في كل حجر حكاية، وفي كل أثر سرّ من أسرار حضارة خالدة، ويحكي لنا الدكتور مصطفى وزيري، عالم الآثار والمصريات، والأمين العام للمجلس الأعلى للآثار سابقًا، لنغوص معًا في أعماق الزمن، ونكشف الستار عن أسرار الفراعنة، وعجائب حضارتنا المصرية القديمة.

من قلب المعابد، إلى أروقة المقابر، ومن على جدران التاريخ، نروي لكم أصل الحكاية.. قصص عن ملوك وملكات، وكهنة وعمال، وأساطير خُلِّدت بالحجر والنقش، وشواهد لا تزال قائمة، تبهر العالم بما فيها من دقة، وإبداع، وعبقرية.
حكايتنا اليوم في قلب حي مصر القديمة، حيث يتلاقى عبق الماضي وروح الحاضر، ويقف "حصن بابليون" شامخًا كأحد أبرز الشواهد التاريخية التي تسرد حكايات العصور الغابرة.

هذا الحصن، المعروف أيضًا بـ"قصر الشمع"، ليس مجرد بناء أثري، بل هو سجل حي يوثق مراحل مختلفة من تاريخ مصر، منذ الفراعنة وحتى الفتح الإسلامي، كما يروي لنا الدكتور مصطفى وزيري، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار السابق.
أصل التسمية بين الأسطورة والتاريخ
يقع حصن بابليون أمام محطة مترو مار جرجس، محاطًا بالكنائس القبطية والمتحف القبطي، في منطقة تعد من أهم المناطق الأثرية في مصر. هذا الموقع لم يكن اختيارًا عشوائيًا، بل جاء نتيجة دراسة دقيقة لموقع استراتيجي يسيطر على طرق الصحراء الشرقية والنيل، مما جعله حصنًا منيعًا خلال العصور القديمة.

يعود تاريخ بناء الحصن إلى العصر الروماني، حيث أمر الإمبراطور "تراجان" بإعادة بنائه بين عامي 100 و117 ميلادية. لكن تسميته بـ"بابليون" أثارت جدلًا بين المؤرخين.

فالبعض ينسب الاسم إلى أسرى بابل الذين جلبهم رمسيس الثاني إلى مصر، وأسسوا مستوطنة أطلقوا عليها اسم "بابليون" نسبة إلى موطنهم الأصلي. بينما يرى آخرون أن الاسم مشتق من الكلمة الفرعونية "بي هابي ان اون"، التي تعني "معبد الإله أبيس في عين شمس".

أما عن تسميته بـ"قصر الشمع"، فيروي المؤرخ المقريزي أن الفرس أثناء حكمهم لمصر كانوا يوقدون الشموع في قاعة كبيرة بأحد أبراج الحصن في كل ليلة انتقال للشمس من برج إلى آخر، مما منح الحصن هذا الاسم الفريد.

عبقرية التصميم واستمرارية البناء
يعد حصن بابليون شاهدًا على تعاقب الحضارات والأديان في مصر. فقد كان الحصن مهدًا لظهور المسيحية في مصر، حيث احتضن العديد من الكنائس القبطية التي لا تزال قائمة حتى اليوم، مثل الكنيسة المعلقة وكنيسة أبي سرجة ودير مار جرجس. كما كان الحصن شاهدًا على دخول الإسلام إلى مصر، حيث سقط في يد القائد الإسلامي عمرو بن العاص عام 641 ميلادية بعد حصار دام سبعة أشهر، ليصبح رمزًا لبداية حقبة جديدة في تاريخ البلاد.

أصل الحكاية | مشروع إنشاء حصن بابليون وتفاصيل أعمال الترميم بمصر القديمة
يتميز الحصن بتصميم معماري فريد، حيث يتخذ شكلًا غير منتظم بخمسة أضلاع مدعمة بأبراج نصف دائرية. ورغم مرور القرون، لا تزال بعض أجزاء الحصن قائمة، مثل الباب القبلي وبرجيه الكبيرين، اللذين تحتضن أحدهما الكنيسة المعلقة، بينما بنيت كنيسة مار جرجس للروم الأرثوذكس فوق الآخر. أما باقي أجزاء الحصن، فقد شُيدت عليها كنائس أخرى مثل كنيسة الست بربارة وكنيسة العذراء قصرية الريحان.

حصن بابليون.. رمز للتنوع الديني وشاهد على تعاقب الحضارات
لا تقتصر أهمية الحصن على كونه أثرًا رومانيًا فريدًا، بل يمتد تأثيره إلى كونه شاهدًا على مراحل تاريخية متعددة. فقد كان الحصن أقوى حصون مصر خلال العصور القديمة، ولعب دورًا حاسمًا في الفتح الإسلامي. كما يحتضن الحصن اليوم معالم دينية بارزة، تعكس التنوع الثقافي والديني الذي ميز تاريخ مصر على مر العصور.

إن حصن بابليون ليس مجرد بناء أثري، بل هو رمز للتعايش بين الأديان والحضارات التي مرت على مصر. فهو يجسد عبقرية الهندسة المعمارية الرومانية، ويحتضن بين جنباته قصصًا عن المسيحية والإسلام، مما يجعله شاهدًا حيًا على تاريخ مصر العريق.
واليوم، يقف الحصن كوجهة سياحية وأثرية تجذب الزوار من مختلف أنحاء العالم، ليشهدوا عظمة الماضي ويتأملوا في دروس التاريخ.

«ساقية تونة الجبل» .. حكاية أقدم وأضخم خزان مياه في مصر
مسلة إسطنبول.. حكاية أثر مصري هاجر من الكرنك إلى قلب الإمبراطورية البيزنطية
أصوات من الماضي.. ذاكرة الشعب على شرائط كاسيت







