كنوز| 70 عامًا على غياب أسطورة الشهرة والمرض والثراء !

أنور وجدى واكتشافه الأسطورى للطفلة فيروز
أنور وجدى واكتشافه الأسطورى للطفلة فيروز


سبعون عامًا مضت أمس على رحيل النجم أنور وجدى فتى السينما الأول ونجم نجوم عصره، رحل بالجسد لكن شهرته ظلت باقية وطاغية حتى اليوم، لم يخب بريقه وظل الأول فى وجدان عشاق أفلامه التى ميزته كمؤلف ومنتج وممثل ومخرج، و« أسطى» السينما الاستعراضية التى صنعت أسطورة الطفلة فيروز، والأفلام الغنائية التى لمعت فيها ليلى مراد، ومن أعظمها التحفة السينمائية «غزل البنات»، بدأ من تحت خط الفقر، كان يدبر كسرة الخبز التى يسد بها جوعه بصعوبة، عاش حياة الصعلكة والتشرد والفلس، تمنى من الله أن يأخذ صحته مقابل الشهرة والثروة، فتحققت أمنيته وأصبح أشهر نجم فى تاريخ السينما وهلت عليه الثروة وبنى العمارة التى حملت اسمه، وأتاه المرض اللعين وهو فى ذروة نجوميته ليبدأ رحلة العذاب والمقاومة، استمتع بالشهرة لكنه لم يستمتع بالثروة ولا الفيلا ولا العمارة التى بناها، ترك كل ذلك للورثة الذين تنازعوا على ثروته وأملاكه، وما أغرب الميلودراما التى شكلت أسطورة أنور وجدى. 
اسمه الحقيقى أنور يحيى الفتال، ولد فى حى الضاهر فى 11 أكتوبر 1911، كان الابن الوحيد على ثلاث بنات لأم مصرية وأب سورى، كان طفلًا شقيًا كثير الشجار، ألحقه والده بالمدرسة العبيدية الراقية، وانتقل منها لمدرسة الفرير الفرنسية، مشاهدة السينما جعلته كثير الهرب من المدرسة التى كانت ترسل لوالده إخطارات بتغيبه فكان ينتظر ساعى البريد ليتسلم الإخطارات ويرد عليها باعتذارات مزورة بتوقيع والده من وراء ظهره!

اقرأ أيضًا| محمود عوض يروى مأزق عبد الوهاب مع الرئيس والوزير

عشقه لشارلى شابلن دفعه لإقناع اثنين من زملائه بالمدرسة للسفر إلى هوليوود للعمل بالسينما، تسللوا لباخرة فى ميناء الإسكندرية وتم القبض عليهم، وعاد أنور إلى والده فى حراسة الشرطة، لكنه قام بإعادة المحاولة بعد بضعة أسابيع بمفرده عندما سافر إلى بورسعيد ونجح فى التسلل لباخرة متجهة إلى أوروبا لكن الشرطة ألقت القبض عليه وأعادته إلى والده، ولسوء حظه أرسلت المدرسة لوالده قرار فصله بصفة نهائية، عجز والده عن التعامل معه فقد أصيبت رأسه بهوس التمثيل والبحث عن الشهرة، سعى للعمل بفرقة يوسف وهبى الذى رفضه لصغر سنه، تعود الوقوف أمام الباب الذى يدخل منه الممثلون لرؤية نجوم الفرقة، وذات ليلة شب حريق فى كواليس المسرح فاندفع أنور خلف رجال المطافئ ليساعد فى إطفاء الحريق بشجاعة لفتت نظر أحمد عسكر مدير المسرح الذى ألحقه للعمل بالفرقة كعامل لنقل الديكور، بعدها بعامين ألبسوه زى جندى رومانى فى مسرحية «يوليوس قيصر» يمسك بحربة وظهره للجمهور ولا ينطق بكلمة، كان ينام بين قطع الديكور بكواليس المسرح عندما طرده والده من البيت لتأخره فى العودة كل ليلة، واستطاع بخفة ظله أن يلفت نظر يوسف وهبى الذى أسند له دور خادم يقول جملة واحدة «من بالباب أيها المهاب؟»، وارتفع أجره من قرشين فى الليلة إلى خمسة قروش إلى ثلاث جنيهات فى الشهر، واستطاع بخفة ظله وذكائه أن يستثمر الفرص المتاحة التى جعلته يقفز لمصاف المتميزين بالفرقة، والمساحة لا تكفى لسرد رحلة كفاحه التى عانى فيها وفرض نفسه بذكائه وتراكم الخبرة لأن يكون فتى الشاشة الأول ونجم نجوم عصره. 

