الديوان| فلك السيرة س «حياة حول محور لايعترف بك »

ضي رحمي
ضي رحمي


لدى السيدة «س» علاقة يصعب تفسيرها مع الوقت. لا تعرف بالدقة، ولا تؤمن بالمواعيد، ولا تجد حرجًا في ترك الأمور معلقة بربطها بإشارات مبهمة لا معنى لها. تسألها متى سنخرج؟ فترد: لما تمر السيارة، أو بعد شوية كده، أو لما الشمس تهدا. لا تعتمد الساعة في قراراتها، بل تعتمد على الاحساس، على الإيحاء، على إشارات لا يراها سواها. 

تبدأ يومها بقائمة طويلة من المهام في رأسها، تتحرك في البيت كأنها في سباق مع الزمن، ثم تتوقف فجأة لتشاهد مشهدًا من مسلسل قديم، أو لتقلب في أوراق قديمة. تقول إنها لا تضيع وقتها، بل «تستعيد طاقتها»، لكنها لا تتذكر بعد ذلك أين وضعت هاتفها، أو المفاتيح، أو حتى الغداء الذي طهته قبل لحظات.
الخطط المسبقة لا تنجح معها. قد تتفق معها على الخروج عند الخامسة، لكنها في الرابعة وخمسين دقيقة تقرر تنظيف البلكونة أو كي الملابس، بحجة أنها «لن تأخذ وقتًا»، وإذا اعترضت، سوف تنظر إليك باستغراب، وتقول: ما أنا بجهز!

هكذا، لا يمكنك تجاهل أثرها المرهق على تفاصيل يومك. حضورها يفرض إيقاعه على كل شيء دون منحك مساحة كافية للتنفس. لا تخلف وراءها إلا الفوضى والتبرير، وتطلب منك التفهم، والصبر، بل والتقدير. لكن الحقيقة أن الاعتياد عليها ليس تكيفًا، بل استنزاف بطيء. ومع الوقت، تبدأ في فقدان حماسك للشرح، أو الاعتراض، وحتى للمشاركة. تكتفي بمراقبتها من بعيد.  تنسحب. لا لأنك استسلمت، بل لأنك لم تعد ترى جدوى من خوض المعركة.