فى صباح الخميس 5 يونيو، منذ خمسين عامًا، صعد الرئيس الراحل محمد أنور السادات على ظهر المدمرة «6 أكتوبر»، ليقود قافلة الشمال الافتتاحية لقناة السويس، معلنًا للعالم عودة الملاحة بعد توقف دام 8 سنوات كاملة منذ نكسة يونيو 1967، لم يكن ذلك مجرد عبور لسفينة، بل عبور لأمة استعادت كرامتها وسيادتها، وجعلت من ذكرى الهزيمة موعدًا جديدًا للانتصار والرخاء.
من النكسة إلى النصر
تكررت حوادث تعطيل الملاحة فى قناة السويس منذ افتتاحها عام 1869، لكن أطولها كان بعد نكسة 67، حين توقفت حركة السفن تمامًا، وجاء اختيار السادات ليوم 5 يونيو ليفتح القناة من جديد بمثابة رسالة قوية بأن نصر أكتوبر لم يكن نهاية، بل بداية جديدة لاسترداد السيادة الكاملة على شريان التجارة العالمي.
رجال الهيئة
يشير المهندس وائل قدور، عضو مجلس إدارة هيئة قناة السويس الأسبق، إلى أن قرار إعادة موظفى الهيئة إلى مواقعهم صدر فى ديسمبر 1973، حين أصدر المهندس مشهور أحمد مشهور، رئيس الهيئة آنذاك، تعليماته بإعادة الحياة إلى مقار الهيئة فى مدن القناة استعدادًا لاستئناف الملاحة.
وكانت آثار الحرب مدمرة، حيث بلغت نسبة التدمير فى منشآت الهيئة نحو 85%، مكاتب الحركة، مبنى التوجيه، المعدات، وحتى المنطقة بأكملها فى بورتوفيق، كانت هدفًا دائمًا لمدفعية العدو، وتحت سطح الماء كان المشهد أكثر كارثية، آلاف الألغام، وحدات غارقة، طائرات محطمة، وهياكل عسكرية مغمورة.
تعاون دولى
فى فبراير 1974 بدأت عملية التطهير بمشاركة دولية، حيث ساعدت البحرية الأمريكية، الإنجليزية، الفرنسية، والروسية فى إزالة الألغام والعوائق، المهندس قدور كان عضوًا فى لجنة تطهير القطاع الجنوبى إلى جانب القبطان محمد كامل واللواء أحمد شوقي، وشاركت القوات المسلحة المصرية بفرق من المهندسين العسكريين وسلاح البحرية.
من التحديات الكبرى كان سد الدفرسوار الذى شيده العدو باستخدام الصخور والبنتونات وصالات نقل الرمال، بهدف قطع القناة عرضيًا ومنع أى عبور من الشمال إلى الجنوب، وكان تفكيكه أولوية لبدء التطهير.
وحدات الإنقاذ الغارقة
من بين 11 وحدة بحرية كبيرة غرقت بالقناة، كانت هناك وحدات إنقاذ مثل «الجمل» و«الفيل»، نفذتها الشركة الفرنسية قبل تأميم القناة، وعملت وفق نظام الأحواض العائمة، غرقت «الجمل» فى عدوان 67 رغم سلامتها، بينما «الفيل» غرقت مرتين، آخرها بعد العدوان، كما غرقت كراكة «كاسر» ومساعدتها «مكسر الصخور»، إلى جانب آلاف القذائف والألغام التى زرعها العدو على جانبى القناة.
استمرت أعمال التطهير حتى 29 مارس 1975، وفى خطاب أمام مجلس الشعب، أعلن الرئيس السادات إعادة فتح قناة السويس رسميًا فى 5 يونيو، بعد إزالة 35 جسمًا متفجرًا، مئات الألغام، ثلاث طائرات، وثلاث سفن محملة بالمتفجرات.
وفى وسط البحيرات المرة، ظلت 13 سفينة تجارية من جنسيات مختلفة راسية منذ يونيو 67، حاملة معها قصة انتظار دام 8 سنوات، نجا طاقمها من القصف، وحرص ملاكها على تدوير أطقمها للحفاظ على جاهزيتها، الصحافة العالمية أطلقت عليهم اسم «سفن العلم الأصفر»، بينما كان طاقما السفينتين الألمانيتين «مونستيرلاند» و«نوردويند» الأكثر التزامًا، واستطاعتا الإبحار شمالًا والوصول إلى ميناء هامبورج فى احتفال استثنائي.
السفن العالقة
من 7 حتى 30 مايو، بدأت عملية إخلاء السفن العالقة بالقناة، وكانت تلك السفن شاهدة على ثلاث مراحل فارقة فى التاريخ المصري، نكسة 67، حرب الاستنزاف، ونصر أكتوبر، وقد أثرت فى أطقمها التى جمعت بين أفراد من المعسكرين الشرقى والغربى فى زمن لم تندمل فيه بعد جراح الحرب العالمية الثانية.
وفى صباح 5 يونيو 1975، أبحرت المدمرة «6 أكتوبر» من البحر المتوسط إلى قناة السويس، وعلى متنها الرئيس السادات، كانت واحدة من أحدث القطع الحربية المصرية، واختياره لها كان رسالة واضحة: «السلام لا يتحقق إلا بقوة حتميه»، وكانت «6 أكتوبر» أول سفينة حربية مصرية تعبر القناة فى يوم الافتتاح، لتُخلّد فى الذاكرة الوطنية كرمز للنصر والسيادة.
موكب الفتح
تكوّنت القافلة الافتتاحية من كاسحتى ألغام لتأمين الطريق، ثم المدمرة «6 أكتوبر»، تلاها اليخت «الحرية»، وسفينة القيادة الأمريكية «ليتل روك»، ثم العبارتان المصريتان «سوريا» و«عايدة»، ولنشان عسكريان، تلاهم القاطرة «مارد» وثلاث سفن حربية مصرية، واختتمت القافلة بالسفينة القطرية «غزال».
تحرك الموكب وسط احتفال شعبى ضخم، استقبل فيه المواطنون الرئيس السادات على جانبى القناة، يلوّحون بالأعلام، ويرددون الهتافات، ووقف الرئيس وضيفه الأمير رضا بهلوى ولى عهد إيران على رصيف مبنى إدارة القناة فى بورسعيد، ليشهدا افتتاحًا تاريخيًا، وعودة الحياة لشريان الملاحة العالمى من جديد.

كنوز| حكايات سيدة الشاشة مع عملاق الصحافة فى ذكرى ميلادها الـ 95
كنوز| مستقبل مصر فى عقلها
كنوز| قصة «ثومة» مع الشريف فى «مسامرات الجيب» !







