مرور ٢٢ عاما على سقوط بغداد، على يد الغزو الأمريكى للعراق ، واحتفال الجامعة بمناسبة انشائها الـ ٨٠ ، مناسبة للعودة بالرصد ، عن ذكرياتى لبعض الأحداث العربية التى مثلت فرصة لم يتم انتهازها ، كانت كفيلة بتغيير المشهد فى المنطقة .
قل ماشئت فى حق الجامعة العربية، ولكنها بدون شك الصوت الجامع والحصن الحصين للقضايا العربية، كما قال أحمد أبو الغيط الأمين العام للجامعة العربية، فى مناسبة الاحتفال بمرور ٨٠ عاما على انشائها، منذ أسابيع قليلة، كما أنها لعبت دورًا محوريا فى دعم تلك القضايا، كما قال بيان وزارة الخارجية ومن جهته يقر السفير حسام زكى الأمين العام المساعد للجامعة العربية، بحقيقة ( أنها مرت بنكبات وانتكاسات بعضها تاريخي، وصدمات من داخل النظام العربى وخارجه، واعتقد البعض أنها لن تبقى أو تستمر، فخسروا الرهان، فهى مازالت موجودة، وقائمة وتجمع العرب تحت رايتها قدر ما أمكن ذلك، فى عالم من الجنون، والتجاوزات وغطرسة القوة، والظلم وأكل الحقوق ) .
وافتخر بأننى كنت شاهد عيان على عمل الجامعة، منذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي، مطلعا على كواليسها ، مشاركا بالتغطية الصحفية فى كثير من نشاطاتها وفعالياتها، وبعضها فارق فى العمل العربى المشترك، وانحاز إلى مقولة أن هناك بعض الفرص الضائعة على الصعيد العربي، كانت كفيلة بتغيير مسار الوضع برمته، وبالطبع لاتتحمل الجامعة العربية وأمانتها العامة مسئولية ذلك الضياع.
وتتعدد الفرص الضائعة فى الحقب الماضية، ولكنى أتوقف عند نماذج صارخة، منها رفض عراق صدام حسين استثمار الغطاء العربى للتراجع، الذى يحفظ ماء وجهه ،عن قراره بغزو الكويت فى قمة أغسطس ١٩٩٠، أشير أيضا إلى قمة شرم الشيخ فى مارس ٢٠٠٣ ،التى طرحت فيها الإمارات مقترحا - حتى لو اختلفنا حول مضمونه - فى قطع طريق الغزو الأمريكى للعراق، ومازلنا ندفع شعوبا ودولا ثمنه ، كما ضاعت فرصة ثالثة ،عندما تم فى قمة سرت العربية مارس ٢٠١٠ ،إجهاض مشروع عمرو موسى بتشكيل رابطة الجوار الجغرافى ، تمثل مظلة إقليمية تضم الدول العربية، ودول منها مثل تركيا وإيران وإثيوبيا، كانت كفيلة بخلق آليات لتنظيم العلاقات غير المستقرة، وأخيرا قمة شرم الشيخ فى مارس ٢٠١٥ ، والتى شارك فيها لأول مرة الرئيس عبدالفتاح السيسى ، والتى تبنت بالفعل مقترحه المهم، بتشكيل قوة عربية مشتركة، لمواجهة التحديات وصيانة الأمن القومى العربى ،وكانت كفيلة لو توافق العرب عليه ، بتوفير إطار عربى لحفظ الأمن والاستقرار فى قطاع غزة ، وكذلك الأزمتان الليبية والسودانية، وحتى اليمنية ،ولضيق المساحة سأتوقف عند النموذجين الخاصين بالعراق.
حرب العبث
أتذكر أن رئيس تحرير مجلة آخر ساعة محمد وجدى قنديل رحمه الله، اتصل بى صباح يوم الجمعة، لينقل لى شكوى السفير نبيل نجم سفير العراق فى القاهرة، مد الله فى عمره، من توقف التواصل بيننا فى الفترة الأخيرة، فقلت له اهتمامنا سابقا بالسفير كان نتاجا عن خوض بلاده حربا ضد إيران، ودعم مصر للعراق، وقد انتهت الحرب، يومها اتفقنا على عمل الحوار، وهو ما تم بالفعل، وتركز على آليات استمرار صرف تحويلات العمالة المصرية فى العراق، وعندما كنت أجمع أوراقى، قال لى (هناك موضوع مهم لم نتطرق له وهو التأثير الكارثى للعب بأسعار البترول على الاقتصاد العراقي)،ولم يكن الأمر مثارا على المستوى الإعلامى ، وضاع منى انفراد صحفى، فلم تمر أيام حتى بدت مظاهر أزمة ضخمة عندما استضاف العراق قمة عربية طارئة ، فى بغداد فى ٢٨ مايو ١٩٩٠، والذى خصص يومها للبحث فى مخاطر الأمن القومى العربى ، واتهم الرئيس صدام حسين الكويت بسرقة النفط العراقي، وبدأت الأحداث فى التصاعد بعد وصول شكوى لجامعة الدول العربية بهذا الخصوص، بعد أن امتدت الاتهامات إلى الإمارات فى ١٦ يوليو من نفس العام، وتمكنت يومها من الحصول على المذكرة والردور الكويتية والإماراتية، وقمت بنشر نصوصها فى تقرير لى بمجلة آخر ساعة.
