عندما أذهب الى مدينة الانتاج الاعلامى الآن، لا انسى ابدا ذكريات ايام صعبة عشناها بعد احداث يناير ٢٠١١، عندما حاصرتها ميليشيات الإخوان، وشيدوا امامها دورات مياه وخيام إعاشة، وأقاموا الولائم والعزومات من العجول التى سرقوها من مزارع وزارة الزراعة، ومنعوا الإعلاميين من الدخول، ووصفهم رئيسهم بـ «سحرة فرعون».
تذكرت ذلك بمناسبة بيانات منسوبة للجماعة تصدر تباعا، مليئة بالمغالطات والخداع حول الاوضاع فى مصر، ومعظمها لا يستحق الرد لانتهاج نفس اساليب التحريض، فى وقت يحتاج الى «استدعاء الوعى» بما يحدث حولنا فى المنطقة، وعدم الانسياق وراء الاكاذيب والشائعات.
لا وجه ابدا للمقارنة بين ما كنا وما اصبحنا، ولا انسى ايضا يوما ذهبت فيه لزيارة النائب العام الاسبق المستشار عبدالمجيد محمود بعد 25 يناير، ووجدت الطريق إلى مكتبه بدار القضاء العالى فى الدور الثانى يشبه يوم الحشر، حيث احتشد المتظاهرون والمحتجون فى كل مكان، وحاصروا مكتبه ومنعوه من الدخول، فى صورة همجية بشعة تجلب الهموم والأحزان.
لم نكن ابدا دولة وإنما بقايا دولة تصارع الزمن والاحداث للبقاء، ووقعت بين براثن جماعات فوضوية تريد الانقضاض على كل شىء، وتطبيق اساليب الدول المنهارة حولنا، التى تفككت جيوشها وتحطمت شعوبها.
ولا أنسى يوم حصار صلاح أبو إسماعيل المحكمة الدستورية العليا، ليعطى رسالة بأن القضاء تحت سيطرتهم ومنع القضاة الأجلاء من دخول مقر المحكمة، وإسقاط الدولة المدنية، لصالح مشروع الأخونة والسيطرة والتمكين.
من وقت لآخر نحتاج جرعة إفاقة من «مخدر الاستقرار»، وتنشيط الوعى وإعادة فتح ملفات «النسيان العام»، ليس بهدف جلد الذات، والتذكير بما كنا نسمعه وقتها من الوعود بالعدالة والرخاء والحرية وغيرها، وكانت كلها صروحا من الاكاذيب التى انهارت بسرعة.
استهدفت قوى الشر التى اجتاحت المنطقة تحت مظلة الجحيم العربى، ضرب الجيوش الوطنية لتتمكن من تفكيكها وتمزيقها، واستنساخ نفس السيناريو على مصر، الذى ادى الى تفكك دول الجوار، ووصلت أنظمة الحكم فيها إلى نهايتها، بعد إثارة الفتن والانشقاقات، وضرب جيوشها وفقدان دروعها الواقية.
الدول تحكم بهيبتها، والدولة المصرية لها هيبة وسطوة ومؤسسات قوية وراسخة، وفى ظهيرها شعب يصطف حولها وأهم مؤسساتها الجيش، الدرع الواقية فى المحن والأزمات والحروب، بجانب مؤسستى الشرطة والقضاء، فهذا المثلث هو كلمة السر لبقاء الدول أو تفككها وانهيارها.
لقد مرت مصر بالمحنة ودفعت الثمن غاليا ولا تزال، وعندما يأتى النسيان كأن شيئا لم يكن وينسى الجميع من باع ومن صمت، ولكن لا وعى دون صدمة، ولعل الذكرى حياة.
ورغم الانتقادات فى ملفات كثيرة فإن قدرة الدولة المصرية على حماية الاستقرار وتجنب الانهيار من الايجابيات المهمة وسط محيط مشتعل، وتوفر مناخا اكثر قدرة على جذب الاستثمارات وتحفيز التوازن السياسى والنمو الاقتصادى .

فى الخامس من يونيو
إدانة.. ولكن «2»
الذكاء الاصطناعى سفينة نوح







