القس أندريه زكى رئيس الطائفة الإنجيلية فى حوار لـ«أخبار اليوم» مصر «عصية» على الكسر

الدكتور القس أندريه زكى يتحدث إلى الكاتب الصحفى محمود بسيونى رئيس تحرير «أخبار اليوم»
الدكتور القس أندريه زكى يتحدث إلى الكاتب الصحفى محمود بسيونى رئيس تحرير «أخبار اليوم»


فى زمنٍ تتعالى فيه أصوات الكراهية، وتشتد فيه حِدّة الاستقطاب بمنطقتنا العربية، وسط واقعٍ مُثقَل بالجراح، تظل دعوات التسامح والتعايش أشبه بوميض نورٍ فى عتمة لا تنتهي، وفى قلب هذا المشهد تبرز التجربة المصرية كنموذج استثنائى وفريد فى ترسيخ قيم العيش المشترك والتسامح والسلام.. وفى هذا السياق، كان لـ«أخبار اليوم» هذا الحوار مع الدكتور القس أندريه زكي، رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر ورئيس الهيئة القبطية الإنجيلية، الذى شدد على ضرورة مواجهة الكراهية والانغلاق بخطاب دينى وروحى يتسم بالوسطية ويعزز مفاهيم التفاهم وقبول الآخر.. وخلال الحوار توقف رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر، عند حرص الرئيس عبد الفتاح السيسى، على تحويل مفهوم المواطنة من مجرد شعارات وقوانين إلى وعى مجتمعى راسخ، مشيدًا بخصوصية الحالة المصرية من حيث تفرّد النسيج المجتمعي، وتجربة التشريعات الداعمة للمواطنة، وصولًا إلى الدور الذى تلعبه الدبلوماسية الشعبية فى نقل صورة مصر الحقيقية إلى الخارج، وموقف المجتمع المدنى من القضايا الإقليمية العادلة.. وإلى نص الحوار:




اقرأ أيضًا | أندريه زكي يهنئ انتصار السيسي بمناسبة توليها الرئاسة الشرفية لجمعية الهلال الأحمر المصري



فى ظل تصاعد مشاعر الغضب بمنطقتنا العربية نتيجة ما يتعرض له الشعب الفلسطينى فى غزة من انتهاكات واعتداءات، ورغم كل الجهود التى تبذلها مصر لترسيخ السلام، تُصر إسرائيل على العنف والعدوان.. فى أجواء كهذه كيف يمكن أن يسهم الخطاب الدينى والروحى فى ترسيخ ثقافة التسامح وفتح آفاق جديدة للأمل والسلام بمنطقتنا الجريحة؟

- بالتأكيد علينا الحذر من خطاب الكراهية، لأنه فى معظم الأحيان -إن لم يكن دائمًا- يتحوّل إلى عنف، إذ يبدأ الأمر بخطابات تنتهى بعنف جسدى وقهر وقتل وتشريد، ولذلك فإن تجريم خطاب الكراهية يُعد من القضايا الجوهرية، ليس فقط فى منطقتنا، بل فى العالم أجمع.

ومصر من الدول التى قطعت شوطًا كبيرًا ومهمًا فى هذا المجال، وكان هناك مشروع مشترك بين الهيئة الإنجيلية والمجلس القومى لحقوق الإنسان، لتقديم رؤية للبرلمان المصرى حول تجريم خطاب الكراهية، وقد يكون هذا المشروع من أوائل المبادرات من نوعها بالمنطقة العربية.

التسامح أحد أبعاده أن «القوى هو مَن يسامح الضعيف»، وهذا المفهوم الشائع صحيح، لكنه ليس المفهوم الوحيد، فالتسامح الحقيقى يقوم على ركيزتين أساسيتين: الأولى دعم وتقوية المساحات المشتركة بين الناس والشعوب، وهو أمر يُعزز التقارب والانسجام، الركيزة الثانية وربما الأهم أن يكون للمختلف مكان وهو ما نُسميه بـ«حق الاختلاف».


عندما تتبنى الشعوب هذا المفهوم للتسامح، وقتها يمكنها العيش المشترك، لأنه لا يوجد تطابق كامل بين البشر، لا فى داخل الدين الواحد، ولا الأمة الواحدة، ولا حتى داخل الدولة الواحدة، فالتنوع والتعدد من سنن الحياة، ولهذا فإن التسامح بهذا المعنى العميق هو ما تحتاجه منطقتنا للخروج من أزماتها الراهنة، والتى ترتكز على صراع الهوية والإثنية وعلى مصادر الدخل والرزق وعلى قتل التنوع، وبالتالى نحن بحاجة لتبنى هذا الفهم العميق للتسامح، لأنه الطريق الحقيقى للسلام والاستقرار.

