في ذكرى ميلادها.. "هدى شعراوي" أيقونة النهضة النسائية في مصر والعالم العربي

هدى شعراوي
هدى شعراوي


في مثل هذا اليوم، 23 يونيو من عام 1879، ولدت "نور الهدى محمد سلطان" بمدينة المنيا في صعيد مصر، لتبدأ رحلة استثنائية في كفاح المرأة من أجل الحقوق والمكانة، وتصبح فيما بعد "هدى شعراوي"، الاسم الذي أصبح رمزًا للتنوير، والدفاع عن قضايا المرأة، ووجها مشرفًا للحركة الوطنية والاجتماعية في مصر والعالم العربي.

اقرأ أيضا | «يوم المرأة المصرية».. تاريخ من النضال والإنجازات رغم التحديات

كرست حياتها للعمل العام، وكتبت اسمها في صفحات التاريخ، لا كصوت نسائي فقط، بل كمناضلة سياسية، ومثقفة واعية، وناشرة للوعي النسوي والاجتماعي في حقبة تحولات كبرى.

النشأة والبدايات

وُلدت هدى شعراوي في عائلة أرستقراطية بصعيد مصر، ونشأت وسط مجتمع محافظ، تلقت فيه تعليمًا مميزًا بلغ بها حد إتقان اللغات الأجنبية والأدب والفنون. وقد كان لتعليمها المبكر دور كبير في تشكيل وعيها وفتح آفاقها نحو الفكر المستنير.

زواجها المبكر من "علي باشا شعراوي" لم يثنِها عن المطالبة بحقوق المرأة، بل كان نقطة تحول في مسارها، خاصة بعد أن رافقته في رحلة علاج إلى أوروبا، حيث صُدمت بالمكانة التي تحظى بها المرأة هناك، وبالدور الفعال الذي تمارسه في الحياة العامة، فبدأت مقارنة مؤلمة بين واقع المرأة المصرية ونظيرتها الغربية.

 من باريس إلى القاهرة المرأة تُنادي

كانت هذه الرحلة الأوروبية بمثابة الشرارة الأولى التي أطلقت منها هدى شعراوي وعيها الجديد، فقد التقت خلالها برائدات الحركة النسائية في فرنسا وإنجلترا، وعادت إلى مصر حاملة معها عزيمة التغيير.

أسست مجلة L'Égyptienne باللغة الفرنسية عام 1925، لتكون صوت المرأة المصرية الموجه إلى الخارج، ونافذة حضارية تقدم من خلالها صورة مغايرة للمرأة العربية المثقفة والمناضلة.

 السياسة والنضال المرأة في قلب الثورة

لم تكن هدى شعراوي بعيدة عن النضال الوطني، فقد كان لزوجها علي باشا شعراوي دور محوري في ثورة 1919، رفقة سعد زغلول. ومن هنا، دخلت هدى شعراوي قلب الحركة السياسية، وأسست لجنة الوفد المركزية للسيدات، التي لعبت دورًا كبيرًا في حشد النساء للمشاركة في التظاهرات والاعتصامات.

لم تكن مشاركة رمزية، بل كانت رائدة في التنظيم والتعبئة والتأثير السياسي، وساهمت بقوة في إدخال المرأة إلى الحياة العامة، لا كمُرافقة للرجل، بل كشريكة وطنية فاعلة.

 المؤتمرات الدولية منبر عالمي لصوت الشرق

مثّلت هدى شعراوي مصر في أول مؤتمر دولي للمرأة عام 1923 في روما، برفقة رفيقتيها نبوية موسى وسيزا نبراوي، وهناك ظهرت كقائدة فكرية بارزة، واستطاعت أن تنقل صوت المرأة العربية إلى الساحة العالمية.

وفي عام 1935، حضرت مؤتمر الاتحاد النسائي الدولي في إسطنبول، حيث اختيرت نائبة لرئيسة الاتحاد العالمي، وهناك ألقت كلمة باللغة التركية أمام الزعيم مصطفى كمال أتاتورك، جاء فيها:
"إن كان الأتراك قد سموك أتاتورك (أبو الأتراك)، فنحن في الشرق نعتبرك أتاشرق".

 الاتحاد النسائي المصري والعربي

أسست الاتحاد النسائي المصري عام 1927، وظلت ترأسه حتى وفاتها، كما كانت من مؤسسي الاتحاد النسائي العربي عام 1935.
وكان من أبرز إنجازاتها الدعوة إلى عقد المؤتمر النسائي العربي عام 1944، الذي شاركت فيه ممثلات من 26 دولة عربية، ورفع المؤتمر مطالب تاريخية، منها:

المساواة في الحقوق السياسية، وعلى رأسها حق الانتخاب.

تنظيم الطلاق وتقييد تعدد الزوجات.

تخفيف سلطة الولي على الفتاة.

دعوة رمزية لإلغاء "نون النسوة" في اللغة العربية تعبيرًا عن فكر تجديدي عميق.

** الإرث الثقافي والإعلامي

إلى جانب نضالها السياسي، أولت هدى شعراوي اهتمامًا كبيرًا بالإعلام، حيث أصدرت مجلة L'Égyptienne، وحرصت على دعم نشرة المرأة العربية، في محاولة جادة لتأسيس خطاب نسائي عربي متكامل.

لحظة الرحيل بيان من فراش المرض

في 12 ديسمبر 1947، رحلت هدى شعراوي عن عالمنا بعد إصابتها بسكتة قلبية، بينما كانت تكتب بيانًا تاريخيًا تدعو فيه إلى توحيد الصف العربي دفاعًا عن القضية الفلسطينية، في دلالة رمزية على التقاء نضالها النسائي بنضالها القومي حتى آخر لحظة في حياتها.

 تكريم مستحق

بعد رحيلها، كُرّمت هدى شعراوي بالعديد من الأوسمة، وحملت المؤسسات التعليمية والاجتماعية اسمها، لتظل رمزًا خالدًا للمرأة العربية التي واجهت الجهل والاستبداد، وانتزعت مكانتها بعقلها وشجاعتها وإيمانها بالحق.

تحية لذكرى ميلاد امرأة كانت وحدها أمة.. هدى شعراوي، التي كتبت تاريخًا جديدًا باسم كل امرأة حرة.