في لحظة واحدة، استيقظ العالم على صوت انفجارات هزت أسس النظام الدولي.. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن عن ضربة عسكرية مباشرة على ثلاثة مواقع نووية إيرانية، باستخدام أقوى الأسلحة الأمريكية، وهي قاذفات B-2 الاستراتيجية وقنابل GBU-57 التي يبلغ وزن المتفجرات في كل منها 14 طناً.
للمرة الأولى في التاريخ، تدخل الولايات المتحدة في حرب مباشرة إلى جانب إسرائيل ضد دولة ذات سيادة كاملة، ما يعني أن عصر "التهديد والوعيد" انتهى، وبدأ عصر "الفعل المباشر"، إذ ان أمريكا لم تعد تكتفي بالتلويح بالعصا، بل قررت استخدامها بكل قوة.
نظرية الرجل المجنون
ترامب يعرف جيداً كيف يوظف ما يُسمى في علم السياسة بـ"نظرية الرجل المجنون" (Mad Man Theory). هذه النظرية تقوم على فكرة بسيطة، إذا اعتقد خصومك أنك مجنون بما فيه الكفاية لتفعل أي شيء، حتى لو كان يضر بك، فسيخافون من استفزازك ويتجنبون المواجهة معك.
نيكسون استخدم هذه النظرية في حرب فيتنام، عندما أوهم الفيتناميين أنه مستعد لاستخدام الأسلحة النووية، والان يطبقها ترامب بطريقته الخاصة، وهو يظهر كقائد "لا يمكن التنبؤ بتصرفاته" و"مستعد لكسر كل القواعد"، ما هذا يضع أعداءه في حالة من القلق المستمر، لأنهم لا يعرفون ما الذي قد يفعله تالياً.
الضربة على إيران مثال واضح على هذه الاستراتيجية، إذ أرسل ترامب رسالة للعالم: "أنا مستعد لفعل ما لم يجرؤ أي رئيس أمريكي على فعله من قبل"، ما يجعل الصين وروسيا وحتى حلفاءه الأوروبيين يعيدون حساباتهم ألف مرة قبل اتخاذ أي خطوة قد تستفزه.
وبالحديث عن الصين وروسيا فقد استيقظتا على واقع جديد، وهو ان أمريكا مستعدة لخوض الحروب المباشرة لتحقيق أهدافها، ما يضعهما أمام خيارات صعبة، إما أن يسارعا في بناء تحالف عسكري قوي لمواجهة الهيمنة الأمريكية، أو أن يتقبلا الأمر الواقع ويعيدا ترتيب أوراقهما.
بكين التي كانت تراهن على "الاقتصاد أولاً" أدركت أن القوة العسكرية لا تزال هي الحكم الأخير في السياسة الدولية، أما موسكو ترى في هذا فرصة ذهبية لتقديم نفسها كحامية للدول التي تخشى الضربات الأمريكية الاستباقية.
وأوروبا في موقف حرج، إذ انها رسمياً، تدعم أمريكا، لكن في الخفاء تخشى التداعيات، حبث ان أي حرب في الشرق الأوسط تعني ارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب الاقتصاد، وموجات لجوء جديدة.
أصوات من الشارع... لا من مراكز القرار
الأسواق المالية هي الأخرى دخلت في حالة هلع، لكن الهلع الحقيقي يعيشه المواطن العادي في شوارع طهران وبغداد وبيروت. السيدة فاطمة في السوق الشعبي بطهران تتساءل بقلق: "هل سترتفع أسعار الخبز أكثر؟ كيف سأطعم أطفالي؟" بينما أبو أحمد في بغداد يخبر جاره: "الله يستر... كل ما نهدأ شوية، تيجي مصيبة جديدة."
أسعار النفط قفزت قفزات جنونية، والذهب أصبح الملاذ الآمن للمستثمرين، إلا انه بالنسبة للعائلة العادية في القاهرة أو عمّان أو دمشق، هذا يعني شيئاً واحداً: غلاء المعيشة وضيق في الحال. الأرقام والإحصائيات تتحول إلى لقمة عيش صعبة وفاتورة كهرباء مرتفعة.
هذا ليس مجرد اضطراب مؤقت، نحن أمام إعادة هيكلة كاملة للاقتصاد العالمي، إذ ان الشركات ستضطر لإيجاد بدائل لطرق التجارة التقليدية، والدول ستسارع في بناء احتياطيات استراتيجية من الطاقة والغذاء.
رقعة شطرنج
طهران تجد نفسها في أصعب موقف في تاريخها الحديث إذ ام الحكومة الإيرانية وصفت الضربات بأنها "فاضحة" وأن لها "عواقب دائمة"، لكن الشارع الإيراني يتساءل بصراحة: "هل يستحق الأمر كل هذا؟ هل قيمة المبادئ أغلى من حياة أطفالنا؟"
هذه الضربة ليست نهاية قصة، بل بداية فصل جديد في التاريخ.. العالم يتجه نحو نظام جديد قائم على "مناطق النفوذ الحصرية" بدلاً من النظام متعدد الأطراف الذي عرفناه بعد الحرب الباردة.
الدول المتوسطة ستدرك أن امتلاك القوة النووية هو الضمانة الوحيدة ضد الضربات الاستباقية، ما يعني دخول العالم في موجة جديدة من سباق التسلح النووي.
القوى الكبرى ستعود لمنطق "توازن الرعب" لكن بأشكال جديدة، كما ان الحروب السيبرانية، والتلاعب بالاقتصاد، واستخدام الطاقة كسلاح، كلها ستصبح أدوات رئيسية في الصراع.
نحن البشر ندفع الثمن
الضربة الأمريكية على إيران، أياً كانت نتائجها المباشرة، ليست سوى مشهد جديد في سيرك دولي يُنصب على أرض الشرق الأوسط.
في كل مرة، يُعاد ترتيب الأوراق بدماء الشعوب وخراب المدن، فيما تتسع دوائر "الهندسة الجيوسياسية" التي تُصاغ خارج الإقليم وتُفرض على حساب استقراره ومصيره.
من حقنا أن نسأل: ماذا بعد؟ من التالي في قائمة الحسم أو الاحتواء؟ وما هو شكل الشرق الأوسط الذي يُراد لنا أن نستفيق عليه؟
اللاعبون الكبار يحركون القطع على رقعة الشطرنج العالمية، بينما يُطلب من شعوب المنطقة أن تصمت وتنتظر دورها في مشهد النهاية.
الأمهات في طهران وبغداد وبيروت وصنعاء يسهرن الليل خوفاً على أطفالهن، والآباء يتساءلون عن المستقبل الذي ينتظر العائلة.
في واشنطن ومراكز القرار الكبرى، يُناقش الخبراء "السيناريوهات" و"الخيارات الاستراتيجية" بكل برودة أعصاب.
لكن خلف كل سيناريو وجوه بشرية حقيقية، طفل يخاف من صوت الطائرات، وامرأة تبكي على زوجها الذي لن يعود، ورجل يقف وسط أنقاض بيته الذي بناه بعرق سنوات.
إنها لحظة فارقة تستدعي البصيرة لا التهويل، والوعي لا الانفعال.. العالم الذي استيقظنا عليه اليوم مختلف تماماً عن الذي نمنا عليه أمس، لكن في النهاية، نحن البشر من ندفع ثمن هذه التغييرات التاريخية الكبرى.

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