أولوية التسامح

هناك جهود كبيرة بُذلت خلال السنوات الماضية لترسيخ قيم التسامح سواء من مؤسسات رسمية أو مدنية، ومع ذلك ما زالت هناك قوى ممانعة ترفض هذا التوجه وترفض الانفتاح على الآخر.. فى رأيكم ومن واقع تجربة الهيئة الإنجيلية كيف يمكن اختراق هذا الحاجز من الممانعة؟ وكيف يمكن للمجتمع العربى والمصرى تحديدًا أن يجعل من قضية التسامح أولوية فى جدول اهتماماته؟

- الانغلاق أو الرغبة فى الانغلاق دائمًا ما يقود إلى التطرف، وهذه قاعدة تنطبق على كل الشعوب، وليست حكرًا على دين أو جماعة أو أمة بعينها، فكلما زادت مساحات الانغلاق زادت فرص ظهور التطرف، ومن ثم العنف، وهذه هى سلسلة الأحداث الطبيعية التى نراها تحدث من حولنا.

ومن هنا فإن مواجهة الانغلاق تُعد ضرورة لأنها الطريق إلى الاعتدال، ومن ثم إلى التسامح والعيش المشترك، وبالتالى فإن فكرة الوسطية فكرة مهمة جدًا، ولذلك نجد أن المؤسسات الدينية فى مصر -سواء الإسلامية أو المسيحية- تَتميَّز وتتسم بالوسطية، وهو ما يجعل من المجتمع المصرى نموذجًا مختلفًا، فيه مساحات مهمة من التسامح.

وبالعودة إلى التاريخ نجد أن جذور التسامح ضاربة فى عمق مصر منذ القدم؛ فقد كان الاختلاف موجودًا فى كافة المدن المصرية الفرعونية القديمة، كانت كل مدينة تعبد إلهًا مختلفًا، ومع ذلك لم يُسجل التاريخ حربًا واحدة بين هذه المدن بسبب اختلاف الآلهة، ما يعكس وعيًا مبكرًا بأهمية التعدد والتنوع.

أما عن سُبل مواجهة الممانعة والتطرف، فهى تبدأ بالاعتدال، وتستمر عبر تقديم تفسيرات معتدلة للنصوص، وقراءة متعددة لها، فمن المهم أن يدرك المفسرون أن فهم النص يختلف عن النص ذاته، وألا يُقدِّسوا أنفسهم عند تفسيرهم لما هو مُقدس، فالنصوص المقدسة شيء، وتأويلها وفهمها شيء آخر، هذا الوعى والاعتدال فى التعامل مع النصوص هو جوهر الوسطية.

تجربة فريدة

عندما اصطحب الرئيس السيسى، نظيره الفرنسى، إلى منطقة خان الخليلي، تحدث معه عن طفولته التى عاشها فى هذه المنطقة التاريخية وسط الجريج واليهود وطوائف أخرى، فى إشارة واضحة إلى أن مصر تمتلك تجربة فريدة فى التعايش المشترك.. برأيكم ما الذى يُميِّز التجربة المصرية فى التنوع والتعايش خاصة أن الطائفة الإنجيلية جزء من هذه الحالة؟ وكيف يمكن أن تستفيد منها دول أخرى تفتقر لهذا الحس؟

- التعايش فى مصر واقع أصيل وليس مجرد شعار، المصريون عندما يُعبِّرون عن اختلافهم يقولون: «احنا اتربينا مع بعض»، وهو تعبير عميق لحقيقة متجذرة فى الوجدان الشعبي، دون أى تفريق بين مسلم أو مسيحى أو حتى يهودى فى مرحلة من المراحل، هذا القبول للآخر ليس وليد اللحظة، بل يمتد فى عمق التاريخ المصري، وهو ما يجعل من التجربة المصرية نموذجًا حقيقيًا وجديرًا بالدراسة.


