ابنتى الصغيرة خديجة، أكتب إليكِ من قلب يوم عرفة، بمداد قلمٍ ينبض بالصدق والتجرّد، راجيًا عفوكِ ومُعتذرًا لوجهكِ ووجه أبيكِ النبيل بعد أن أضنانى الألم حزنًا فى حقكما.
أكتب لكِ من مشارف يوم العيد، فى هذا اليوم الذى تُفتح فيه أبواب السماء وترتفع الدعوات من قلب عرفات، رسالةً ربما لا تعيها الآن، لكنكِ ستجدينها يومًا ما، حين تكبرين، وحين تبدئين بالسؤال عن أبيكِ: من هو؟ ماذا فعل؟ وماذا ترك لكِ؟
أكتب إليكِ كواحدٍ من أولئك الذين شهدوا لحظةً نادرةً فى تاريخ الأزهر، وكان أبوكِ، القاضى النبيل محمد عبد السلام، أحد صنّاعها الكبار، بل أحد الأوفياء القلائل الذين ساروا بالضوء وسط عتمة الجدل، والتباس اللحظة، وضجيج المخطئين فى حقه من أمثالي.
يا خديجة، ما كان أبوكِ إلا امرؤ خير، ولم يكن يومًا مجرد مستشارٍ أمين لشيخ الأزهر، لقد كان رجلًا قديرًا، شريكًا فى الرؤية، ورفيق دربٍ فى مسيرة شيخٍ عظيمٍ اختار طريق الإصلاح بالحكمة والبصيرة.
كان صوته حين يتطلب الموقف صوتًا، وكان قلمه حين تحتاج اللحظة إلى بيان، وكان قلبه حين أراد الأزهر أن يخاطب العالم بلغة السلام.
لقد جاء أبوكِ إلى ساحة العمل العام هادئًا، مُتجردًا، يحمل همًّا أكبر من كل ذلك: أن يظهر الأزهر للعالم كما هو، منارةً للسلام، أن يحفظ له استقلاله الحقيقي، أن يُسمِعَ الناس صوت الإسلام الحقيقي، لا صدى صراخ المتشددين.
أتذكر جيدًا كيف حقق الاستقلال الدستورى والقانونى للأزهر الشريف لأول مرة فى تاريخه، كيف كان يصنع الوثائق التاريخية التى وقَّعها فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، من وثيقة المواطنة إلى وثيقة الأخوّة الإنسانية، التى جمع فيها الأزهر والكنيسة الكاثوليكية لأول مرة فى لقاءٍ غير مسبوق.
لم يكن ذلك مجرد حدث عادى، بل كان بدايةً جديدةً لخطابٍ إسلاميٍ عالمي، يتّسع للآخر، ويتكئ على تراث الأزهر العريق.
يا خديجة، لكِ أن تفخرى بأبيكِ، رجلٌ من القلائل الذين يستطيعون أن يكونوا ظلًا هادئًا لعاصفةٍ كبرى، وأن يكونوا صوتًا عاقلاً فى زمن تتنازع فيه الأصوات.
لكِ أن ترفعى رأسكِ يا بُنيتى العزيزة، لأن أباكِ كان شريفاً نبيلاً، ولأن الرجال الحقيقيين يُعرفون بأثرهم، وأثره سيبقى محفورًا فى ذاكرة الأزهر، وفى سجل التعايش الإنساني، وفى أعين من يعرفون معنى أن تخدم قضية عظيمة بلا صخب، وبلا مطالب، وبلا انتظارٍ لزهو شخصي.
غدًا العيد، وسيأتى أبوكِ ويضحك معكِ، ويمنحكِ هديةً كما يفعل الآباء. لكن الهدية الحقيقية التى يمنحكِ إياها دون أن يقول، هى هذا الإرث المعنوى الغنى بمكارم الأخلاق. لقد كتب سطورًا لن تُمحى، وستعرفين يومًا أنكِ ابنةُ رجلٍ قديرٍ وشريفٍ ونبيلٍ.
فى يوم عرفة، أرفع كفى إلى الله، وأدعوه أن يحفظكِ ويحفظ والدتكِ المُكرّمة، التى أعتذر لها على وجه الخصوص، ويحفظ جدكِ القاضى الجليل وكل أسرتكِ الكريمة، وأن يجزى أباكِ عن جهوده خير الجزاء.
كل عامٍ وأنتِ يا خديجة وأبوكِ بخير، ذلك الرجل الذى طوّقنى بتسامحه.
اقبلى اعتذارى يا بُنيتي، وفُكّى وثاقى بالصفح والمُسامحة لوجه الله العظيم فى هذا اليوم العظيم.

التوافق لشركاء نهر النيل وتأمين القرن الإفريقى
صدمة الحليف!
طفرة فى جامعات مصر





