علاء الدين حافظ يكتب: جوهر الفكرة.. «غياب» يختلف عن «غياب»
الأحد، 25 مايو 2025 - 05:44 م
في لحظات إعادة ترتيب خرائط النفوذ، تتعرض الدول ذات الوزن التاريخي لمحاولات «إقصاء رمزي»، عبر التشكيك في أدوارها أو اتهامها بالتراجع، لا لسبب إلا أنها رفضت الجلوس على طاولات بُنيت من خيوط العنكبوت. مصر واحدة من تلك الدول التي تُجيد فن الغياب إذا أُريد الحضور «شكليًا». الذين يهللون من فترة لأخرى بما يدعون أنه «تراجع الدور المصري» بسبب الغياب عن بعض اللقاءات هنا أو هناك، أغفلوا عمدًا أن الدور الحقيقي لا يُقاس بمظاهر التمثيل ولا بمقاعد البروتوكول، بل بالقدرة على التأثير ورسم الخطوط الحمراء من خلف الستار.
مصر لا تُقاس بصخب الإعلام، بل بهدوء القرارات التي تُربك التوازنات، لذلك حين تختار طواعيًة الغياب، فإن الغياب في هذه الحالة يكون اختيارًا واعيًا، يرفض الانخراط في ترتيبات تسعى لإعادة هندسة المنطقة وفق مقاسات المصالح الأميركية والإسرائيلية.
مصر حينما تختار الغياب فهي تفعل ما قال عنه قبل عقود المفكر الاستراتيجي الأمريكي زيغنييو بريجينسكي: «حين ترفض الدولة أن تكون جزءًا من ترتيبات الآخرين، فإنها تخاطر بأن تُفهم خطأ، لكنها تحتفظ باستقلال قرارها». هكذا فعلت مصر، رفضت أن تكون مجرّد أداة في مشروع إقليمي يكرّس الهيمنة، وفضّلت الصمت حين يكون الكلام مرادفًا للتواطؤ.
لقد اختارت القاهرة في محطات مفصلية أن تُمارس فن «الغياب الحاضر»، وهو ما يُشبه نظريًا ما أشار إليه الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي حين تحدث عن «الهيمنة الصامتة»، تلك التي لا تحتاج إلى الصخب لتُدرك، ولا إلى التصريح لتُمارس.
يخسر كثيرًا من يتعامل مع مصر بمنطق المكسب والخسارة وفق مفاهيم السوق. هذا بلدٌ لا يُقوّم بميزان الاقتصاد وحده، لأن المعادلة المصرية أشبه بنظرية الدومينو المعكوسة، حيث يؤدي تثبيت القطعة المركزية إلى منع سقوط باقي القطع. ومَن يظن أن الأزمة الاقتصادية تعني انكفاءً، لا يدرك أن الدول الكبرى تُمارس قوتها من تحت الرماد أحيانًا، وأن ضبط النفس لا يعني انعدام القدرة، بل حكمة في التوقيت.
ربما قال البعض: «لكن الصورة لا تُخفي الغياب»، ونحن نقول: بل الصورة تُبرز أحيانًا الحضور الحقيقي، لأن هناك فرقًا بين أن تكون حاضرًا في الشكل وغائبًا عن الفعل، وبين أن تكون غائبًا في الصورة لكنك حجر ارتكاز لا تكتمل المعادلة إلا في حضورك. إن مصر لا تنتظر دعوات كي تُمارس دورها، ولا تنجرّ إلى تحالفات هشّة تُبنى على الرغبات لا على المصالح.
المراقب للمشهد الإقليمي يدرك جيدًا أن مصر التي اختارت طواعيًة عدم الحضور في لقاءات عابرة ، لم تغب عن الملفات الحقيقية: من التصدي لتصفية القضية الفلسطينية، مرورًا بالخطوط الحمراء المرسومة بدقة لحماية الأمن القومي العربي والمصري، انتهاءً بالتحركات الدبلوماسية في القرن الإفريقي. هذه أفعال وليست أقوالًا، وهذه قرارات وليست «فلاشات» كاميرا.
🔳🔳🔳🔳🔳🔳🔳
الذين يتحدثون عن تراجع الدور المصري ينسون أن المعيار الحقيقي للفاعلية السياسية ليس عدد الاجتماعات التي تُشارك فيها الدول، بل مدى قدرتها على التأثير غير المباشر. على ضبط الإيقاع الإقليمي. على تحريك المياه الراكدة حين يلزم. على تثبيت ما يلزم أن يبقى ساكنًا. هذا تمامًا ما فعلته مصر في السنوات الأخيرة، حين اختارت بوعي تامّ أن تنأى بنفسها عن هندساتٍ مشبوهة للمنطقة تُراد بها تصفية القضية الفلسطينية، أو إعادة رسم خرائط النفوذ البحري وفق منطق «بلطجة القوة».