وهنا من الممكن أن تسألنى عن علاقتى مع القيادات الإسلامية مثلًا، والتى هى علاقة صداقة مليئة بالود الحقيقى وليست مجرد علاقة رسمية أو بروتوكولية، فحين نذهب للتهنئة فى الأعياد لا تكون مجرد زيارات قصيرة، وإنما نقضى وقتًا طويلًا -أحيانًا ساعة ونصف أو ساعتين، كما حدث ذات مرة مع فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر- فى أحاديث صادقة ومُفعمة بالاحترام والرغبة فى بناء جسور المحبة والتفاهم، فهذه الزيارات ليست مشاهد تمثيلية لأننا غير مجبرين على التمثيل، بل تعبير صادق عن واقع حقيقى نعيشه.

لقد أكدت مرارًا أن مصر «سبيكة عصية على الكسر»، وهى كذلك فعلًا، لأن التنوع فيها لم يكن مصدر انقسام بل مصدر قوة، العلاقات الإنسانية فى مصر بين المسلمين والمسيحيين متجذرة لا تقف عند حدود الدين، وإنما تمتد إلى الشراكة فى العمل وفى لقمة العيش وفى خدمة المجتمع، والأهم أننا لا نعيش فى مناطق منعزلة كما هو الحال فى بعض الدول الأخرى، بل نعيش جنبًا إلى جنب فى كل المدن والقرى، نتزاور ونأكل معًا ونعمل معًا.. من هنا، فإن لفتة السيد الرئيس، حين أخذ الرئيس الفرنسي، إلى مسجد الحسين، وتحدث معه عن هذه التجربة المصرية فى التعايش، كانت لفتة معبرة، ذات جذور تاريخية ودعائم واقعية.


الدبلوماسية الشعبية

لعبت الهيئة القبطية الإنجيلية دورًا مهمًا فى تمثيل الدبلوماسية الشعبية المصرية، فكانت صوتًا صادقًا وفاعلًا للمجتمع المدنى المصرى فى الخارج.. كيف تنظرون إلى هذا الدور من حيث الدافع الوطنى الذى بدأتم به والخطط التى وضعتموها والنتائج التى حققتموها؟ وما مدى تأثير ذلك على صورة مصر بالخارج؟

- فى الحقيقة، الدافع منذ البداية كان وطنيًا قوميًا بامتياز، لأنه من خلال علاقاتنا الواسعة بالمجتمع المدنى فى الغرب وبالكنائس والمؤسسات الدولية، لمسنا وجود صور ذهنية نمطية غير دقيقة عن مصر، خاصة بعد عام 2013، واجهنا تحديًا كبيرًا فى تصحيح هذه الصور، لأن أسهل شيء هو إلصاق الاتهامات، والأصعب هو أن تلتزم بالصدق خاصة أنى أتحدث كرجل دين إن كذبت فلن يبقى لى شيء.

طرحنا الصورة الحقيقية لما حدث فى مصر، وأكدنا أن ثورة 30 يونيو كانت ثورة شعبية حقيقية، وأن المصريين لجأوا إلى جيشهم لحماية ثورتهم وحريتهم، هذا الصوت الصادق كان يُواجه فى البداية صعوبات شديدة، خصوصًا فى الحوارات مع السياسيين والبرلمانيين فى أوروبا وأمريكا منذ 2013 وحتى 2016، لكن بفضل الله وبفضل الإصرار بدأت ثمار هذا الجهد تظهر.

ما يُميِّز هذا الدور الذى نقوم به، أن صوتنا كان صوت مجتمع مدنى مستقل، لا يمثل جهة رسمية، بل يعكس نبض الناس ومشاعرهم، ويدافع عن صورة الوطن بصدق، حتى إن قيادة مصرية رفيعة، أخبرتنى لاحقًا -بعد زيارة لنا- أنها فى أثناء زيارتها للخارجية الأمريكية، سمعت ثناءً كبيرًا على الزيارة التى قُمنا بها، وذلك لأننا عَبَّرنا بصدق عن الواقع وبحرية عن التطور الحادث فى مصر.

