كشف أثري جديد| مقبرة «باكن حوري».. أسرار التحنيط في قلب الصخر

 كشف أثري جديد مقبرة "باكن حوري"
 كشف أثري جديد مقبرة "باكن حوري"


بين طبقات الرمال التي نحتها المطر بعشوائية، انكشفت أسرار صمتت آلاف السنين، حيث قادت عوامل الطبيعة فريقًا أثريًا مصريًا نحو كشف استثنائي في جنوب موقع البوباستيون بمنطقة سقارة. 

هناك، وبقرب معابد كانت يومًا تهتف باسم الإلهة باستت، عُثر على مقبرة لم يُوثّقها أحد من قبل، تحمل بين نقوشها اسم "باكن حوري"، خادم حورس، وتفتح أبوابًا جديدة لفهم طقوس التحنيط والهندسة الجنائزية في مصر القديمة.

هذا الاكتشاف، الذي لم يذكره أي مصدر تاريخي، جاء تتويجًا لعمل دقيق لبعثة مصرية يقودها نخبة من علماء الآثار والمصريات برئاسة الدكتور مصطفى وزيري، ود. محمد الصعيدي مدير البعثة ود. محمد يوسف عويان مدير موقع الحفائر في الحافة الصخرية لمنطقة جنوب موقع البوباستيون عن العثور  على كميات كبيرة من القرابين النذرية المُقدمة للإلهة باستت رمز القطة؛ ليضاف إلى سلسلة الاكتشافات التي تؤكد غنى أرض مصر بأسرارها.

تمهيد الاكتشاف

أثناء أعمال التنقيب للحافة الصخرية جنوب موقع البوباستيون، وفي أعقاب أمطار غزيرة هطلت على المنطقة عام 2022، ظهرت تشققات في التربة الرملية. هذا التغيير الطبيعي، الذي كشف جزء من واجهة صخرية ناعمة، أثار اهتمام البعثة المصرية، خاصةً وأنه لم يُذكر من قبل وجود مقابر في هذه المنطقة. وبناءً على ذلك، قررت البعثة المصرية بدء استكشاف الموقع مع تنفيذ إجراءات الترميم اللازمة لحماية العناصر المكتشفة من التآكل المستقبلي.

 

 القرابين والتوابيت

عثرت البعثة على كميات كبيرة من القرابين النذرية للإلهة باستت، ومئات من التوابيت الخشبية محفوظة بحالة جيدة، منحوتة في هيئة آدمية داخل آبار دفن صخرية على أعماق تتراوح بين 12 إلى 14 مترًا.

كما تم اكتشاف ورش يُحتمل أن تكون قد استُخدمت في عمليات التحنيط، مما يدعم فرضية ارتباط صاحب المقبرة بهذه الأنشطة الطقسية والدينية.

موقع المقبرة

تقع المقبرة المكتشفة حديثًا شمال مقبرة باكن رنف، وزير الملك بسماتيك الأول، وترتبط بمواقع أثرية عديدة تم التنقيب عنها سابقًا من قِبل بعثات أجنبية، مثل مقبرة إيرعاحور ومقبرة باشيري.

في نوفمبر 2022، ظهرت كتل حجرية منقوشة في الرمال، تُشير إلى اسم صاحب المقبرة: "باكن حوري" (أي: خادم حورس)، وهو شخصية لم يُعثر على أي ذكر لها في النصوص القديمة، مما يجعل هذا الكشف فريدًا من نوعه.

 

 

الهيكل المعماري

الفناء المفتوح يحتوي على عمودين مربعين، أحدهما محفوظ بالكامل، نُقش عليهما "عمود جد" كرمز للاستقرار، ويعلوهما طائر "الـ با" الذي يرمز للروح. هذه العناصر المعمارية تربط بين المقبرة ومقبرة "نمتى مس" القريبة.

من الحجر الجيري، مزينة بمناظر للإلهة حتحور وأفريز الخكر الذي يعلو النقوش.

يتوسط الجدار الغربي مدخل صغير بعرض 80 سم، يؤدي إلى صالة ذات أعمدة مزينة بنقوش لصاحب المقبرة، تحمل نفس طراز مقبرة "نمتى مس".

تُظهر الجدران صاحب المقبرة "باكن حوري" في وضع تعبدي، بصحبة زوجته "تاي باكيت"، مغنية آمون رع، أمام موائد قرابين.

اقرأ أيضاً: الرحيل الذهبي.. قناع توت عنخ آمون يستعد للانتقال إلى المتحف الكبير

 


 العناصر المعمارية والدينية

رأس البقرة حتحور: منحوتة على عمودي الصالة، وهي إشارة لصلات المقبرة بالإلهة حتحور كراعية للموتى.

تكراره داخل المقبرة يعكس الجانب العقائدي العميق والوظائف الدينية لصاحب المقبرة.

تشير النقوش إلى الألقاب المرموقة التي حملها باكن حوري، منها:

الكاتب الملكي الحقيقي

مشرف كهنة الواب

الكاهن القارئ

رئيس ورشة التحنيط في المكان المقدس

وتُعزز هذه الألقاب الاعتقاد بأن المقبرة ترتبط مباشرة بورش التحنيط المكتشفة في نفس الموقع.

 

حكاية تاي باكيت

زوجة باكن حوري، ورد ذكرها في نقوش المقبرة، حيث وُصفت بـ"مغنية آمون رع الذي في الجزيرة"، وتُجسّد جانبًا من الحياة الدينية والاجتماعية في مصر القديمة.

هذا الكشف يفتح بابًا جديدًا لفهم النشاط الجنائزي في الفترة المتأخرة من الدولة الحديثة وحتى العصر المتأخر.

يُشير وجود نفق صغير في الزاوية الجنوبية الشرقية من صالة الأعمدة إلى وجود مقبرة مجاورة لم تُكتشف بالكامل بعد.

تم تغطية المقبرة مؤقتًا بالرمال لحمايتها، على أن يتم إطلاق مشروع متكامل لاحقًا للكشف الكامل عنها.

مقارنة مع مقابر أخرى

مقبرة باكن حوري تُعد من أبرز الاكتشافات منذ اكتشاف مقبرة "واح تي" التي تعود إلى الأسرة الخامسة، وهي واحدة من أفضل المقابر المحفوظة في المنطقة. لكن تفرّد مقبرة باكن حوري يكمن في أنها غير موثقة من قبل، وأن صاحبها مجهول للمدونات التاريخية.

تُعتبر منطقة البوباستيون مزارًا أثريًا بارزًا، ارتبطت تاريخيًا بعبادة الإلهة باستت، القطة المقدسة، ومعابد أخرى كأنوبيس إله التحنيط، حيث يمثل هذا الموقع نموذجًا متكاملاً للأنشطة الدينية والجنائزية في مصر خلال الأسر المتأخرة وحتى العصر البطلمي.

يمثل كشف مقبرة "باكن حوري" إضافة ثمينة إلى سجل الاكتشافات الأثرية في سقارة، ليس فقط من حيث العناصر الفنية والدينية التي تزخر بها، ولكن لما تقدمه من أدلة جديدة حول طقوس التحنيط وأدوار الشخصيات الدينية في مصر القديمة، وإذ تستعد البعثة المصرية لاستكمال أعمال الحفر، تبقى هذه المقبرة شاهدًا على حضارة لا تزال تفاجئ العالم بكنوزها المدفونة تحت الرمال.