لم تكن الرسوم الجمركية الأمريكية التي فرضها رئيس الولايات المتحدة، دونالد ترامب أداة تنظيم اقتصادي عادية، بل كانت أشبه بسدّ هائل وُضع في قلب نهر العلاقات التجارية بين أمريكا والصين، لتُعيد تشكيل خريطة التصدير العالمية.. وتُغرق شواطئ لم تكن مُستعدة لاستقبالها «اقتصاديًا».
من المكسيك إلى تايلاند، ومن فيتنام إلى الهند، الكل أصبح يتأهّب لاستقبال السلع الصينية، وتحول السؤال من هل ستأتي البضائع الصينية إلى.. من يستطيع أن يحتمل طوفان الصين الصناعي دون أن يغرق اقتصاد بلاده؟
اقرأ أيضًا| من الرسوم الجمركية للتوترات الاقتصادية.. رد فعل الصين على سياسات ترامب
فما يحدث اليوم بين الولايات المتحدة والصين عملية إعادة تشكيل جذرية لخريطة التجارة العالمية.. في حرب اقتصادية تستهدف العصب الحي للاقتصاد الصناعي.
وذلك كله بسبب الرسوم الجمركية الأمريكية التي فرضها الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب بحسب ـــ صحيفة «ذي إيكونوميست» البريطانيةــــ التي لا تسدّ فقط طريق الصادرات الصينية إلى أكبر سوق في العالم، بل تدفعها لتفيض على بقية الدول، مهددة بإغراق اقتصادات ناشئة بأسعار لا يمكن مجاراتها.
فأين ستذهب هذه السلع الصينية؟ ومن يستطيع استيعاب طوفانها الصناعي؟ وهل العالم بصدد دورة جديدة من "الحمائية" العالمية؟
الطوفان يبدأ من واشنطن
رغم أن الرسوم الجمركية الأمريكية التي فرضها ترامب على الصين لا تُعدّ حظرًا صريحًا، إلا أنها تقترب من ذلك عمليًا/ حيث يصعب حصر الأثر المتوقع، لأن الشركات الصينية ستسلك طرقًا بديلة بعيدا عن السوق الأمريكي، لكن التراجع الحاد في حجم التبادل التجاري بين البلدين (الصين والولايات المتحدة) أصبح أمرًا حتميًا، ضمن تداعيات صراع اقتصادي لم يخمد منذ عودة ترامب مرة أخرى للبيت الأبيض.
فمع تعقد مسار تصدير السلع الصينية إلى أمريكا، تبحث البضائع الصينية عن أسواق بديلة، فبعض الشركات الصينية ستغير مواقع الإنتاج لتقليل الرسوم الجمركية الأمريكية التي فرضها ترامب عليها، بينما قد يلجأ آخرون لحيل قانونية أو ملتوية لتجاوز الحواجز، لكن حتى هذه المسارات لن تعوّض التراجع في الطلب الأمريكي، الذي كان المحرك الأكبر لتجارة الصين الخارجية.
اقرأ أيضًا| تحليل انخفاض الدولار يكشف تصدع الثقة في الاقتصاد الأمريكي
🇨🇳⚔️🇺🇲
— الصين بالعربية (@mog_china) April 21, 2025
🔴الرسوم الجمركية تعزز دور الشرق وتهمش الغرب
🔥من الغرب إلى الشرق: كيف أصبحت الصين وجهة الحج الجديدة للمستهلكين الأميركيين
ترامب فرض رسوماً جمركية على البضائع الصينية بهدف "فك الارتباط".
لكن تبيّن أن النتيجة كانت ببساطة إعادة برمجة الأميركيين ليصبحوا مهرّبين مستقلين… pic.twitter.com/7G4cQX6EHZ
أرقام تكشف حجم الالتفاف
مع نهاية ولاية ترامب الأولى، شملت الرسوم الجمركية نحو ثلثي الواردات الصينية بمعدل بلغ 19%، ومع ذلك، نجح المتهربون في التحايل عبر تقليل قيمة الشحنات، أو تغيير التصنيفات، أو استخدام دول وسيطة، وقدرت مؤسسة "جولدمان ساكس" المصرفية الأمريكية أن ما قيمته 120 مليار دولار من صادرات الصين تفادت الرسوم في 2023 وحده.
