يبدو أن سؤال وماذا بعد مرور عامين على الحرب فى السودان مشروع ويحتاج إلى إجابة، فليس هناك حروب للأبد، كما أن الأسابيع الأخيرة شهدت ملامح تغيير مهم فى موازين القوى باتجاه قدرات الجيش السودانى على حسم الصراع لصالحه ضد ميليشيات الدعم السريع، حيث نجح فى فترة بسيطة فى فرض سيطرته على ثلثى البلاد، فهو موجود فى أغلب المناطق الشمالية والشرقية والجنوبية الشرقية، وكذلك ولايات الشمال البحر الأحمر ونهر النيل والخرطوم وكسلا والقضارف والجزيرة وسنار والنيل الأزرق والنيل الأبيض وجنوب كردفان، بينما اقتصر وجود الدعم السريع فى أجزاء من دارفور ومناطق متفرقة من كردفان فى الشمال والغرب فى ظل وجود دعوات داخل الجيش لمواصلة القتال حتى دارفور معقل قوات الدعم السريع رغم حاجة ذلك إلى خطوط إمداد ومعارك ضارية فى ظل وجود عوامل عديدة فى صالح هذا الخيار، ومنها وجود انشقاقات داخل قوات الدعم السريع وأهمها كان فى أكتوبر الماضى منذ إعلان القائد العسكرى لقوات درع السودان والمتمركزة فى ولاية الجزيرة وسط السودان ابو عاقلة محمد أحمد كيكل، إنهاء وجوده ضمن صفوفه، اصطفافه يُضاف إلى ذلك أن إقليم دارفور لم يعد مواليًا تمامًا للدعم السريع كما كان بالسابق له، فهناك قطاعات عريضة من سكانه لم تنس جرائمه السابقة فى حقهم، ودعونا نتفق على حقيقة مهمة أن المستقبل القريب للسودان مرهون بثلاثة مكونات أساسية فى مقدمتها الجيش بدوره التاريخى منذ إعلان استقلال البلاد فى خمسينات القرن الماضى، أما الطرف الثانى فهو قوات الدعم السريع، أما الثالث والأخير فهو المجموعات المدنية من أحزاب وتيارات والأمر يحتاج لمزيد من التفاصيل حول كل طرف من هذه الأطراف.
أولًا: الجيش الوطنى السودانى، وسيذكر التاريخ له أنه سعى لتصحيح الخطأ الكارثى الذى تكرس فى زمن عمر البشير فى السماح بظهور وتضخم قدرات الدعم السريع التى تحولت إلى قوة موازية، فالدول لاتسمح بحمل السلاح إلا لجيوشها الوطنية للعمل على دورها الأساسى فى الحفاظ على الأمن القومى للبلاد وحماية استقرارها وأمنها، وقد نشأت شراكة هشة بين الطرفين لفترة وجيزة بعد دورهما معًا فى الإطاحة بالبشير فى أكتوبر ٢٠٢١، وسرعان ما بدأت المواجهات بين الطرفين فى أبريل ٢٠٢٣، بعد رفض الأخير للجدول الزمنى للاندماج داخل الجيش خلال عامين كما كان مقررًا، مع مطالبة قوات الدعم السريع بأن تكون المهلة عشر سنوات، وحقيقة الأمر أن هناك قوى عديدة انحازت إلى خيار الشرعية الدستورية الذى يجسده الجيش واعتبرته يخوض معركة الكرامة، حيث تشكلت ضمن ما يُسمى المقاومة الشعبية وهى من المتطوعين ومنها بعض الكتائب المنظمة ومنها البراء بن مالك وكتيبة البنيان المرصوص وعناصر من كيان غاضبون بلا حدود وكتبية المطمورة بولاية القضارف شرقى البلاد، ووجودهم كأفراد داعمة للجيش الوطنى دون أن يكون جماعات تابعة لتنظيمات يُضاف إلى ذلك جماعات حليفة تحت اسم القوات المشتركة مثل قوات حركة تحرير السودان برئاسة منى اركو مناوئ وقوات حركة العدل والمساواة بقيادة جبريل ابرهيم وجماعات أخرى، وقد يفسر ذلك النجاحات التى تحققت خلال الأشهر الأخيرة.
اقرأ أيضًا | ثلاث محطات مهمة فى مسار المواجهات الأخيرة بين الطرفين
الطرف الثانى: ميليشيات الدعم السريع ومن المؤكد أنه من الصعوبة بمكان تصور أى دور لها على المستوى السياسى والعسكرى فى المرحلة القادمة بعد عدد من التطورات منها الانشقاقات داخلها وأهمها كان فى أكتوبر الماضى منذ إعلان القائد العسكرى لقوات درع السودان والمتمركزة فى ولاية الجزيرة وسط السودان ابو عاقلة محمد احمد كيكل خروجه منها، كذلك.
