طوال سنوات عمري، كنت أسمع البعض يردد مصطلح «بُقي مُر»، ولم أكن أفهم معنى هذا التعبير أو مدى عمقه الإنساني، إلى أن جاء يوم الثلاثاء الموافق السادس من مايو. هذا اليوم لم يكن يومًا عاديًا في دفتر العمر، بل كان فاصلاً صامتًا بين زمنين؛ أحدهما كنت أواجه فيه الحياة وفي ظهري سندٌ اسمه الأب، والآخر أُكابد فيه مشقة العيش وحيدًا أتكئ على فراغٍ ثقيلٍ اسمه «اليُتم». لم أذق طعم الحزن الحقيقي إلا حين أدرت ظهري للمقابر بعد أن احتضن ترابها جسد أغلى الناس. في ذلك اليوم، عرفت فعلاً كيف يكون «المرّ» لا في الفم بل في القلب والروح والذاكرة.
استيقظت صباحًا بطعم غريب لم يفارق فمي، تناولت تمرة في الأخرى، لكن الطعم لم يتغير. كان شيئًا داخليًا يشبه الحزن قبل وقوعه. بدا لي أن شيئًا ثقيلًا يتسلل إلى يومي، لكنني لم أكن أعلم أنني على موعد مع أكبر فجيعة في حياتي.
في بداية اليوم، طمأنت نفسي على نجلي المغترب، خشيت أن يكون هو مصدر القلق، لكنه كان بخير والحمد لله. هدأت قليلًا، لكن بقي شيء لا أعرف اسمه، كأن الكون يوشوشني بأنني على وشك فقدان ما لا يُعوَّض. مرت الساعات بطيئة وثقيلة، وأثناء توجهي لمستشفى العيون لإجراء المتابعة الدورية، رن هاتفي فجأة، وكان شقيقي الأصغر على الطرف الآخر، صوته كان مختنقًا والدموع تحاصره: «الحق يا علاء.. بابا تعبان ومحجوز في الرعاية.. والدكاترة بيقولوا الحالة حرجة جدًا».
وقعت الصدمة فوق رأسي كجبلٍ لا يُحتمل، للوهلة الأولى لم استوعب ما يُخبئه القدر، كل ما استوعبته أنني علمت فقط سرّ هذا « المُرّ » الذي لم يفارق فمي منذ الصباح.
في لحظة واحدة، تبدّل كل شيء. فقدت تركيزي للحظات، لم أدرِ كيف خرجت من عند الطبيب، ولم أتذكر شيئًا مما قاله لي. اتصلت بصديقي الذي يمتلك مكتبًا لتأجير السيارات، طلبت منه سيارة فورًا. كان الوقت يمر كأنه يرفض أن يمضي، وعيناي لا تفارقان شاشة الهاتف. كنت أردد دعاءً واحدًا دون وعي: «بلاش بابا يا رب.. بلاش بابا». لكن المشيئة سبقت، ورن الهاتف مجددًا بصوت آخر هذه المرة، يقول: «البقاء لله». في تلك اللحظة فقط علمت معنى «كسرة الضهر».
🔳🔳🔳🔳🔳
في وداعه على المقابر، استهل الشيخ خطبته للحديث عن سيرة والدي. قالها بصدق: «كان من أهل السنة بحق.. يُحييها بالفعل لا بالقول.. اعتزل الناس ولم يُشارك في حديث عنهم لا سلبًا ولا إيجابًا». نعم، هذه الحقيقة التي لا يعرفها الجميع. والدي كان يطبق سنّة الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام: «الصمت عن الناس، السكوت عن الغيبة، الاحترام الهادئ لكل من حوله، والبعد عن مواضع اللغط».