علاقات متباينة
دائمًا ما نشهد تغيرات فى السياسات الغربية مع تغير إداراتها خاصة فى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تأتى كل إدارة جديدة برؤية مختلفة وأحيانًا بعلاقات متباينة مع دول مثل مصر.. فى ظل هذا التباين كيف تديرون فى الهيئة الإنجيلية حواراتكم مع مختلف هذه الإدارات؟ وكيف تنجحون فى التعبير عن صوت المجتمع المدنى المصرى رغم اختلاف المرجعيات والأولويات لاسيما فى ظل وجود بعض النظرات السلبية أحيانًا تجاه مصر؟

- هناك نقطتان أساسيتان نتمسك بهما فى هذا السياق، وهما «الصدق والمعرفة»، نحن نؤمن بأن الصدق رأس مالنا الحقيقي، وهو ما نُصر عليه فى كل لقاء وحوار، إذ إننا لم نُغيِّر خطابنا تبعًا لتغيّر الإدارات، وإنما حافظنا على الوضوح والثبات فى التعبير عن الواقع المصري، بتحدياته وإنجازاته، لأن هذا هو ما يُكسبنا الاحترام على المدى الطويل.

ثانيًا: وهو أمر قد أذكره لأول مرة- أننا نعمل مع عدد من الأصدقاء الأمريكيين الذين يتمتعون بخبرة كبيرة وفهم عميق للبيئة السياسية والثقافية والاجتماعية بالولايات المتحدة، هؤلاء الأصدقاء يساعدوننا ليس فقط فى ترتيب اللقاءات، بل فى فهم مَن سنقابلهم: ما اهتماماتهم؟ ما رؤيتهم للمنطقة؟ وما الخلفيات التى تحرك مواقفهم؟، ونحن لا نذهب إلى لقاءات عشوائية، بل نحرص على أن يكون الحوار مع عدد من القيادات المهتمة بالشأن المصرى أو بشئون الشرق الأوسط، ونستعد جيدًا بمعرفة مَن نتحاور معه، وما القضايا التى تشغله.

لكن كيف تقيسون هذا النجاح فعليًا؟ ما المؤشرات التى تعتمدون عليها لتحديد ما إذا كانت تلك اللقاءات والحوارات قد أثمرت بالفعل؟
- هذه البرامج لا تقوم على اجتهاد لحظى أو تجربة عابرة، بل هى مبنية على خبرات تراكمية ممتدة، وتُطوَّر مع الوقت وفقًا لتقييم موضوعى ومستمر.. نحن لا نحكم على البرنامج منذ لحظة انتهائه، بل نرصد ما يحدث بعده، وما يُقال فى اللقاءات التالية، وما يُتخذ من قرارات بعدها، وما يطرأ من تحولات فى الفهم أو المواقف، هذه هى المؤشرات الحقيقية التى نقيس بها النجاح.

ترامب وبايدن

فى ظل ما نتابعه من تصاعد التوتر فى بعض الملفات الإقليمية خاصة فيما يتعلق بالرؤية الأمريكية للصراع فى غزة ورفض مصر القاطع لفكرة التهجير.. هل اختلفت طبيعة الحوار بينكم مع إدارة ترامب أم كانت هناك صعوبة فيها عن إدارة بايدن؟

- أنهينا جولتنا الأخيرة من الحوار مع إدارة ترامب منذ أيام، ومن الصعب إعطاء إجابة واضحة الآن، لكن أرى أن زيارتنا الأخيرة سيكون لها أثر طيب.

هل كان ملفا رفض التهجير وإعادة الإعمار ضمن الملفات المطروحة فى اللقاء الأخير مع الجانب الأمريكي؟

- بالفعل، هذا الملف كان حاضرًا ضمن أجندة الحوار، فالمجتمع المدنى له دور مهم فى مرحلة ما بعد الحرب، سواء فيما يتعلق برفض التهجير أو دعم جهود إعادة الإعمار، وكنا حريصين على طرح هذا الموضوع مع أطياف مختلفة من القيادات الأمريكية، ونتطلع إلى أن نجد تجاوبًا إيجابيًا فى هذا السياق.

تحدثتم عن التسامح والتعايش وهناك نماذج عملية للتعاون بين الأزهر والكنيسة خارج الأطر البروتوكولية، مثل «بيت العائلة المصرية».. فكيف ترون مثل هذا النموذج على أرض الواقع؟

- «بيت العائلة المصرية»، يُعد من المبادرات المهمة التى نعتز بها، ونحن شركاء فيه منذ انطلاقه، وقد لعب دورًا إيجابيًا فى عدد من المواقف التى شهدت توترات، خاصة خلال الفترات السابقة، ولا يمكن أبدًا تهميش دوره، فى بعض الحالات وفى محافظات مختلفة وبالتعاون مع السادة المحافظين ساهم تدخل «بيت العائلة» فى احتواء الأزمات وحلها بشكل هادئ وبَنَّاء.

