في مكتبه الذي تزينه خرائط فضائية وصور ملتقطة من أقمار تدور على ارتفاع مئات الكيلومترات فوق الأرض، جلس د. علاء النهري، نائب رئيس المركز الإقليمي لعلوم الفضاء بالأمم المتحدة، متحدثًا بهدوء العالم وخبرة من طاف بين أروقة المنظمات الدولية لأكثر من عقد، قبل أن يشغل هذا المنصب الأممي، كان النهري يشغل موقع نائب رئيس هيئة الاستشعار عن بعد فى مصر، ومثل بلاده لمدة تجاوزت 12 عامًا فى لجنة الاستخدام السلمي للفضاء بالأمم المتحدة، حيث حمل هم تسخير الفضاء لخدمة البيئة والتنمية.
◄ اكتشاف «الدلتا الجديدة» من الفضاء أهم إنجازاتي
◄ الكويكبات تثير شهية الدول لحروب من أجل المعادن
◄ مصر تتصدر تجميع الأقمار الصناعية.. والإمارات تغزو أعماق الفضاء
وفي حوار خاص مع «الأخبار العلمي» عبر تطبيق «زووم»، فتح لنا د. النهري، نافذة واسعة على عالم الفضاء، ليس فقط كامتداد كوني ساحر، بل كأداة حيوية لحل أزمات الأرض، حيث تحدث معنا بصراحة وحماس عن أهداف المركز الإقليمي، وأهمية علوم الفضاء فى مواجهة التحديات البيئية والتنموية، كما كشف لنا عن أبرز إنجازاته، وعلى رأسها اكتشاف منطقة «الدلتا الجديدة»، بالإضافة إلى رؤيته لمكانة الدول العربية فى السباق الفضائى العالمي، ووجهة نظره فيما يثار حول برامج الفضاء الخليجية.
كانت البداية بالسؤال عن الدور الذى يلعبه المركز الإقليمى لعلوم وتكنولوجيا الفضاء للأمم المتحدة، ، فتحدث بشغف وحماس واضح قائلا إن «المركز يمثل منصة تعليمية وبحثية فريدة فى المنطقة، تهدف إلى تطوير الكوادر العلمية فى مجالات الفضاء، وتعزيز التعاون الإقليمى والدولى فى هذا المجال المتسارع».
وأوضح أن المركز لا يكتفى بتقديم برامج تدريبية تقليدية، بل يواكب أحدث ما توصلت إليه تكنولوجيا الفضاء، حيث يقدم برامج متقدمة فى الاستشعار عن بعد، ونظم المعلومات الجغرافية، والأرصاد الجوية الفضائية، والاتصالات الفضائية، ونظم الملاحة بالأقمار الصناعية، وحتى قانون الفضاء، وهى مجالات أصبحت تمس صميم الحياة الحديثة.. وأشار بفخر إلى برنامج الماجستير فى الاتصالات الفضائية الذي يتم بالتعاون مع جامعة مؤتة الأردنية، مؤكدا أن هذا النوع من الشراكات الإقليمية يعزز بناء جيل عربى قادر على المنافسة فى علوم وتطبيقات الفضاء.
الفضاء فى مواجهة التحديات البيئية

وعن أهمية علوم الفضاء فى مواجهة التحديات المناخية والبيئية، يحافظ النهرى، على نبرته المتحمسة، وهو يقول «الفضاء لم يعد رفاهية أو مجالا للنخبة، بل أداة حيوية لمواجهة أخطر التحديات التى تهدد كوكبنا، من تغير المناخ إلى التصحر».
ثم بدأ يشرح كيف تساهم علوم الفضاء فى التصدى لتغير المناخ، مستعرضًا استخدامات الأقمار الاصطناعية فى تتبع درجات الحرارة، وذوبان الجليد، ورصد مستويات ثانى أكسيد الكربون.
ويقول: «هذه البيانات تستخدم فى نماذج التنبؤ المناخى وصنع قرارات بيئية مدروسة، قد تنقذ دولا بأكملها من كوارث مرتقبة».
