من وقت لآخر، تُثار حالة من الجدل عن الدور المصري في مواجهة الحرب الهمجية التي تشنها قوات الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة، منذ عملية السابع من أكتوبر. حتمًا يتعاظم الدور المصري مقارنةً بأي أدوار أخرى، فيما يتعلق بهذه الحرب الدائرة منذ قرابة عشرين شهرًا، لأن هذه حرب، بجانب كونها تستهدف تصفية القضية المركزية الأولى للأمة العربية، فإن رُحاها تدور على الحدود المصرية بصورة مباشرة.
من الإنصاف، حين يتم التعاطي مع الدور المصري، عدم فصله عن سياقه العربي. بمعنى أن هناك أوراق ضغط عربية متعددة الوسائل، ومتنوعة الأهداف، يمكن استخدامها لإجبار أميركا، وبالتبعية أوروبا، على إيقاف الإبادة الجماعية التي ترتكبها قوات الاحتلال في غزة. هذه الأوراق ليس من بينها تحريك الجيوش، أو إلغاء اتفاقيات التطبيع، ولا حتى التهديد بسلاح النفط. غيري كثيرون تحدثوا عنها باستفاضة طيلة الأشهر التي تلت عملية السابع من أكتوبر، وبتنا نحفظها عن ظهر قلب.
في تقديري، أن الأهم من إعادة التذكير بهذه الأوراق هو التساؤل حول: لماذا لا تُلوّح –مجرد التلويح– الدول العربية باستخدامها لوقف هذه الإبادة التي قد تنجرف بالمنطقة إلى مواجهات شاملة؟
▪️▪️▪️▪️▪️
يقينًا هناك عوامل أخرى تتمحور حول غياب الأطروحات العابرة لحدود الدول العربية، لا سيما وأننا نعيش في عالم يتجه نحو التحالفات الكبرى. قبل سنوات، وتحديدًا في عام 2015، كثّفت بعض الدول العربية اتصالاتها البينية من أجل تكوين جيش عربي موحد. في تلك الأثناء، شهدت أروقة الجامعة العربية جهودًا مكثفة من أجل إنجاز هذا التحدي، باعتباره صخرة تتحطم عليها مخططات تفتيت الدول العربية.
الجيش العربي، مثل أي مشروع سابق للوحدة، باءت محاولات تشكيله بالفشل، لعدم الاتفاق على مقر قيادة الجيش، وعوامل لوجستية أخرى كان يمكن القفز عليها لو توفرت إرادة عربية حقيقية.
أتذكر وقتها دار حديث بيني وبين مسؤول بالجامعة العربية، حيث قال: «كنا نردد بأن العرب اتفقوا على ألا يتفقوا من باب التندر، لكن يبدو أن الأمر كذلك».
مرت السنوات سريعًا، وواجهت المنطقة العربية زلزال السابع من أكتوبر، وتوابعه المميتة على الشعب الفلسطيني حتى اللحظة الراهنة، وباتت الإدارات العربية في موقف لا تُحسد عليه، نتيجة عدم القدرة على إيقاف المذابح داخل قطاع غزة. وهنا، بدلًا من البحث عن حلول وآليات للخروج بموقف عربي موحد في وجه هذه المخططات التي تستهدف خروج فلسطين من الجغرافيا العربية، صُوّبت السهام مجددًا نحو مصر، وكأن المطلوب الزج بمصر «وحيدة» في صدام مسلح مع الاحتلال الإسرائيلي ومن خلفه أميركا والكتلة الغربية.
▪️▪️▪️▪️▪️
نعود مجددًا إلى ما ذكرته حول غياب الأطروحات العابرة للحدود. ما أقصده أنه لن يكون هناك ثقل عربي فاعل على الخريطة الدولية في ظل حالة التشرذم الراهنة. أتحدى أن يكون هناك اتفاق عربي على خطة بعينها لإنهاء أي أزمة عربية. هل هناك اتفاق على خارطة طريق عربية لمستقبل السودان؟ هل هناك خطة عربية تحافظ على «عروبية» سوريا التي تواجه تحديات جمّة في طريق بناء حقبة ما بعد الأسد؟ هل هناك إجماع على خارطة طريق لتطويق المد الإسرائيلي في الدول العربية؟ حتمًا لا… لكل دولة عربية حساباتها التي تتقاطع مع مصالح دول عربية أخرى في الملف الواحد، ما يعطي انطباعًا بأن مصلحة الدولة الواحدة تعلو فوق المصلحة الأهم التي تتمثل في مصطلح الأمن القومي العربي.
أعلم أن البعض يعتبر مصطلح «الأمن القومي العربي» من مخلفات الماضي، ولا وجود له في زمننا الحالي. أعلم أيضًا أن كل دولة عربية تبحث عن أمنها القومي في المقام الأول، ثم أمن حلفائها –غير العرب– حتى ولو كان على حساب دول عربية شقيقة. نعم، هذه هي الحقيقة التي لا يتوجب معها دفن الرؤوس في الرمال.
لكن دعونا نفكر ولو مليًا… ماذا جنينا من استراتيجية «أنا ومن بعدي الطوفان»؟ جنينا المزيد من الثقوب السوداء في الجسد العربي (فلسطين - اليمن - سوريا - العراق - لبنان - ليبيا - السودان)، والأقواس مرشحة لضم المزيد.
ما دمنا جربنا هذه الاستراتيجية وحصدنا الضعف والهوان، دعونا نتحد مرة تحت مظلة جامعة، سواء كانت الجامعة العربية أو أي مظلة أخرى، شريطة أن نخرج منها بأطروحات «الكل في واحد».
▪️▪️▪️▪️▪️
حتماً، الاتحاد العربي لن يكون سهلاً، في ظل حالة التربص تجاه محاولات عودة العمل العربي المشترك، لكنه يمثل الخيار الأوحد أمام حالة الهوان التي نحن عليها. الدول من حولنا في سباق مع الزمن من أجل اللحاق بركب التحالفات الكبرى. دول عريقة تقف على باب الناتو منذ عشرات السنين، وأخرى مستعدة لتقديم تنازلات مؤلمة بحثًا عن مظلة جيوسياسية. الوقت لم يفت بعد، شرط أن نتحد على كلمة سواء.
بيت القصيد… عالم اليوم لا مكان فيه للضعفاء. إما أن تلحق بركب الأقوياء، وإما ستنتظر دورك في الالتهام. قبل عقود، قال المؤرخ المصري الكبير جمال حمدان: الخروج من التاريخ يتبعه حتماً الخروج من الجغرافيا، فهل ستتحقق نبوءة حمدان، أم سنتعلم من دروس التاريخ؟ الأمر هذه المرة جد خطير، و«المواقف الرمادية» كبّدت الأمة خسائر باهظة الثمن.

عيد الإعلاميين
ايمان ممتاز تكتب : لماذا يحتاج الشباب إلى الوعي السياسي الآن أكثر من أي وقت مضى؟
ياسر عبد العزيز يكتب: عفوًا .. كابتن لبيب ورفاقه الاستقالة لا تمر فوق جبل الديون