وجود كيانات مؤسسية مثل «بيت العائلة» يدعم ثقافة العيش المشترك ويعمل على تخفيف التوترات حين تظهر، وهذا أمر فى غاية الأهمية، وأرى أن فضيلة الإمام الأكبر وقداسة البابا تواضروس، يُولِّيان هذه المبادرة اهتمامًا كبيرًا، ونحن كذلك نشارك وندعم بكل جدية.

رؤية مستقبلية

هل ما زلنا بحاجة إلى رؤية مستقبلية تُترجم إلى خطوات عملية أكثر وضوحًا على أرض الواقع؟
- نحن بحاجة إلى تشجيع المبادرات المجتمعية التى تجمع بين مختلف أطياف المجتمع والتى يشارك فيها الأئمة والقساوسة والراهبات والداعيات، وأتصور أن المبادرات المشتركة لخدمة المجتمع تُعد من أقوى الأدوات التى تعزز قبول الآخر وتُرسِّخ قيم التعددية والتسامح وتسهم فى بناء مجتمع متماسك.

بعد مرور تسع سنوات على صدور قانون بناء الكنائس، كيف تُقيِّمون هذا القانون من حيث التطبيق على أرض الواقع؟ وما مدى تجاوب الحكومة المصرية مع طلبات البناء والتقنين والتسهيلات المُقدمة للكنائس؟

- دعنى أقدِّم لك بعض الأرقام التى أظنها كفيلة بالإجابة العملية عن هذا السؤال، نحن كطائفة إنجيلية فى مصر نمتلك حاليًا ما يقارب 1500 كنيسة، قبل 9 سنوات وعلى مدار تاريخنا خلال الـ 200 عام الماضية، كان عدد الكنائس التى حصلت على قرارات جمهورية بالترخيص لا يتعدى 500 كنيسة، لكن ومنذ صدور قانون بناء الكنائس قبل 9 سنوات، تَقدَّمنا بطلبات لتقنين أوضاع 1070 كنيسة وبيت مؤتمرات (970 كنيسة و100 بيت مؤتمرات)، ومن بين هذه الطلبات حصلت نحو 600 كنيسة وبيت مؤتمرات بالفعل على قرارات تقنين.. لذلك أرى أن قانون بناء الكنائس، واحد من أهم وأفضل القوانين التى صدرت خلال العقد الأخير، وقد تم التشكيك فيه أو المزايدة عليه سياسيًا من قبل بعض القوى، لكن من الناحية العملية هو قانون ناجح بامتياز، وأتوقع أنه بحلول عام 2030، سيتم الانتهاء من تقنين أوضاع كافة الكنائس بمصر، وهو ما سيكون إنجازًا تاريخيًا غير مسبوق فى تاريخ الدولة المصرية الحديثة.

قيم المواطنة

كيف ترى ارتباط ذلك برؤية الرئيس عبد الفتاح السيسى، لترسيخ المواطنة داخل المجتمع المصري، خاصة أننا نلحظ اليوم تغيّرًا فى نظرة المجتمع لقضية بناء الكنائس، بعد أن كانت مثارًا للتوتر والمزايدات وأصبحت اليوم تمر بشكل طبيعي.. ما تقييمكم لتطور المواطنة بمصر فى ظل هذه الرؤية؟
- لا شك، وبكل يقين، أن الرئيس السيسى، كان سَبَّاقًا فى هذا الملف، سبق الجميع بما فى ذلك النُخب الثقافية، لقد نقل مفهوم المواطنة من مجرد شعارات أو قوانين إلى وعى شعبى حقيقي.. فهو لم يكتفِ بإقرار القوانين، بل رَسَّخ مبدأ أن لكل مواطن الحق الكامل فى أن يعبد ما يشاء، وجَسَّد ذلك بوضوح فى مواقف عملية، مثل سؤاله عن وجود الكنيسة بجوار المسجد فى المدن الجديدة، وهذا ليس تفصيلًا بسيطًا، بل رسالة قوية بأن الدولة تتبنى رؤية متكاملة للمواطنة.

الرئيس السيسى، جعل من المواطنة مسألة ليست نخبوية أو نظرية فقط، بل مسألة شعبية وسياسية وثقافية تُمارس على أرض الواقع، وسيذكر التاريخ له ذلك.