شهد يوم 20 يونيو من عام 1800 حدثًا مفصليًا في تاريخ مصر الحديث، إذ أقدمت السلطات الفرنسية على إغلاق الجامع الأزهر، بعد أيام قليلة من اغتيال الجنرال كليبر، قائد الحملة الفرنسية، على يد الشاب السوري سليمان الحلبي.
وقد اعتُبر هذا الإغلاق عقابًا جماعيًا ورسالة تخويف، في وقت كانت فيه مصر تعيش تحت وطأة الاحتلال، بين قمع المستعمر ونبض المقاومة. وظل الأزهر مغلقًا حتى انسحاب الفرنسيين من البلاد، ليبقى هذا الحدث شاهدًا على نضال الشعوب ورفضها للخنوع.
اقرأ أيضا | فرنسا احتفظت برفاته 200 سنة.. سليمان الحلبي قتل كليبر وبدد الحلم الفرنسي
في أعقاب اغتيال الجنرال جان باتيست كليبر، القائد العام للحملة الفرنسية على مصر، شهدت العاصمة المصرية حالة من الغليان والقلق، كان من أبرز تداعياتها قرار السلطات الفرنسية بإغلاق الجامع الأزهر في 20 يونيو 1800، أحد أعمدة التعليم والدين في مصر، ومصدر إشعاع ديني وفكري عميق في العالم الإسلامي.
بدأت القصة قبل خمسة أيام فقط، في 15 يونيو 1800، حينما نفذ سليمان الحلبي، الشاب السوري البالغ من العمر 24 عامًا، عملية اغتيال مدوية في قلب القاهرة. فقد تنكر في هيئة شحاذ، واقترب من كليبر أثناء تجوله في حديقة منزله بحي الأزبكية، مقر القيادة الفرنسية آنذاك، وطعنه أربع طعنات قاتلة، كما أصاب كبير المهندسين المرافق له.
اغتيال كليبر لم يكن مجرد عمل فردي في نظر الفرنسيين، بل رأوا فيه شرارة تمرد جديد بعد انتفاضة القاهرة الثانية، فانتشر الرعب في شوارع المدينة، واعتبر الاحتلال الفرنسي أن الأزهر الشريف، بكونه رمزًا للمقاومة ومنبعًا للفتاوى المناهضة للاحتلال، يمثل تهديدًا يجب قمعه، فجاء القرار بإغلاقه، في خطوة غير مسبوقة كان الهدف منها كسر شوكة المعارضة الشعبية والدينية.
بعد الاغتيال، توارى سليمان الحلبي عن الأنظار مؤقتًا، واختبأ في إحدى الحدائق المجاورة، لكنه أُلقي القبض عليه لاحقًا ومعه الخنجر الذي استخدم في تنفيذ العملية. وتمت محاكمته في محكمة فرنسية عاجلة، وحُكم عليه بأشد العقوبات قسوة، حرق يده اليمنى، ثم الإعدام على طريقة "الخازوق"، وهي طريقة عثمانية كانت تستخدم لبث الرعب في نفوس العامة.
ونُفذ الحكم على مرأى من الناس في موقع "تل العقارب" بمصر القديمة. وقبل تنفيذ الإعدام به، أُجبر على مشاهدة إعدام أربعة من زملائه الأزهريين الذين علموا بالعملية ولم يبلغوا الفرنسيين عنها. ثم أُحرقت يده وأُعدم بطريقة وحشية، إذ تُرك جسده فوق الخازوق لأيام عدة تتناوشه الطيور والوحوش، في مشهدٍ يُراد به الترهيب وكسر الروح الثائرة.
ما يزيد من فظاعة الحدث أن جمجمة سليمان الحلبي لا تزال حتى يومنا هذا محفوظة في متحف الإنسان بالعاصمة الفرنسية باريس، خلف مبنى التروكاديرو المطل على برج إيفل، بجوار الخنجر الذي استخدمه في طعن كليبر، وكأن فرنسا اختارت أن تخلد أداة الجريمة أكثر من تخليد رمزية النضال ضد الاحتلال.
أما الأزهر، فرغم قرار الإغلاق، لم تنطفئ روحه، إذ ظل في قلوب المصريين منارة للعلم والدين والمقاومة، حتى أعيد فتحه بعد خروج الفرنسيين من مصر في عام 1801، ليواصل دوره في صناعة الوعي، وتثبيت الهوية، ومواجهة كل غازٍ أو مستبد.
إن ما جرى في 20 يونيو 1800 لم يكن مجرد قرار إداري بإغلاق مؤسسة دينية، بل كان تعبيرًا عن صراع الإرادة بين الاحتلال وأمة تأبى الاستسلام، وصدى لقصة شاب آمن بأن الدفاع عن الأرض والعقيدة لا يُقاس بالعمر، بل بالشجاعة والكرامة.

ننفرد بنشر صورة ثلاثة قطع أثرية عثر عليها داخل منزل المتهم صبري نخنوخ
الصحف الأيرلندية تسلط الضوء على تنوع المقصد السياحي المصري
محمد البهنساوي يكتب: شركات السياحة الدينية أليس بينكم رجل رشيد؟!