ويحضرنى الآن ونحن نحيى الذكرى الـ 70 لرحيله النهاية المأساوية التى تعرض لها جثمان فتى الشاشة الأول التى رواها الكاتب جليل البندارى للكاتب الكبير كامل الشناوى الذى نقلها إلينا فى مقال بعنوان «قسوة الحرمان فى حياة أنور وجدى» فى كتاب «زعماء وفنانون وأدباء» الذى يقول فيه : «كنتُ فى طريقى إلى دار أحد أصدقائى فى الزمالك، وكان معى الفنان محمد عبد الوهاب، فأشار إلى «فيلا» أنيقة وقال لى: هذه هى «الفيلا» التى كان المرحوم أنور وجدى اشتراها قبيل وفاته وأعَدَّها لمسكنه، ومات قبل أن تطأها قدماه!

اقرأ أيضًا| حكاية أثر| دموع الخلود على تابوت «جد حر».. مشهد أسطوري يجسد حزن الإلهتين إيزيس ونفتيس

وفى المساء قابل أستاذنا كامل الشناوى الكاتب الصحفى جليل البندارى أمام وزارة الأوقاف، وكان يحمل ورقة وقلمًا، فلما رأى الشناوى أخفَى الورقةَ فى جيبه، فسأله عنها متسائلًا إن كانت تتضمن أغنية جديدة، أو قصة سينمائية، أو عقدًا بينه وبين فنانين أو مقالًا سينشره فى «أخبار اليوم»، وفهم منه أنه حزين جدًا، وأنه كان يسجل فى الورقة التى دسَّها فى جيبه معلوماتٍ عن النجم السينمائى الراحل أنور وجدى، فأراد كامل الشناوى أن يزيد لمعلوماته المعلومة التى زوده بها الموسيقار محمد عبد الوهاب عن الفيلا التى بناها أنور ليسكنها لم يدخل بابها، وفوجئ بجليل البندارى يقول له بحزن وآسى إن أنور وجدى لم يسكن العمارة التى دفع فيها معظم ثروته، والتى جذبت إليه عيون الحاسدين، وأضاف قائلًا له «هل تعلم أن أنور وجدى صاحب هذه العمارة وصاحب فيلا الزمالك، لم يجد بعد موته غرفةً يبيت فيها جثمانه إلى الصباح قبل أن يتم دفنه؟!». 

صعق كامل الشناوى مما يسمع وأوضح جليل البندارى أن جثمان أنور وجدى ظل فوق الرصيف فى حراسة موظف يدعى «ليون» كان يعمل عند أنور وجدى، فبعد وصول الطائرة التى تقلُّ جثمان أنور وجدى، وتقلُّ قرينته الفنانة ليلى فوزى تجمَّعَ الناس حول ليلى، وتركوا الجثمان فى حراسة الخواجة «ليون»، وجاء أهل أنور وصحبوا ليلى معهم فى عربة، وأخذوا يتحسَّسون جسدها بأيديهم للإطمئنان على صحتها الغالية، فأكدت لهم ليلى أنها لا تحمل مرضًا، ولا تحمل لهم حقدًا، ولا تحمل أى شيء! وذهب «ليون» بالجثمان إلى مكتب أنور وجدى فوجده مغلقًا، وذهب إلى البيت فوجده مغلقًا، فبقى مع الجثمان داخل حوش العمارة، وفى الصباح استقلَّ عربةً إلى المقابر بالنعش الذى داخله الجثمان، ولم يكد أهل الفقيد يصلون إلى المقبرة، حتى جاءهم مَن يقول إن مندوب إدارة التركات قد وصل إلى مكتب المرحوم أنور وجدى، فتركوا المقابِرَ وعادوا إلى المكتب ليقابلوا مندوبَ التركات لمعرفة ما يخص كل منهم فى الميراث، وتولَّى الخواجة «ليون» وحده دفْنَ الجثمان فى حضور بعض أصدقاء أنور وجدى ممَّن ليس لهم فى تركتِه أدنى نصيب!.

