بروسوباجنوسيا| حالة عصبية نادرة تدمر العلاقات الاجتماعية

زِيك إيدون
زِيك إيدون


بينما كان زِيك إيدون، البالغ من العمر 41 عامًا، يفرغ محتويات سيارته من مشتريات السوبر ماركت، فوجئ بشخص يقترب منه فجأة ويأخذ إحدى الأكياس من يده.

اعتقد لوهلة أنه يتعرض للسرقة، فاستعد للدفاع عن نفسه، قبل أن يدرك أن "اللص" لم يكن سوى زوجته جوليا، شريكة حياته منذ 15 عامًا، ترتدي نظارة شمسية كبيرة حجبت ملامح وجهها عنه.

ضحكت جوليا، بينما وقف زِيك مرتبكًا، يحاول استيعاب الموقف، قبل أن يستوعب أنه ببساطة لم يتعرف على وجه زوجته، لم تكن هذه المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة.

اقرأ أيضًا | لماذا يمنع بعض الأزواج زوجاتهم من تكوين علاقات اجتماعية مع الآخرين؟

زِيك، مدير تسويق من ديفون البريطانية، هو واحد من 1.3 مليون بريطاني يعانون من "عمى الوجوه" أو "بروسوباجنوسيا"، وهي حالة عصبية نادرة تجعل من يعانيها غير قادر على تمييز الوجوه، حتى تلك الأقرب إليه.

ورغم أن الأمر قد يبدو غريبًا، إلا أن المصابين بهذه الحالة لا يعانون من مشاكل في البصر أو الذاكرة أو الذكاء، المشكلة تكمن في الطريقة التي يعالج بها الدماغ المعلومات البصرية المتعلقة بالوجوه. الشخص المصاب يرى ملامح الوجه بشكل منفصل - العيون، الأنف، الفم - لكنه يعجز عن دمجها في صورة واحدة متكاملة يمكنه التعرف عليها، بحسب صحيفة ديلي ميل البريطانية. 

توضح الدكتورة جوديث لوز، أستاذة علم النفس بجامعة ستيرلينج، أن الأشخاص الأصحاء يتعرفون على الوجوه خلال أجزاء من الثانية، بينما يحتاج المصابون بـ البروسوباجنوسيا إلى وقت أطول بكثير، ويكونون أكثر عرضة للخطأ.

ويقول زِيك إن زوجته طويلة القامة وجميلة ومميزة، وهذا يساعده عادة على تمييزها،لكن في لحظة غير متوقعة أو بوجود تغيير بسيط – مثل ارتداء نظارات شمسية – قد تفشل آلية التمييز لديه تمامًا.

يُصنف "عمى الوجوه" إلى نوعين:

المكتسب: نتيجة إصابة دماغية أو سكتة.

النمائي: يظهر منذ الطفولة بدون أي إصابة واضحة، وهو النوع الذي يعانيه زِيك.

ويقول: "كنت أعاني منذ صغري، لكنني لم أكن أعرف السبب، كنت دائمًا أخلط بين أبناء عمي، وأشعر بالحرج عندما أكتشف أنني كنت أتحدث مع الشخص الخطأ".

 ويضيف: "في العشرين من عمري، جاءت صديقتي المقربة إلى محل الكتب الذي أعمل به، وطلبت كتابها، فسألتها عن اسمها وكأنني أراها لأول مرة، شعرت بالإهانة، بينما كنت أنا مذهولًا من الموقف، لاحقًا أخبرتني شقيقتها أنني كنت فظًا، لكنني لم أكن أقصد".

هذه الحادثة دفعته لمراجعة طبيب الأسرة، الذي أخبره على الفور بأنه يعاني من البروسوباجنوسيا، عندها فقط بدأت قطع الأحجية تتكشف.

آثار مدمرة على الحياة الاجتماعية

تشير دراسة حديثة نُشرت في دورية PLOS One العلمية، إلى أن تأثير عمى الوجوه على العلاقات الاجتماعية قد يكون مدمرًا. 

وتقول الدكتورة لوز، التي شاركت في الدراسة، إن بعض المصابين لا يستطيعون التعرف حتى على أفراد أسرهم أو أصدقائهم في أماكن غير مألوفة، ويعانون من القلق الاجتماعي المزمن.

"تحدث بعض المشاركين عن شعور دائم بالخوف من أن يُنظر إليهم على أنهم وقحون"، تضيف لوز. "البعض توقف عن حضور الفعاليات الاجتماعية، وآخرون عانوا من العزلة في بيئة العمل أو الجامعة".

ولا يتوقف تأثير الحالة عند البالغين فقط، إذ تشير مؤسسة Face Blind UK إلى أن نحو 270 ألف طفل بريطاني يعانون من عمى الوجوه، وتقول المتحدثة باسم المؤسسة، هازل بلاستو، إن غياب الوعي بالحالة في المدارس يجعل الأطفال أكثر عرضة للعزلة وسوء الفهم.

حتى اليوم، لا يوجد تشخيص طبي رسمي أو علاج لعمى الوجوه. لكن الباحثين يطالبون بإدراجه ضمن مظلة "التنوع العصبي" (Neurodivergence)، أسوة بالتوحد والديسلكسيا، وتشير مراجعة علمية إلى أن نحو 30% من المصابين بالتوحد يعانون من عمى الوجوه، وأن 80% منهم لديهم قدرة أقل من المتوسط على تمييز الوجوه.

أما زِيك، فيعتمد على وسائل أخرى لتمييز الأشخاص، مثل تسريحة الشعر، رائحة العطر، أو الملابس. وفي الحفلات أو الاجتماعات، تعتمد عليه زوجته سرًا لتعريفه بالضيوف.

 ويقول: "في العمل، كانت أصعب اللحظات عندما أعود من المطبخ بالأطباق ولا أعرف لمن أعطيها، الآن أعمل من المنزل، وأعرف مسبقًا من سأقابل".

ورغم أنه لا أحد من أفراد أسرته يعاني من الحالة، كان زِيك قلقًا من انتقالها لابنه البالغ من العمر سبع سنوات، لكنه يقول مطمئنًا: "راقبته عن كثب في طفولته، والحمد لله، يبدو أنه بخير".

ويختم حديثه قائلًا: "ليست أسوأ حالة في العالم، لكنها مرهقة ومربكة جدًا، لا أتمنى لأحد أن يعيشها."