الديوان| أجنحة مكسورة

أشـرف غازي
أشـرف غازي


«ملف: 47»
سِري للغاية - جلسة تقييم ميداني - د. زياد عمران

الموقع: المستشفى الحكومي للأمراض النفسية - قسم الأطفال

الحالة: نورهان عبد الجليل - 9 سنوات

كان الملف يقول: «عدوانية، عصبية، لا تُبدي استجابة للأوامر، لا تنصاع للكبار، سلوكها يوحي باضطراب معادي للمجتمع.»

نفس الجمل المكررة في كل تقرير… ذات الكلمات التي تُصدر عن بالغين لا يفهمون الطفولة إلا من نافذة الصراخ.

دخلت الغرفة.

كانت تجلس على طرف الكرسي، يداها مشدودتان للخلف، كأنها تنتظر ضربة.

لم تقل شيئًا.

فقط نظرت إليّ… نظرة فارغة، خامدة، خائفة ومشاكسة في آن.

جلستُ قبالتها، بصمت.

مرّت عشر دقائق دون أن أفتح فمي.

وعندما التقت عيناي بعينيها، لمحت شيئًا لا يُكتب في ملفات.....

مددت لها علبة ألوان وورقة بيضاء.

رفضت.

ابتسمتُ، وسألتها همسًا:

- هل تحبين الطيور؟

قالت بهدوء مفاجئ:

- نعم… لأنها تطير.

قلتُ:

- وأنتِ… لمَ لا تطيرين؟

أجابت:

- لأنهم قصّوا جناحي.

لم أتمالك نفسي.

اقتربتُ منها ببطء، وهمست:

- ما رأيك أن نرسم أجنحة جديدة؟

في الدقائق التالية، بدأت يدها الصغيرة ترسم… باندفاع من يهرب، لا من يبدع.

ألوان مبعثرة، خطوط ممزقة… لكن في النهاية ظهرت طفلة بجناحين واسعين، تقف على حافة سطح.

قلت:

- هذه أنتِ؟

أومأت برأسها.

ثم أضافت خطًا أحمر فوق العيون التي تراقبها.

عندما دخل والدها ليأخذها، تشبثت بكرسيّ الغرفة، ثم بيدي.

صرخت:

- لا أريد الذهاب!

- هنا لا أحد يضرب… هنا لا أحد يصرخ… هنا أستطيع أن أطير.

نظرت إليه…

كان غاضبًا، مرتبكًا، يريد إنهاء الموقف بأسرع ما يمكن.

قلت له:

- ابنتك لا تعاني من اضطراب… هي فقط تعاني منكم.

أغلق الباب وراءه بقوة... خَلف وراءه صمتًا مكسورًا.

أما هي…

فقد بقيت هناك،

ترسم على الورق ما عجزت أن تعيشه في الواقع.

تقرير الطبيب (مُرفق في الملف):

لا حاجة إلى دواء.

فقط… امنحوها حضنًا لا ينهار، وكلامًا لا يصرخ، ومكانًا تنسى فيه أنها «مشكلة».

هذه الطفلة لا تحتاج علاجًا… بل نجاةً.

اللوحات للفنان التشكيلي| شعبان عيد