«فأبوا أن يضيفوهما»، وهذه الآية تؤكد على حقوقية وواجب الضيافة بين الضيف والمضيف
كرمُ الضيافة، من أكثر الفضائل التى يشتهر بها العرب، وهى من أكثر الصفات التى يتفوق فيها المصريون، وهذه الفضيلة مازالت قائمة وتتواصل بتواصل الأجيال، قد تتغير أو تتطور قليلًا لكنها لا تختفى نهائيًا حتى مع الأعداء، وهذا هو الشيء العجيب، وربما المُضحك أحيانًا، ولأننا أمة لا يُفارقها النسيان، وتجنح سريعًا إلى السلم والتسامح.
وللضيافة آداب ومكانة..تستمدهما من تعاليم الشرائع السماوية، ويرتفع بشأنها الإسلام بنصوص قرآنية صريحة، ولذلك كانت ومازالت من الموروثات الشعبية للعرب عمومًا، وللمصريين على وجه الخصوص، وجاءت تسمية الغريب ضيفًا لأنه يُضاف إلى صاحب البيت، وكأنه صار واحدًا منهم، فلا يجوع ولدى مُضيفه الطعام، ولذلك ارتفع الله بمكانة الذى يؤدى الضيافة وآدابها بقوله سبحانه: « ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة «.
ويذكر التاريخ القديم والحديث المكانة السامية لمصر وللمصريين فى آداب الضيافة، فقد كانت الملجأ والملاذ لأنبياء الله والصالحين طلبًا للأمان، وبحثًا عن الحماية من جبروت الطُغاة، وكانت ومازالت تفتح أبوابها للأشقاء والجيران على مدار الأحداث قديمًا وحديثًا، وارتبط أسمها فى السماء بالأمن والأمان إلى يوم الدين، لقوله سبحانه وتعالى « ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين».
ولا يختلف الموروث الشعبى كثيرًا عن الالتزام الشرعى فى آداب الضيافة، فهى ثقافة اجتماعية تتوارثها الأجيال، وتتجلى قيمتها ومكانتها فى الأرياف، ففى كل بيت توجد المضيفة لاستقبال وراحة الضيوف، ولكل عائلة مضيفة أكبر، تُلبى الاحتياجات وتعمل على راحة الجميع، والمضيفة موروث عائلي، يبدو وكأنه دارٌ للمناسبات، يجتمع فيه كبار وشباب العائلات وخصوصًا فى يوم الجمعة من كل أسبوع.
أبو الأنبياء..أشهر مِضيّاف
وكانت آداب الضيافة من الخصال المعروفة عن سيدنا إبراهيم، ويشتهر بأنه أول من استضاف الضيوف، واختصه القرآن الكريم بفضيلة إكرامه لضيفه فى مواضع كثيرة من سور الصافات والحِجْر والذاريات وهود، وأحضر لهم عجلا سمينا مشويا، وقرّبَه إليهم ودعاهم إلى الأكل مرارًا لدرجة أنه أوجس منهم خيفة، واستبد به القلق لأنه لا حظ عدم إقبالهم على الأكل.
وعليه فإن الضيافة هى من حقوق الضيف، وهى من الموجبات على المُضيف ومن علامات إيمانه الصحيح، وهذا يرد صراحة فى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم فى صحيح البخارى « من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه «، ولعل من أجمل أوصاف الضيف، ما ذكره الله سبحانه وتعالى فى بعض آيات القرآن الكريم «والصاحب بالجنب».
كما أنه فى قصة نبى الله موسى مع الخِضر عليه السلام، أنهما عندما انطلقا إلى القرية اللئيمة فى ناسها البُخلاء، فاستطعما أهلها، أى طلبوا منهم طعامًا لهما، فأبوا أن يضيفوهما، وهذه الآيات تؤكد على حقوقية وواجب الضيافة بين الضيف والمضيف، ولذلك فإن الخضر وموسى لم يطلبا صدقة، ولم يتسولا الضيافة، لكنهما طلبا حق الضيافة، وعملا بمبدأ أن الأنبياء لا تأكل من الصدقات، وهذا أيضًا بينه الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم « نحن معاشر الأنبياء لا نأكل الصدقة» وهو أيضًا مُحرّْمٌ على آل البيت.
الابتسامة.. ووصية الرسول
ومن موجبات الضيافة وآدابها هو الاستقبال والترحاب الجيدان، وينعكس ذلك على إحساس الضيف بالراحة والألفة، وحتى الابتسامة فى الوجوه هى فى مقام الصدقة، وإذا كانت الصدقات من أعظم الأعمال عند الله، فالابتسامة أيضًا من أفضل الوصايا التى تركها لنا الحبيب صلى الله عليه وسلم.
ويجب أن يكون الأداء فى واجب الضيافة بشيء من الحنكة والحكمة، وأعطانا الله سبحانه وتعالى المثل والنموذج فى صُنع نبى الله إبراهيم عليه السلام،» فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين «، أى أنه ذهب إلى أهل البيت فى هدوء وسرية وجاء بواجب الضيافة بسرعة.