ويختتم أستاذنا كامل الشناوى مقاله بقوله: «كم لقى أنور وجدى من قسوة الحرمان! عاش يكافح الفقر والإخفاق، فلما أثرى ونجح، أخذ يكافح المرض والموت إلى أن مات محرومًا من كل شيء سوى شهرته التى عاشت وتعيش من بعده، لم يستمتع بالعمارة التى شيَّدَها! والفيلا التى اشتراها لم يسكنها! والمال الذى جمعه بصحته وحياته لم ينفق منه إلا على مرضه وموته، ما أعجب حكمة القدر! عندما نستطيع الحياة لا نجدها، وعندما نجدها لا نستطيعها!». 
■■■

ما أروع كلمات أستاذنا كامل بك الشناوى شاعرنا الرقيق وكاتبنا الفيلسوف القدير الذى أوجز حكمة القدر وقسوة القلوب التى تهرول وراء المادة وتنسى جثمان صاحب الثروة ولا تشارك فى ستره بمثواه الأخير! رحم الله أنور وجدى وأسكنه فسيح جناته بقدر ما أمتعنا بأفلامه. 
 

كنوز|  75 عامًا على رحيل «قيثارة السماء» 

من المصادفات أن الشيخ محمد رفعت المُلقب بقيثارة السماء جاء إلى الدنيا فى 9 مايو 1882، ورحل فى ذات نفس اليوم الموافق 9 مايو من عام 1950، إذا احتفلنا بذكرى ميلاده يكون قد مر على إرساله للأرض من السماء 143 عاماً، وإذا احتفينا بذكرى غيابه عن الدنيا يكون قد مر على رحيله 75 عاماً، رحل بجسده وبقى صوته علامة مميزة تلتقطها الأذن من بين جميع قراء القرآن الكريم، وصوته مرتبط أكثر من أى قارئ آخر لدى المستمعين بشهر رمضان الكريم، «قيثارة السماء» رفض التعاقد مع الإذاعة اللاسلكية ظناً منه أن قراءة القرآن الكريم أمام الميكروفون «حرام» واشترط الحصول على فتوى من شيخ الأزهر ومفتى الديار، فأفتى شيخ الأزهر بعدم حرمانية قراءة القرآن فى الراديو. 

وفى ذكرى وفاته التى تناسب يوم ميلاده نقدم لقراء «كنوز» الحوار الذى أجرته معه مجلة «الاثنين» عام 1940، ويقول مندوب المجلة: إنه ذهب إليه فى داره المتواضعة بحى السيدة زينب، وقال إنه يفضل قضاء وقته بين قرينته وأولاده، ولا يغادرها إلا لقراءة القرآن فى الإذاعة، أو فى مسجد الأمير فاضل بشارع درب الجماميز يوم الجمعة، وهو يستيقظ مبكراً، ليصلى، ثم ينتقل إلى حجرة الاستقبال لمقابلة أصدقائه وزواره، ولا يأكل إلا مرة واحدة فى اليوم، ومن أحب الأكلات إليه «سد الحنك».. وأحب الأوقات إليه التى يقضيها بجانب فونوغراف أثرى، مستمعاً للشيخ سيد درويش وعبده الحامولى وصالح عبد الحى ومحمد عبد الوهاب.