وزادت حدة الأزمة يوما بعد يوم، رغم التحركات المكوكية التى شملت العديد من الاتصالات بين الرئيس الراحل حسنى مبارك، وعدد من القادة العرب حتى باغت الرئيس العراقى صدام حسين بغزو الكويت، فتحول الجهد إلى مسار آخر وهو آليات ضمان انسحاب القوات العراقية من هناك، وبالصدفة كانت القاهرة تستضيف مؤتمر لوزراء خارجية الدول الإسلامية ، وسهل ذلك عقد اجتماع عاصف للوزراء العرب وطرح رئيس الوفد العراقى وجهة نظره، التى لم تختلف عن المذكرات التى سبق إرسالها إلى الجامعة العربية، بالإضافة إلى إشارته إلى ان إصدار قرار بإدانة بلاده، يفتح الطريق أمام التدخل الأجنبى خاصة الأمريكى فى شئون المنطقة، واستعرض ما اسماه مخطط أطلق عليه قص العراق إلى حجمه الطبيعى ، واستمرت الاجتماعات إلى ١٨ ساعة كاملة على يومين، وسط أزمة حول البند السادس للميثاق ،الذى يتطلب إجماع الدول العربية على أى قرار حول الإجراءات اللازمة لمنع هذا العدوان، ولكن الأمور ذهبت إلى التصويت على مشروع القرار، الذى يدين الغزو ،ويطالب العراق بالانسحاب الفورى مع رفع الأمر إلى القادة العرب للنظر فى آليات معالجة الأزمة، ولم يختلف المشهد فى القمة العربية الطارئة، التى استضافتها القاهرة فى النصف من أغسطس عام ١٩٩٠ ، والتى مثلت الفرصة الأخيرة لتفادى صدور قرار بإدانة بغداد، ودعوتها إلى الانسحاب من الكويت، وسط خلافات غير مسبوقة، وتهديدات واستخدام لغة أبعد ما تكون عن الدبلوماسية.
وهكذا أضاع صدام حسين فرصة انعقاد القمة العربية، وإيجاد معبر للتراجع عن فعل غزو الكويت ، ولكنه ظل على حاله، وهو يرى حشودا من جيوش العالم على حدوده، حتى وقعت الواقعة ببدء العمليات الخاصة بتحرير الكويت، كما حددتها واشنطن فى السابع من يناير من العام التالى ١٩٩١ ،واستمرت أسابيع حتى نهاية شهر فبراير التالي، وكان المخطط الأمريكى استمرار العمليات لإسقاط صدام حسين، واحتلال العراق، ولكن دولا عربية وفى القلب منها مصر، عارضت الفكرة، باعتبار المهمة انتهت بتحرير الكويت ،ورفضت مشاركتها فى أى عمليات تستهدف العراق .
جولة جديدة
وعلى مدى ١٢ عاما كاملة، عاش الشعب العراقى وقائع مأساة إنسانية، حصار جوى واقتصادي، والتحكم فى مقدرات البلاد، والتصرف فيها عبر برنامج النفط مقابل الغذاء، وصراع بين واشنطن والحكومة العراقية حول ملف نزع أسلحة الدمار الشامل، وزادت معدلات التوتر فى نهاية عام ٢٠٠٢، بعد الخلاف حول دور المفتشين الدوليين، وأصدر مجلس الأمن قرار ١٤٤١ سمح بعودتهم، إلا أن واشنطن ومعها بريطانيا استمرتا فى الحشد العسكرى رغم الرفض الدولي، للذهاب إلى حرب جديدة، وساعد ذلك على تنامى المطالب العربية بأهمية عقد قمة طارئة، وتباينت كالعادة المواقف ، بعد أن طرحت الإمارات مشروعها لحل الأزمة، تضمن أربعة بنود، وهى تخلى القيادة العراقية طواعية عن السلطة، وتقبل مغادرة العراق، مع تمتعها بكل المزايا المناسبة، خلال أسبوعين من الموافقة على المبادرة، مع تقديم ضمانات دولية قانونية ملزمة بعدم التعرض لها أو ملاحقتها، مع إصدار عفو عام وشامل داخل العراق وخارجه، على أن تتولى الجامعة العربية مع الأمم المتحدة الإشراف على وضع انتقالى فى العراق، لمدة ستة أشهر، وقد شهدت الكواليس العديد من الأزمات ، حول المبادرة نفسها ، وسط تباين فى المواقف منها ، وكذلك الحديث عن أن تنحية صدام كان بطلب أمريكى ، مع تصريحات من العديد من المسئولين الأمريكيين، حول (نظرية الدومينو) ،والتى تنص على أن تغيير النظام العراقى ،بداية لإسقاط أنظمة أخرى فى المنطقة، ولم تمر سوى أيام فقط وتحديدا فى ١٩ مارس ٢٠٠٣ ، حتى بدأت واشنطن عملياتها العسكرية، بشن غارات جوية وغزو برى حتى الأول من مايو من نفس العام .
وهكذا أضاع النظام العراقى (فرصة الانسحاب من الكويت) فعاش الشعب العراقى فى مأساة إنسانية لأكثر من ١٢ عاما ، ورفض (الخروج الآمن) فكانت النتيجة حالة عدم استقرار فى المنطقة ، ودخلت البلاد فى معادلة صراع إقليمى ( ليس لها فيها ناقة ولا جمل ).

د. محمد كمال يكتب: قراءة في أبعاد التفاهم الأمريكي - الإيراني وتوازنات القوى
بقرة إسرائيل الحمراء!
ليبيا وحلم الوحدة