لقد كانت البوصلة المصرية أكثر وضوحًا من كثيرين حين تمسكت بمعادلة «لا سلام دون عدالة، ولا أمن دون سيادة». هذه ليست شعارات، بل ثوابت ظلّت القاهرة تُذكّر بها في كافة المحافل: لا للتوطين، لا للتهجير، لا لمشاريع «السلام الاقتصادي» التي تُفرغ القضية من مضمونها السياسي وتُحوّل الفلسطيني إلى مجرّد تابع على هامش الرفاه الإسرائيلي. ليس هذا كلام الحماسة، بل خلاصة مدرسة استراتيجية تدرك أن ما يُفرض بالقوة يتآكل بسرعة، وأن ما يُبنى على «العدل» وحده هو الذي يصمد.
حتى يتم وضع الأمور في نصابها السليم، يتوجب التعاطي مع الرؤى المصرية ضمن سياق التغيرات العالمية، فالإدارة المصرية لم تنتظر سقوط النظام الدولي القديم لتُعيد ترتيب أولوياتها، بل بدأت مُبكرًا برسم خطوط حمراء لأمنها القومي، وشرعت نوافذ شراكاتها مع مختلف القوى ومنها روسيا والصين. هذا التموضع الذكي لا يُفسَّر بمعزل عن إدراك القاهرة للتحوّلات العالمية، وسعيها للتحرّر من قبضة الهيمنة الغربية التي تريد للمنطقة أن تدور في فلكها دون رؤية للمستقبل.
من هذا المنطلق، بدا واضحًا أن مصر تراهن على العمق الإفريقي كإحدى دوائر أمنها القومي، وهو ما يتّسق مع يردده البعض: «الدولة الإفريقية القوية هي التي لا تدير ظهرها للقارة، بل تنظر إلى العالم من خلال موقعها في القارة السمراء». من هنا جاء تكثيف التواجد المصري في القرن الإفريقي، باعتبار أن الأمن القومي يبدأ من هناك، لا من الشريط الحدودي. وبينما تُغلق بعض العواصم أبوابها خلف تحالفات مؤقتة، كانت مصر تعمق من شراكاتها العابرة للحدود، انطلاقًا من قاعدة المصالح لا الإملاءات.
🔳🔳🔳🔳🔳
كثيرًا ما يُخطئ البعض في فهم ما تسميه الصحافة الغربية بـ«الغياب المصري». الواقع أن هذا الغياب المزعوم ليس سوى شكل من أشكال الحضور الصامت. الحضور الذي لا يحتاج إلى ضجيج المؤتمرات ولا إلى صور البروتوكول كي يُثبت فاعليته. الذين يعرفون كيف تتحرك الدبلوماسية المصرية يعرفون أن صمتها لا يعني تراجعًا، بل في أحيان كثيرة، يُمثّل ذروة الحكمة وضبط النفس، انتظارًا للحظة التي تُصنع فيها الفُرَص لا اللحاق بها.
الشيء بالشئ يذكر، قبل 6 سنوات دار حديث بيني وبين صديق صحفي أردني يعمل في الإمارات. كان الرجل متابعا جيدا للتقلبات السياسية بالمنطقة، حيث جلسنا نتحدث عن اللغط المُثار حول الدور المصري، حينها باغتني قائلاً: «مصر في أضعف حالاتها، حين يضرب رئيسها الطاولة بيده، يقع زلزال في الشرق الأوسط». لم تكن جملته مجرد مبالغة في التعبير، بل كانت اعترافًا ضمنيًّا بأن الدور المصري ليس حسابات أرقام ولا حجم حضور إعلامي، بل وزن تاريخي ثقيل، متى تحرك، أخلّ بتوازن اللعبة كلها. ذلك أن مصر، بخلاف كثير من القوى الإقليمية، لا تدخل التحالفات بحثًا عن الأدوار، بل حفاظًا على التوازن. ولا تُغيّب نفسها عن المشهد هروبًا من التحديات، بل رفضًا لأن تكون أداة في مشروعات تُصنع خارج الجغرافيا، وتُفرض فوق خرائط مرسومة بأقلام لا تعرف شعوب هذه المنطقة ولا تاريخها.
هذا النمط من التمركز الهادئ حول المصالح العليا يتّسق مع نظرية الواقعية البنّاءة التي طوّرها المفكر الأميركي جون ميرشايمر، التي ترى أن القوة الحقيقية للدولة تكمن في مدى قدرتها على هندسة مصالحها من دون أن تفقد مبادئها، وعلى إدارة الأزمات من دون أن تُستهلك في معارك جانبية. هكذا هي مصر ترسم خارج خرائطهم، لكنها ترسم واقع ينطلق من ثوابت الأمن القومي العربي.