مع العلماء

فلا يحزنك

د.ممدوح سالم
د.ممدوح سالم


بينما كنت أتأمل حجاجية السياق فى القرآن الكريم، من قول الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: «فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون»، الآية ٧٦ من سورة «يس»، تستوقفنى بلاغة الحجاج فى ذلك الخطاب الإلهى الربوبى العجيب لرسوله الحبيب، فى سياق الالتفات المدهش الذى انتقل الله تعالى فيه من الحديث عنه (صلى الله عليه وسلم) بضمير الغائب، من قوله: «وما علمناه الشعر وما ينبغى له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين»، إلى سياق المخاطب القريب فى قوله تعالى «فلا يحزنك قولهم».

هنا نتأمل كيف يشير المولى عز وجل بجلال ضمير العظمة العلية (نا) المتصل بالفعل (علّم)، إلى نفى أن يكون نبيه ورسوله محمدًا شاعرًا، وما ينبغى له ذلك؛ لأنه ليس من طبعه، ولا مما تقتضيه جبلته.

ومن العجيب، من بعد ذلك الخطاب، أن نرى أن الله تعالى يسوق من آليات الحجاج العقلية ما يمكننا تسميته بـ (حجاجية المعايشة)، تلك التى يعيشها ويعايشها الناس بحواسهم وذواتهم، فلا يملكون معها إلا الإقرار بفضله ونعمه. 

ومع ذلك كله يأتى إعراض هؤلاء المشركين برغم وفرة تلك الأدلة العقلية على يوم القيامة، فكان طبيعيًا أن يحزن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، لإعراضهم وكفرهم من جهة، ولقولهم إنك لست مرسلًا، أو إنك شاعر، وغير ذلك مما يخفونه.. من جهة أخرى هنا يجبر رب العالمين الجبار خاطر نبيه، ويوجهه فى جميل من التوجيه عجيب.. «فلا يحزنك قولهم»! فلا تحزن أيها الرسول، ولا تأبه لقولهم. 

أى إدهاش يمكن أن يستوعبه جمال النظم فى ذلك الانتقال الذى عايشناه من انتقال الخطاب الأول من ضمير الغائب (وما علمناه الشعر وما ينبغى له)، إلى كاف الخطاب المتصل بالمخاطب القريب (يحزنك قولهم)؟! وأى جمال يمكن أن تستوعبه رحابات التأمل فى قوله (فلا يحزنك) من استعمال الفعل (يحزن) المجزوم بالسكون على (النون) الموفورة بالسكون المدجج بالشعور الإنسانى فى أصله؟

والسؤال: أيمكن استعمال الفعل ذاته فى ذلك الموضع بصيغة (لا تحزن) كما ورد فى قوله تعالى: «لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا» التوبة 40، بالقطع، لا.
إن رب العالمين يجبر خاطر حبيبه ومصطفاه جبرًا لا كسر بعده، ويقربه إليه قربًا لا بُعد بعده، فلا تحزن أيها الحبيب، بل لا يحزنك قولهم؛ فذلك من بهتانهم، «إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون» وسنكفيكهم، ونجازيهم عليه.