هل مرت بك لحظات حرجة فى حياتك ؟

ما أكثرها، وأحمد الله أنها انتهت بسلام، ومما أذكر أننى دُعيت مرة لإحياء ليلة فى أحد الأحياء، فسافرت فى سيارة تعطلت فى الطريق، وتقدم الأهالى لمساعدتنا، فما كادوا يروننى ويسمعون اسمى حتى أقسموا أن أذهب معهم لديارهم غير مصغين إلى اعتذارى، وتركونى أذهب بعد أن وعدتهم أن أمر عليهم فى طريق عودتى.

كيف تحافظ على صوتك ؟

بتجنب البرد، وعدم البقاء فى مكان به رائحة عطرية قوية، وعدم تناول الأطعمة التى تحتوى على مواد حريفة التى يعسر على معدتى هضمها، كما إننى لا أتعشى ولا أدخن.

متى بدأت حفظ القرآن الكريم؟

بدأت وأنا فى الخامسة، وبعد ست سنوات أتممت حفظ القرآن ومجموعة من الأحاديث النبوية، وقضيت عامين آخرين فى علم التجويد، بعدها بدأت وأنا فى الرابعة عشرة أحيى بعض الليالى فى القاهرة بترتيل القرآن الكريم وبعدها صرت أُدُعى لترتيل القرآن فى الأقاليم.

هل تتذكر أول مكأفاة حصلت عليها فى حياتك؟

بالطبع، كانت عندما أحييت ليلة عند رجل متوسط الحال، اتفق معى على مبلغ عشرين قرشاً، ولكن عندما انتهت الليلة أضاف إلى ذلك المبلغ خمسة قروش أخرى، فكان لتقديره هذا فى نفسى أثر جميل.

هل صحيح أنك امتنعت عن قراءة القرآن فى الراديو بسبب اعتقادك أن ذلك حرام؟

نعم هذا حدث، ولم أقبل التعاقد مع محطة الإذاعة إلا بعد أن حصلت على فتوى من فضيلة شيخ الأزهر، وفضيلة مفتى الديار المصرية تفيد بأن إذاعة القرآن فى الراديو «حلال».

مجلة «الاثنين» - مارس 1940

 

نجاح سلام تتقمص شخصية «شارلوك هولمز»

كنت فى عهد «الشقاوة» أهوى قراءة الروايات البوليسية ومشاهدة أفلام الجرائم الغامضة، وعندما أنام أحلم بالبطولات الخارقة التى يأتيها أبطال تلك الروايات، وأرى نفسى أقوم بدور البوليس السرى الذى يكشف غموضها، وكان أخى عصام مثلى، نتشاجر على السبق فى قراءة رواية مثلاً، أو فى حل ألغازها قبل معرفة خاتمتها، وذات يوم كنا نشاهد فيلماً بوليسياً من النوع المثير، وعند عودتنا إلى المنزل عثرنا على آثار دماء حديثة على درج السلم ! 
أحسسنا بالذعر، كان يدور فى رأسينا فكرة واحدة.. الجريمة، نعم.. إن الفيلم الذى رأيناه قبل ذلك كانت فيه آثار دماء على السلم، ولم ينتبه إليها أحد من السكان الذين كانوا يصعدون ويهبطون حتى مسحوها بأحذيتهم، فهل تتكرر القصة فى الحقيقة ؟ ! 

كلا.. لابد أن تظل هذه الدماء حتى يأتى البوليس ليتوصل عن طريقها إلى القتيل، تملكنا ذعر شديد.. فربما يكون الحادث وقع فى مسكننا، ودفعت أخى ليصعد لكنه تردد وطلب أن أصعد أنا ويذهب هو لإحضار البوليس، وجاء شرطى البوليس وأخذ يفحص نقطة الدماء على السلم ويتعقبها درجة درجة، تنفسنا الصعداء عندما وجدنا أن الدماء تقود إلى شقة أخرى غير شقتنا، وكان فى داخلنا إيمان عميق بأن فى الأمر جريمة، قرع الشرطى باب الشقة، فخرج إليه الساكن الذى قال له الشرطى : «هناك آثار دماء على السلم تؤدى إلى مسكنك ؟»، هز الرجل رأسه قائلا : «لا أعرف» ! زاد شك الشرطى فعاد يسأله : «ألم تذبحوا طيوراً أو شيئاً من هذا القبيل ؟»، هز الرجل رأسه مرة أخرى! ازداد شك الشرطى وزاد اعتقادنا - أنا وأخى - بأن هناك قتيلاً فى جهة ما، عاد الشرطى يسأل الساكن : «كيف تفسر وجود هذه الدماء ؟».