ولا يجب على الذى يستقبل ضيوفًا سواء كانوا من الأقارب أو المعارف أو حتى من عابرى السبيل أن يُكلف نفسه فوق طاقته، ولكن يُكرم ضيفه بما يستطيع اقتداءً بقول الله سبحانه وتعالى فى نهايات سورة البقرة « لا يُكلف الله نفسًا إلا وسعها «، كما أن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قد نصح أم المؤمنين السيدة عائشة رضى الله عنها، وقال لها « يا عائشة لا تتكلفى لضيفك فتَمَلّْيه «، أى يُصيبها شيء من الملل فى الضيف، ولذلك من نوادر السيدة عائشة أنها أكرمت ضيوفها بثلاث تمرات فقط.
وقصة ذلك أنه زارتها امرأة وابنتاها، ولم يكن فى بيت النبوة الكثير من متاع الحياة، وليس عندها مما يؤكل أكثر من التمر، ولم تجد سوى ثلاث تمرات، فجاءت بها وأعطت لكل واحدة تمرة، فأكلت كل واحدة من البنتين تمرتها، وقبل أن تأكل الأم نصيبها نظرت إليها ابنتاها، فرق لهما قلب الأم، وشقت تمرتها نصفين، واعطتهما لهما، وعندما قصت السيدة عائشة ذلك الموقف للنبي، فكان جوابه بمثابة المكافأة لهذه الأم الحنون التى آثرت ابنتيها على نفسها، فقال النبى : لقد رحم الله الأم بما فعلت لتكون من أهل الجنة.
تصَنُّع حميد وتَظاهُر مقبول
ومن آداب الضيافة وطقوسها المتوارثة تقريب الأكل والمشروبات إلى الضيوف، فليس من اللائق أن يكون بعيدًا عنهم أو يقوموا هم إليه، ويكون صاحب البيت هو البادئ بالأكل أو الشراب ثم يدعو ضيفه، ولا يرفع المُضيف يده عن الطعام قبل الضيوف، وحتى لو اضطره ذلك إلى التصنع والتظاهر بذلك فالمهم أن يشبع الضيف ويرفع يده أولا، وقد يستهزئ البعض أو يستهين من هذا القول، وهو لا يعرف أنه توجيه إلهى ذكره الله فى سورة الذاريات بصنيعة سيدنا إبراهيم عليه السلام مع ضيفه.
وما هو التصرف الصحيح أو الحُكم الواجب إذا نزل عليك ضيفٌ وأنت صائم؟، وعليه يُفرّْق العلماء هنا بين صيام الفرض مثل شهر رمضان الكريم، وبين صيام السنن، وكله مردود ومأخوذ من الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، ففى حالة استقبال ضيفٌ فاطرٌ فى نهار شهر الصيام، فلا يفطر المُضيف لأن صيام رمضان حق وواجبٌ أعلى من واجب الضيافة، وهو أحد أركان الإسلام الخمسة.
أما إذا تصادفت الضيافة فى أيام السُنن مثل الأيام القمرية فى الشهر العربي، وأيام تاسوعاء وعاشوراء، وكذلك الاثنين والخميس من كل اسبوع وغيرها من السنن، فإنه يجوز لصاحب البيت الإفطار إكرامًا للضيف، وهذا واجب أما الصوم فى تلك الحالة يكون سُنةٌ، وبطبيعة الحال يتقدم الواجب على السنة فى الأعمال الصالحة.
وهذا ما أكده تصرف النبى محمد صلى الله عليه وسلم، فقد دُعى إلى طعام لأحد الصحابة، وتنحى أحدهم جانبًا، فسأله الرسول لماذا لا تأكل؟ فقال إنى صائمٌ، فأمره النبى بالإفطار، وقال له أفطر ولك الأجر لقد تكلف أخوكم من أجلكم.
ويروى أن الصحابى سلمان الفارسى نزل ضيفًا على الصحابى أبى الدرداء، فوضع لسلمان الطعام ولم يأكل أبى الدرداء، فقال له سلمان لما لا تأكل، فقال أنى صائم، فقال له سلمان أفطر ففطر أبى الدرداء، وفى الليل قصّ أبى الدرداء للنبى ما حدث من سلمان الفارسي، فأقره النبى على ما فعل، وقال لقد صدق سلمان.
ومثلما أنه من المأثورات فى آداب الضيافة هو أن يكون الضيف خفيفًا، ولا يذهب إلى مُضيّفَهُ إلا بإذن، ويذهب فى الموعد فلا يسبقه ولا يتأخر عنه.
وخيرُ ختام لفضائل مظاهر الضيافة ما يُسمى بتحفتها، والمقصود بها أن يسبق الأكل بعض المُسليات مثل الفاكهة والعصير وما شابه من مشروبات على قدر المستطاع، وتُحفة الضيافة من الوعود التى بشّر بها الحبيب صلى الله عليه وسلم لأهل الجنة، حيث يكون استقبالهم بالتحفة وهى عبارة عن زيادة كبد الحوت، والحوت من أفضل الأسماك وأطعمها، والكبد أفضل ما فيه، وأفضل جزء فى كبد الحوت هى زيادته، ويستكمل دخول الجنة بنحر ثيران ترعى على أطراف الجنة. اللهم اكتبها لنا، ولكل القارئين.

السيد النجار يكتب: ومـاذا عن..؟
حكايات من دفاتر الآثار
أسرار جائزة مصطفى وعلى أمين