ولا يكتفى النهرى بالحديث عن المناخ، بل يشير إلى دور الأقمار الصناعية فى رصد تلوث الهواء والماء، وفى التخطيط الزراعى، حيث تُستخدم صور الأقمار لرصد المحاصيل ومراقبة رطوبة التربة، ما يُسهم فى تحسين الأمن الغذائى، خصوصًا فى المناطق المهددة بالجفاف.
وفي مجال إدارة الكوارث، يوضح أن «الأقمار الصناعية باتت العيون التي ترى الأعاصير والفيضانات قبل أن تصل، وتوجه فرق الإنقاذ نحو المناطق الأكثر تضررا».
◄ اقرأ أيضًا | إطلاق قمر صناعي لمراقبة الغابات ودورة الكربون على الأرض
◄ اكتشاف الدلتا الجديدة
ومن بين الإنجازات الكثيرة التى يفخر بها، يقف اكتشاف «الدلتا الجديدة» على رأس القائمة، ويبتسم وهو يستعيد تلك اللحظات: «باستخدام الصور الرادارية، استطعنا الكشف عن منطقة غرب الدلتا القديمة، بالقرب من محور «روض الفرج «الضبعة»، بمساحة 2.2 مليون فدان ، أى نحو 30% من مساحة دلتا النيل الحالية، وأظهرت الصور تربة خصبة وفوالق تشير لوجود مياه جوفية، وأكدنا ذلك عبر دراسات ميدانية دقيقة».
وعن قدرات مصر فى الفضاء، لا يخفى النهرى فخره قائلا «لدينا كوادر بشرية متميزة، وتمكنا من إنشاء أكبر مركز فى إفريقيا والشرق الأوسط لتجميع واختبار الأقمار الاصطناعية، ويأتى بعدنا الإمارات، ثم السعودية والجزائر».
وعندما ينتقل الحديث إلى الإمارات، يشيد بخطواتها الجريئة، مضيفًا «الإمارات لا تركز فقط على الأقمار، بل تسعى لتكوين رواد فضاء حقيقيين، وأرسلت أربعة رواد إلى محطة الفضاء الدولية، قاموا بمهام علمية حقيقية، وليس كما يظن البعض أنها سياحة فضائية».
ويتوقف لحظة، ثم يتحدث بنبرة حازمة: «من ينتقد البرنامج الفضائى الإماراتى، ولا يرى فيه فائدة اقتصادية أو استراتيجية، لا يعرف شيئا عن الفضاء، و لماذا تنفق عليه الدول مليارات الدولارات سنويا».
◄ عسكرة الفضاء
وفي حديثه عن المستقبل، يطرح د. النهرى رؤية مقلقة عن «عسكرة الفضاء»، موضحا أن الفضاء لم يعد فقط ساحة علمية، بل أصبح جزءًا من البنية التحتية العسكرية والاقتصادية للدول.. ويقول «الأقمار اليوم تُستخدم للتجسس وتوجيه الصواريخ، بل وهناك تنافس على الكويكبات التى تحمل معادن نادرة، قد يشعل صراعات فى المستقبل».. ويستشهد بمحطة الفضاء الصينية «تيانغونغ» كدليل على هذا التنافس، قائلا «الصين، التى مُنعت من المشاركة فى المحطة الدولية، قررت بناء محطتها الخاصة، وهذا بحد ذاته إعلان بأن الفضاء أصبح مجالا للمنافسة السياسية».. وعندما سئل عن إمكانية وجود وكالة فضاء عربية، رد بنبرة يملؤها الأمل: «لا شىء يمنعنا سوى الإرادة، وأدعو الجامعة العربية لتبنى هذا الحلم، فيجب ألا نظل خارج هذا المشهد العالمي».
جوهرة الدولة المملوكية| «المؤيد شيخ» حكاية سلطان «نذر» بناء مسجده فوق سجنه
تدريب طلاب المستقبل| انطلاق منتدى التعليم التقنى والمهنى لدول المتوسط
خبز الأجداد يعـــود| «الساور دو» من الفراعنة إلى «الترند»