كانت حيرة الساكن أعظم وطلب من الشرطى أن يدخل ليعاين المسكن بنفسه، تقدم الشرطى لداخل المسكن وأخذ يفحص الغرف، إلى أن وصل لغرفة مغلقة بالمفتاح، وبلهجة «شرلوك هولمز» طلب من الساكن أن يفتح له الباب، أخذ يدفع الباب فلم ينفتح، ظل يطرق الباب ويصيح : «أفتح يا توتو» ! لكن «توتو» لم يفتح، أحسست أننى وصلت لمفتاح اللغز، استعد الشرطى لتحطيم الباب لكن الساكن منعه وقال له إن ابنه الصغير بالداخل، وظل يتوسل إلى ابنه مرة ويهدده مرة حتى فتح الباب أخيراً، رأينا الطفل «توتو» يربط أصبعه بفردة جورب، واتضح أنه جرح نفسه وهو يلعب، وخشى أن يعرف والده فيؤذيه، فأغلق الباب على نفسه ! 

نجاح سلام «الكواكب» - 28 أغسطس 1956

إدجار جلاد .. «باشا» الصحفيين !

أنا الباشا «المحرر» كما قال عنى دولة رئيس الوزراء إسماعيل صدقى باشا متهكماً، فأضفى علىّ تسمية نهائية أفخر بها، وتتوج حياتى الصحفية الطويلة !
إن الجريدتين والمطبعة التى امتلكها، ليس مصدرها مالاً ورثته عن أبى أو صفقة عقدتها فى البورصة... إنها ثمرة عملى كمحرر، هذا العمل الذى حققت به إيمانی أن الصحافة تجعل من الحياة جهاداً له نشوة تُسكر، ولهذا أنا موقن من أن اليوم الذى يكف فيه الناس عن مهاجمتى والتقول علىّ والتحدث عنى إن صدقا أو يكون هذا اليوم خاتمة حياتى العامة، فانصرف عندئذٍ إلى زراعة الورود كذباً.. والأزهار فى حديقة لم اشترها بعد.


ادجار جلاد 

مجلة «المصور» 

كنوز: إدجارجلاد باشا من رواد صاحبة الجلالة الصحافة، أصدر جريدة «الزمان» المسائية عام 1947، و«جورنال دى إيجيبت» عام 1949، وحصل على رتبة الباشوية، لأنه أسس جائزة الملك فاروق للصحافة لتشجيع شباب الصحفيين، وجائزة الصحافة العربية.

 

1/2كلمة

بحكم موقعى فى مجلة «الجيل» كنت أتلقى من أستاذنا محمد التابعى أسبوعياً فصلاً من مذكراته المُعلنة عن أسمهان، وتردد الأستاذ مرة فى نشر برقية لها من القدس بها عبارة واحدة «يا حبيبى تعال الحقنى شوف اللى جرالى» واقترحت نشرها فوافق على مضض، لأن الأستاذ التابعى كعاشق جنتلمان لم يكن معنياً بإبراز غرامها به، رغم أن مذكراته غير المُعلنة تحتوى رسائل ساخنة ممهورة ببصمة شفتيها وخصلاتٍ من شعرها مع كلمات الحب، وكجنتلمان أيضاً تكشف المذكرات كيف انسحب من حياتها بلباقة ومودة حتى لا يجرح مشاعرها بعد تورطها فى الجاسوسية. 

كيف نحب الحياة ؟

بقلم: ميخائيل نعيمة

ما كره الإنسان الموت إلا لأنّه لم يحسن محبّة الحياة، وما كان الموت نكبة لو لم يجعل الإنسان من حياته نكبة.