كما فشلت محاولتها خلط الأوراق على الصعيد السياسى عندما وقعت فى نهاية شهر فبراير الماضى بالعاصمة الكينية نيروبى وثيقة تحالف السودان التأسيسى، مع جماعات سياسية ومسلحة لتشكيل مازعمت أنه حكومة سلام ووحدة، وفتحت الطريق إلى انقسام السودان تحت زعم الاعتراف بحق تقرير المصير لشعوب السودان مع ملاحظة أن المشاركين فى التوقيع لايحظون بأى تأييد شعبى كبير أو قوات نشطة على الأرض، ومن بين الموقعين عبدالعزيز الحلو، ولعل أخطر ما يمكن توقعه لجوء قوات الدعم السريع فى مواجهة انتصارات الجيش السودانى إلى حرب استنزاف فى ظل الانتشار الواسع لقوات الجيش فى المساحات التى استعادتها وشن هجمات سريعة وخاطفة لإنهاك القوات المسلحة السودانية أو فتح الطريق أمام إحياء نزاعات انفصالية او تدخلات إقليمية.. الطرف الثالث: المكون المدنى الذى يمثله الأحزاب القديمة والتحالفات والحركات السياسية التى تم تشكيلها مؤخرًا التى ظهرت أو شاركت فى إسقاط نظام البشير وفرضت نفسها على الساحة فى الفترة التى استمرت حتى أكتوبر ٢٠٢١، وقد تباينت مواقفها تمامًا من المواجهات بين الجيش الوطنى وميليشيات الدعم السريع مما زاد من انقسامها، فهناك قوى انحازت إلى جانب الحيش السودانى، وأخرى دعمت ميليشيات الدعم السريع، وأخرى فَضَّلت الحياد، وإن كانت المواجهات سببًا فى الخلافات داخل العديد من الأحزاب على سبيل المثال لا الحصر ذلك الانقسام داخل حزب الأمة القومى واتخاذ قرار الاسبوع قبل الماضى من رئيس الحزب المُكلف فضل الله برمه ناصر، بإقالة نوابه ومساعديه أبرزهم مريم المهدى خاصة بعد توقيع رئيس الحزب على وثيقة تحالف السودان التأسيسى مع قوات الدعم السريع وحركات مسلحة أخرى فى ٢٢ فبراير الماضى بالعاصمة الكينية نيروبى، والتى نَصَّت على الاعتراف بحق تقرير المصير لشعوب السودان وعلمانية وفيدرالية نظام الحكومة والتى اعتبرته مؤسسة الرئاسة فى الحزب والتى تضم نواب الرئيس ومساعديه، خروجًا عن مبادئه وقامت بإقالته وتعيين نائبه محمد عبدالله دومة مكانه، وهو نفس ما حدث داخل الأحزاب الكبرى ومنها الحزب الاتحادى وجزء منه وَقَّع على ميثاق نيروبى وانضم إلى تحالف تأسيس وهو نفس حال الحزب الشيوعى والحركة الإسلامية.. وبعد فإنه يمكن الإشارة إلى ثلاثة سيناريوهات الفترة القادمة فى التالى:
الأول: الحسم العسكرى الكامل لأى من أطراف الصراع وفرض أجندته وشروطه.
الثانى: تدخل قوى ثالثة أكبر تستطيع إيقاف المعارك وتفرض رؤيتها وقد تجاوزت الأحداث مثل هذا الاحتمال.
الثالث: وقف الحرب عبر التفاوض المباشر، وهذا صعب لرفض الجيش طوال عامين الجلوس على مائدة تفاوض مع قوة غير شرعية أو التعامل بينهما بالمثل، وقد تعهد قائد الجيش السودانى عبدالفتاح البرهان وقال: لا تفاوض ولا مساومة، كما رفضت أيضًا قوات الدعم السريع وقال حميدتى: لا تفاوض ولا اتفاق لا يوجد نقاش غير البندقية.. وبعد فقد أحسن الجيش السودانى صُنعًا عندما تعامل بشكل إيجابى مع خارطة الطريق التى تم الكشف عنها فى العاشر من فبراير الماضى عندما طرحت قوى سياسية ومجتمعية، وثيقة ودينية وجماعات مسلحة مساندة للجيش بعد مشاورات انتهت منها فى بورتسودان، التى تضمنت التأكيد على الثوابت ومنها وحدة السودان وسيادته الوطنية والالتزام بالديمقراطية وحكم القانون واستقلالية المؤسسة العسكرية أقرت فترة تأسيسية انتقالية يتم خلالها حوار وطنى سودانى، الذى سيحدد مدة المرحلة الانتقالية يتم خلالها صياغة دستور للبلاد وإقراره عبر استفتاء شعبى مع التشديد على مشاركة القوات المسلحة فى السلطة لحماية الفترة الانتقالية مع استمرار مجلس السيادة وتشكيل حكومة وحدة وطنية وكفاءات من دون محاصصة، وأكد البرهان أثناء تسلمه الوثيقة، عزمه على تشكيل حكومة حرب أو حكومة تصريف أعمال لاستكمال مهام الانتقال ومساعدة الجيش ووعد بتشكيل حكومة كفاءات مستقلة وكشف أثناء لقائه مع المبعوث الألمانى الخاص إلى منطقة القرن الافريقى هيكو نتشكا منذ أيام، أن الجيش يعمل على تهيئة الظروف المواتية لتولى حكومة مدنية منتخبة مقاليد السلطة بالبلاد، معربًا عن عدم رغبة القوات المسلحة الانخراط فى العمل السياسى.
ودعونا نتفق فى نهاية الأمر أن حاجة السودان إلى مرحلة انتقالية طويلة تنقله إلى دولة مدنية فى السودان، غير ذلك فهى رفاهية سياسية فى ظل السيولة الأمنية، خطط البعض لإدخال البلاد إلى آتون حرب أهلية أو دعم حركات انفصالية.
اختبار صعب للهدنة| ضربات أمريكية - إيرانية متبادلة.. وأضرار بمطار الكويت
تصعيد بلا توقف| مايو الأكثر دموية فى غزة منذ بداية العام
ثلاثية حرب لبنان| مفاوضات.. مخطط إسرائيلى للجنوب.. وانزعاج أمريكى من تل أبيب







