«حضارة نظرت إلى السماء».. إنجازات المصريين القدماء في الفلك

 الدكتور مصطفى وزيري
الدكتور مصطفى وزيري


 كشف عالم الآثار والمصريات الدكتور مصطفى وزيري عن عظمة انجازات المصريين القدماء في علم الفلك، مؤكدًا أن هذه الحضارة لم تُبنَ على الحجارة وحدها، بل على التأمل والفهم العميق للكون.

فقد كانت مصر القديمة سبّاقة في رصد السماء وتنظيم الزمن، واعتبر علم الفلك جزءًا مقدسًا من الحياة اليومية والدينية، حيث استطاع المصري أن يربط بين حركات النجوم والكواكب وبين الزراعة، والمواسم، والمعمار، والطقوس، في تناغم مذهل بين العقل والإيمان.

حضارة السماء والعقل

لم تكن مصر القديمة حضارة حجر وصروح فحسب، بل كانت حضارة عقل وتأمل، عرفت كيف تنظر إلى السماء لتفهم الأرض، واستطاعت أن تربط بين حركة الأجرام السماوية ونظام الحياة اليومية والدينية. ولعل من أبرز العلوم التي بلغ فيها المصريون القدماء منزلة راقية هو علم الفلك، الذي شكّل لديهم علمًا مقدسًا وجزءًا لا يتجزأ من نظام الكون والحياة.

 رؤية الدكتور مصطفى وزيري لعظمة الفلك المصري القديم

كشف لنا في عالم الأسرار في مصر القديمة عالم الآثار والمصريات الدكتور مصطفى وزيري، في تصريحات خاصة لـ"بوابة أخبار اليوم"، عن الأهمية الكبرى التي أولتها الحضارة المصرية القديمة لعلم الفلك، ودوره في بناء منظومة متكاملة من المعرفة المرتبطة بالحياة اليومية والدينية والهندسية.

 الكهنة... أوائل الفلكيين في التاريخ

اقرأ أيضا| الأهرامات المجهولة.. كنوز تنتظر الترويج| من بين 124 صرحًا.. خوفو وخفرع ومنقرع احتكروا الشهرة

كان الكهنة في مصر القديمة هم الفلكيون الأوائل، وكانت مهمتهم مراقبة السماء وتسجيل الظواهر الفلكية وتحديد المواقيت، وقد اعتمدوا في حساباتهم على الرصد العيني المُنتظم لحركة الكواكب والنجوم، مما مكّنهم من ضبط الزمن بدقة مذهلة.

 التقويم الشمسي ودقة الزمن عند المصري القديم

كان من أهم منجزات الفلك في مصر القديمة هو التقويم الشمسي الذي قسّم السنة إلى 12 شهرًا، كل منها 30 يومًا، وأضاف إليه المصريون القدماء 5 أيام تُعرف بـ"أيام النسئ" لتكتمل السنة بـ365 يومًا. وقد اعتُبر هذا التقويم من أدق الأنظمة في العصور القديمة، وهو الذي استخدم في تنظيم الزراعة والمواسم والاحتفالات الرسمية.

 ارتباط الفلك بتخطيط المعابد والأهرامات

لم يقتصر تأثير علم الفلك في مصر القديمة على الحسابات الزمنية، بل امتد إلى تخطيط المعابد والقبور والأهرامات، فقد وُجهت الأهرامات الكبرى، ولا سيما هرم خوفو، بدقة لافتة إلى الجهات الأربع الأصلية، وارتبطت مداخلها وممراتها بمحاور نجمية.

كما بُنيت بعض المعابد مثل معبد "أبو سمبل" بحيث تدخل أشعة الشمس إلى قدس الأقداس مرتين سنويًا في تواريخ ذات دلالة دينية وفلكية، وهي ظاهرة ما زالت تحدث حتى اليوم.

النصوص الفلكية والخريطة النجمية في المعابد والمقابر

اقرأ أيضا| اكتشاف أثري جديد.. 3 مقابر لكبار رجال الدولة في الأقصر

عُثر على نصوص فلكية في المقابر والمعابد، ومنها ما يُعرف بـ"ساعات الليل" و"ساعات النهار"، وهي تُظهر تقسيم الليل والنهار حسب مواقع النجوم. كما ظهرت خريطة نجمية على سقف مقبرة "سننجم" في دير المدينة، وسقف معبد دندرة الذي يُعد من أوائل النماذج المعروفة للزودياك (دائرة الأبراج).

 الفلك كفلسفة كونية ونظام للحياة

لقد عبّر علم الفلك في مصر القديمة عن نظرة فلسفية للكون، حيث اعتُبر أن النظام السماوي انعكاس للنظام الأرضي، وأن الاتساق بين السماء والأرض يضمن الاستقرار والنظام. ولقد برع المصريون القدماء في علم الفلك ليس لأنهم طمحوا إلى تفسير السماء فقط، بل لأنهم سعوا إلى تنظيم الحياة على الأرض.

وكان هذا العلم أداة لضبط الزراعة وتوقيت الطقوس وتقدير الزمن وتوجيه المباني، وربط الإنسان بالكون من حوله. وإذا كانت حضارات اليوم تعتمد على الأقمار الصناعية والتلسكوبات، فإن حضارة مصر القديمة كانت تعتمد على العين المُجردة والعقل المُنظّم، في انسجام بديع بين المعرفة والإيمان.