان القراء ما أعراض هذا المرض اللعين.. وكيف يمكننا النجاة من مخالبه الفتاكة؟ .. هو مرض معدٍ يُصيب غالبًا الرئتين، ولكنه قد ينتشر إلى أعضاء أخرى مثل: الدماغ، الكلى، والعظام. تسببه بكتيريا تُعرف باسم «ميكوباكتريم توبركلوسيس»، تنتقل هذه البكتيريا عن طريق الهواء، من خلال السعال أو العطس أو حتى التحدث من قبِل شخص مصاب. قد يبدو فى الظاهر مرضًا يمكن السيطرة عليه، لكن الواقع يُثبت العكس.
ما الذى يجب أن ننتبه له؟ سعال مزمن لأكثر من 3 أسابيع، سعال مصحوب بالدم أو البلغم، فقدان الوزن غير المُبرر، التعرق الليلى الشديد، ارتفاع مستمر فى درجة الحرارة، تعب وإرهاق عام، فقدان الشهية، آلام فى الصدر وصعوبة فى التنفس.
كيف نحمى من السل
التطعيم المبكر BCG يُعطى للأطفال فى الأيام الأولى من حياتهم فى أغلب الدول النامية. التهوية الجيدة: أماكن العمل والمنازل المغلقة يجب أن تُفتح للنور والهواء. التقليل من التزاحم: الأماكن المكتظة ترفع من نسب الإصابة.
غسل اليدين وتغطية الفم: إجراءات بسيطة لكنها تقلل من انتقال البكتيريا. الكشف المبكر: الذهاب إلى الطبيب عند ظهور أعراضٍ مشابهة.
ما الذى يُساعد فى الوقاية والتعافي؟ الغذاء ليس علاجًا بحد ذاته، لكنه عنصر أساسى فى تقوية المناعة والشفاء، خاصة مع مرض مثل السل.
إليك أبرز الأطعمة المفيدة : فيتامين C: موجود فى الحمضيات والفراولة والفلفل، ويُعتبر مقويًا طبيعيًا للمناعة. فيتامين A : يُوجد فى الجزر، البطاطا الحلوة، السبانخ، ويساعد فى تقوية الجهاز التنفسي. الزنك: نجده فى المكسرات، اللحوم، والبقوليات، البروتينات الجيدة: اللحوم الخالية من الدهون، البيض، البقوليات.
أوميجا 3: موجود فى الأسماك الدهنية مثل: السردين والسلمون. المشروبات الدافئة العشبية: الزنجبيل، الكركم، النعناع.. نصائح حياتية إضافية لمناعة أقوى ضد السل: النوم الكافى (7- 9 ساعات): قلة النوم تُضعف جهاز المناعة. التقليل من التوتر: التوتر المزمن يُضعف مقاومة الجسم.
الإقلاع عن التدخين: التدخين يُضعف الرئتين ويُزيد فرصة العدوى. ممارسة الرياضة بانتظام: حتى المشى يُحدث فرقًا فى كفاءة الجهاز المناعي.
«الكتاب» ليس عن السل فقط. إنه عن العدالة، والكرامة الإنسانية، والسؤال الذى لا نحب أن نطرحه: من يُسمح له أن يعيش؟ استكشاف «جرين» العميق لهذا الموضوع يمنحنا البصيرة والإلهام، ويحثنا على التحرك، مؤكدًا أن معركة القضاء على السل لم تنتهِ بعد. رغم الحقائق القاتمة، فإن رسالة الكاتب فى جوهرها مليئة بالأمل.
من خلال مشاركة أمثلة ناجحة من مبادرات الصحة العالمية، وقصص شخصية مثل تعافى هنري، يُظهر الإمكانات الهائلة للتغيير حين تلتزم المجتمعات بتخصيص الموارد والانتباه لمحاربة السل. كل شيء هو السل دعوة عاجلة للوعي، والفهم، والعمل.
إنه تذكير بمسئوليتنا المشتركة لمعالجة التفاوتات الصحية العالمية، وضمان أن تصل العلاجات الفعالة إلى كل من يحتاجها.
ليس المطلوب فقط توزيع اللقاحات أو الأدوية، بل إعادة النظر فى كيف نبنى أنظمة صحية لا تُفرّق بين غنى وفقير، ولا بين مركز العاصمة وأطراف الريف.
السلّ لن يُهزم بالإبر وحدها، بل بالعدالة، بالوعي، وبكسر صمت التهميش الطويل. علينا أن نُدرك أن محاربة هذا المرض تبدأ من المدارس، من الإعلام، من دعم الضعفاء، ومن تذكير العالم أن كل حياة تستحق أن تُنقذ.
السل هو أكثر من مرض. إنه إنذار. إن لم نستمع له الآن، فقد نصحو على كارثة تتجاوز الرئتين وتمتد إلى ضميرنا الإنساني.
لأن كل مريض مثل هنري، هو مرآة لنا جميعًا: هل ما زال فى هذا العالم مكان للرحمة. السلّ... رسالة من العالم السفلى.
فى النهاية، قد لا يكون السلّ مجرد مرض، بل صرخة من قاع المجتمع، من أولئك الذين لا نراهم إلا عندما يموتون. كل سعال متكرر، كل صدر مُنهك، كل مريض مُهمّش، هو نداء لنُعيد ترتيب أولوياتنا كبشر.
فالمرض الذى يُقال إنه تحت السيطرة، ما زال يهمس فى آذاننا: « أنا هنا لأنكم نسيتم أن تكونوا عادلين». لكن الحكومة المصرية واعية راشدة تسمع نداءات وهمسات المرضى وتمد يد العون ببذل جهود حقيقية فى مكافحة السل من خلال تطعيماتٍ إلزامية مجانية، وتحديث أدوات التشخيص، وتحسين البنية التحتية.
لكن النجاح الكامل يتطلب أيضًا وعيًا مجتمعيًا متزايدًا وتعاونًا من الأهالى فى الالتزام ببرامج التطعيم. أخيراً .. إلى متى سنقبل بأن يموت الناس لأنهم وُلدوا فى الجهة الخطأ من العالم؟

«الإسلاموفوبيا اليومية» عندما تصبح الهوية تهمة والمظهر مبررا للتحيز
خطابات ندب المراقبين الأسبوع المقبل
عودة اختبارات القدرات.. وتقييم التخصصات النظرية