علّمنا بأفعاله أن «السكوت عن الناس عبادة»، وأن الإنسان لا يُحاسَب على ما لم يقل، لكنه يُسأل عما نطق به. كنت أندهش من صبره الطويل على الصمت، حتى في اللحظات التي يستفزه فيها الكلام. وكأنه كان يُسمعنا جميعًا بصمته. لم يكن يتدخل في شأن أحد، لكنه كان مرجعًا متزنًا حين نطلبه. لم يفرض رأيه يومًا، لكنه كان حكيمًا كلما احتجنا إليه.
في مرات كثيرة كنت اندهش من قدرته على الصمت واعتزال الناس، حتى في تلك المواضيع التي كانت تشخص إليه الأنظار، ظل قابضًا على جمر الترفع عن القيل والقال، وكأنه كان يُسمعنا جميعًا بصمته.
والدي رحمة الله عليه، كان يُقدّس العمل. كان يقول لنا: «اتقنوا العمل، فإن الله يبارك فيمن يتقنه، في صحته وأبنائه وعمره ورزقه»، لم أعرفه يومًا يتأخر عن موعده، أو يتهاون مع المقصر، كان كالسيف لا يخشى في «العمل» لومة لائم. أما الكذب والنفاق فكان يبغضهما بُغضًا شديدًا، ويكرر على مسامعنا دائمًا: «هذه ليست من شيم الرجال»، علّمنا أن نقول الحق ولو على رقابنا جميعًا، وأن نحترم «كلمتنا» حتى ولو كانت النتيجة عكس مصلحتنا، وأن نوقر الكبير ونحترم الصغير.
🔳🔳🔳🔳🔳🔳
حين تلمسُت أولى خطواتي في عالم الصحافة، لم يكن يخفي فخره، لكنه كان دائمًا ينبهني: «إياك أن تخون القلم.. الكلمة أمانة، والناس تصدّق المكتوب أكثر مما تسمع». لم يكن صحفيًا، لكنه كان يفهم المعنى الحقيقي لأمانة الكلمة، وربما كان ذلك منبع خوفي الدائم وأنا أكتب؛ كأنّ عينيه ترقباني فيما يخطه قلمي.
كان يهوى قراءة الصحف، وتحديًدًا الصحف القومية. وكنت كلما ذهبت لزيارته في قريتنا بالصعيد، أحرص على أن أحمل له الجرائد الصادرة صباح اليوم. لم يكن يقرأها سريعًا، بل يتأنى كمن يقرأ كتابًا مقدسًا. أتذكر جيدًا، قبل ثورة 25 يناير بعامين، كنت أحمل له بجانب الصحف القومية صحف مثل «الفجر» و«صوت الأمة» و«الدستور» الأسبوعي، فكان يتجاهلهم مُبتسمًا: «دي صحف لا ترى غير السواد». وكان رحمة الله عليه مؤمنًا بأنه مهما ساءت الأحوال في مصر «هي أحسن من غيرها». الانتخابات بالنسبة له تمثل الآلية الوحيدة للتغيير في مصر، لذا كان شديد الحرص على المشاركة والإدلاء بصوته فيها سواء رئاسية أو برلمانية. أتذكر وقتها أنني كنت من أنصار التغيير عبر الشعب بعد أن أغلق مبارك أبواب التغيير السلمي، وكنت أحدثه عن إرهاصات نهاية حقبة مبارك، وحينما كان يحتد بيننا النقاش كان يقول لي مبتسمًا: «عاوزك تبقى توحشني»، في إشارة لإطالة مدة بقائي في القاهرة وعدم نزول الصعيد زيارة.