وفي هذه الجولة من الحرب التجارية، استهدف الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب (آنذاك) جميع السلع الصينية تقريبًا، مما حدّ من فعالية خدع إعادة التصنيف.
كما أن دول الوساطة مثل المكسيك وفيتنام لم تعد ترحب بإعادة التوجيه، خوفًا من ردود أمريكية قد تضرب صناعاتها، فيما تعهدت رئيسة المكسيك حينها، بملاحقة محاولات التحايل بالتعاون مع واشنطن.
اقرأ أيضًا| الصحف البريطانية تقرأ بين سطور ترامب: «هذه ليست مجرد رسوم.. إنها رسالة»
إلى أين تتدفق السلع الصينية؟
من وجهة نظر ترامب ــ بحسب «ذي إيكونوميست»ـــ الفارق بين إعادة التوجيه الشرعية والاحتيالية غير مهم، وهذا يضع دولًا مثل كمبوديا والهند والمكسيك وتايلاند في مرمى نيران غير مباشرة لـ الرسوم الجمركية الأمريكية، فكلها أصبحت تُغرق السوق الأمريكي ببضائع صينية "مموّهة"، ما دفع قادتها للتعهد بتشديد الإجراءات والرقابة على المنشأ.
وما لا تبتلعه السوق الأمريكية، سيغزو أسواقًا أخرى، وبفضل دعم الحكومة الصينية لمصنّعيها، ارتفع الإنتاج وانخفضت الأسعار بنسبة 20% منذ 2023، ما أدى إلى فائض تجاري متسارع مع آسيا وأمريكا اللاتينية، ورغم الفوائد للمستهلكين، يتخوّف الساسة من أن تؤدي هذه السلع (الصينية) الرخيصة إلى قتل صناعاتهم المحلية.
وفي تايلاند، مثال حي على هذه الأزمة.. فقد انكمش الإنتاج الصناعي منذ 2019، بينما تضاعف العجز التجاري مع الصين، وتأثرت قطاعات مثل الحواسيب والإلكترونيات بشدة، إذ انخفض إنتاجها بنسبة 40%، وفي الوقت نفسه، تضطر أمريكا للبحث عن بديل لواردات الحواسيب التي كانت تستوردها من الصين بقيمة 33 مليار دولار.
من المستفيد ومن المتضرر؟
حتى الدول التي استفادت من حرب ترامب التجارية الأولى تواجه اليوم خطر السلع الصينية الرخيصة، مثال ذلك سوق الألعاب في فيتنام، ومنسوجات الهند وبنجلاديش، التي كانت تُصنع لأمريكا، كما أن إلغاء ترامب لقواعد "الحد الأدنى" زاد الطين بلّة، بعد أن كان يُعفي طرودًا أقل من 800 دولار من الرسوم الجمركية الأمريكية، ما أفاد الشركات الصينية مثل «شين وتيمو».
ولم ترد دول (ذات نزعة حمائية) مثل الهند وإندونيسيا على رسوم الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب بإجراءات مضادة، فيما ظلت أخرى كماليزيا وتايلاند مترددة خشية التصادم مع الصين، ومع تفاقم الضغوط في الأشهر المقبلة، قد لا يكون لديها خيار سوى الانضمام لصفوف الدول الساعية إلى كبح طوفان الصين الصناعي، الذي خرج عن السيطرة بعد فرض ترامب الرسوم الجمركية الأمريكية على عشرات الدول ـــ بما فيها الحليفةــــ خلال الآونة الأخيرة..
اقرأ أيضًا| ذكاء اصطناعي ساخر.. الصين تفضح أوهام عودة التصنيع الأمريكي| فيديو



بعد اتفاق إسرائيل ولبنان على وقف إطلاق النار.. تطورات الوضع «الأمريكي - الإيراني»
الولايات المتحدة تُعلن اتفاق إسرائيل ولبنان على وقف إطلاق نار
مجلس النواب الأمريكي يدعم قرارًا يحد من صلاحيات ترامب بشأن حرب إيران