النكبة هى أن نرقص فى أعراس الأرض - وقد تكون جنائز فى السماء، وأن ننوح فى جنائز الأرض، وقد تكون أعراساً فى السماء.

النكبة هى أن نتنفس الهواء لنحيا، ثم أن ننفث فى الهواء سموم أحقادنا وأجسادنا وأطماعنا لنميت ونموت !

النكبة هى أن تسقينا الأرض من عصير قلبها الطاهر، فنسقيها من دماء قلوبنا المُمزَّقة بشفرات بغضائنا وأهوائنا !

النكبة هى أن نهرب من الدنيا إلى الدين فيردّنا أولياء الدين إلى الدنيا، وأن يكون لنا من رجال الدين من يصنعون فى كلّ يوم صلباناً جديدة لا ليصلبوا عليها أنفسهم بل ليصلبوا عليها أعداءهم. 

النكبة هى أن تقلّد إنساناً وظيفة ليخدمك فيها، فيصبح سيدك وتصير خادمه !

النكبة هى أن تكون صحيح العقل، فتأتى من بيت المجانين بمن يدرّب عقلك ويثقفه، أو أن تكون سليم الجسم فتأتى من المستشفى بعليل يداويك !

النكبة هى أن يعفّر الإنسان وجهه أمام الإنسان، أو أن يتسوّل حقّ الحياة وجمالها وحريتها من إنسان مثله !

النكبة هى أن يكون الإنسان نكبة على الإنسان، وانظروا حولكم لتروا ماذا يفعل الإنسان بالإنسان! 

ونكبة النكبات هى أن تتعلّق بخيوط واهية من ذيل ثوب الحياة، ولك الحياة بكلّ أرواحها، وكل أجسادها، وكل أثوابها..

ألم أقل إننى ما جئت لأنوح ؟ وكان عليّ أن أقول كذلك إننى ما جئت لأهلِّل.. فما التهليل إلا قرار النوح البعيد !

إنما جئت لأشهد أمامكم وأمام نفسى أن القدرة التى تحيينى وتحييكم وتحيى كل شيء هى أبداً هى، لا زيادة ولا نقصان، وذلك لأنها تنفق ذاتها بدون حساب، فمن حاول أن يحاسبها فى ما تعطيه بغير حساب ربحها، ومن استأثر بها أضاعها ومن أنفقها وجدها.
أوَ لا ترون إلى النهر الذى يُفرغ ذاته فى البحر كيف يعود للبحر فيترعه من جديد ؟ !

أم لا ترون إلى البِرْكة الّتى تحاول أن تستأثر بهبة البحر كيف تمسى آسنة قذرة ؟ !

ونحن لن نتغلّب على ما فينا من أسَن الموت وقذارته حتّى نتعلم كيف نحب الحياة.

ونحن لن نتعلم كيف نحب الحياة حتى نتعلم كيف ننفقها بلا حساب وبلا أمل بأيما ثواب. 

ونحن لن ننفقها بلا حساب، وبلا أمل، بأيما ثواب حتى نمزق ما فى أيدينا من صكوك زائفة تشهد لنا بالملك فى هذا البعض منها أو ذاك، وندرك أن جسدها الكامل جسدنا، وهو لا يتقسم، وروحها الشامل روحنا، وهى لا تتجزأ، وإذ ذاك ليس فى العالم من نكبات ومنكوبين، بل أخوّة بلا حدّ، وأبوّة بلا قياس، وأمومة بلا نهاية.

■■■

أدركتُ حلاوة السكوت، ولم يدرك المتكلمون مرارة الكلام، لذا سكتّ والناس يتكلمون، لأن جذور اللذة فى الألم، وجذور الألم فى اللذة، أما السعادة فلا جذور لها البتة، وما تفهمه من كلامى فهو لك، وما لا تفهمه فهو لغيرك. 

من كتاب «زاد المعاد»

 

حياتنا سلسلة من الصدف الصغيرة التى قد يغير وقوع إحداها قبل الأخرى بثوانٍ أو بعدها بثوانٍ مجرى حياتنا كله.

د. يوسف إدريس