🔳🔳🔳🔳🔳
ذكرياتي مع والدي الحبيب لا تعد ولا تحصى، من تلك الذكريات الحاضرة أمامي على الدوام؛ موقف حدث بعد خروجه إلى المعاش. كنت ألحّ عليه للبحث عن بطاقة التأمين الصحي لصرف أدويته الشهرية، حيث كنت أعلم أنه يكره التأمين الصحي نظرًا للزحام الشديد، كما أنه يكره بيروقراطية الجهات الحكومية. أمام إلحاحي وجدها بعد رحلة بحث شاقة في أوراقه القديمة، وحينما سلمني إياها أُصبت بالمفاجأة، حيث صفحاتها ناصعة البياض، رغم قضائه نحو 40 عامًا في محراب التربية والتعليم. سألته بدهشة: «يا بابا.. عمرك ما استخدمتها؟»، فرد بهدوءه المعتاد: «يا ابني استخدمها ليه؟ لا تقربوا الشبهات». لم تكن بالنسبة لي جملة عابرة، بل كانت درسًا عميقًا في تحري الحلال. من يومها، تغيّر شيء داخلي، حيث بدأت أتحسس خطواتي في الحياة بحذر أكبر، وتعلمت أن الشبهة ليست في المال، بل في كل شيء يُمكن أن يُخدش فيه الضمير.
من ضمن الذكريات أيضًا، مشاهدة مباريات الأهلي والزمالك، حيث كان والدي رحمة الله عليه يعشق النادي الأهلي، لدرجة تجعله لا يقدر على مشاهدة مباريات القمة إلا بعد تقدم الأهلي بهدف، ورغم علمه بعشقي لنادي الزمالك إلا أنه لم يؤذيني يومًا بكلمة أو تلميح عقب أي هزيمة للزمالك، وكنت دومًا احترم مشاعره بعدم المجاهرة بالفرحة في هزيمة الأهلي.
🔳🔳🔳🔳🔳
للغربة مرارتان؛ مرارة البُعد عن الوطن، والبُعد عن الأهل، طوال سنوات غربتي لما يُفارقني حنين الحديث وجهًا لوجه مع والدي الحبيب. ورغم أنني كنت أُهاتفه بصورة شبه يومية، إلا أنه كان هناك إحساس غريب بفقدان دفء الحديث معه، حيث كان دائمًا لا يُطيل الحديث معي إشفاقًا عليّ، وكنت دومًا أتلهف لأن أسمع منه « أنا بخير ومش ناقصنا حاجة غير إننا نشوفك»، هذه الجملة تحديدًا تنسيني مرارة الغربة وتشعرني أن العالم كله بخير. وحينما كنت أواجه ظروفًا صعبة في العمل، كنت أجد نفسي مدفوعًا بصورة لا إرادية للبحث عن هاتفه في ذاكرة تليفوني والاتصال به كي أُفضفض معه، غير أنه فور رده على الهاتف اكتفي بالاطمئنان عليه، حتى لا يتضاعف قلقه عليّ في الغربة.
برحيله، أدركنا أننا لم نكن فقط نعيش معه، بل كنا نستند عليه. كان «عمود الخيمة» فعلًا لا قولًا، وحين سقط انكشفت السماء من فوقنا، لكن عزاؤنا الوحيد أنه عاش كما أراد، ومات كما تمنى، دون أن يثقل على أحد، أو يتسبب في أذى أحد. منذ وفاته، وأنا أفتح هاتفي في لحظات الحنين، أبحث عن اسمه في قائمة الأرقام، ما زال محفوظًا باسم «Baba»، أضغط عليه كأنني أختبر الحلم، كأنني أراهن على المعجزة، لكن الهاتف لا يرد، ولن يرد بعد هذا اليوم المشؤوم.
وداعًا والدي الحبيب، يا من علمتنا معنى الرجولة بالأفعال لا بالأقوال، يا من علمتنا أن السيرة أطول من العمر، يا من علمتنا أن العمل عبادة، وأن الصمت أحيانًا أبلغ من ألف كلمة. سيبقى اسمك في دعائي، وستبقى سيرتك في قلبي، وسيبقى رقمك في هاتفي، شاهدًا على حب لا يموت.

محمد علي السيد يكتب: الأسرى.. عبيد وألات.. وفي الإسلام بشر
شعب مصر.. وجيشها
إدانة.. ولكن «1»







