منذ بداية عام 2025، بات واضحًا أن إدارة العاصمة الأمريكية واشنطن، بقيادة رئيسة البلدية مورييل باوزر، تحاول التكيف مع الواقع السياسي الجديد الذي فرضه البيت الأبيض.
فالمدينة، ذات التوجه الديمقراطي التقليدي، تجد نفسها مضطرة لإيجاد توازن بين سياساتها المحلية وتوجهات الإدارة الفيدرالية الجمهورية، خاصة في ظل تهديدات من الحزب الجمهوري بإلغاء الحكم الذاتي للعاصمة.
دفعت هذه التحديات المسؤولين إلى اتخاذ خطوات متزايدة لاستيعاب أولويات الرئيس الأمريكي الجديد، دونالد ترامب، حتى في قضايا تبدو بعيدة عن السياسة الفيدرالية، مثل إدارة الفضاء العام ومكافحة الشعارات الاحتجاجية، بحسب صحيفة «بوليتيكو» الأمريكية.
اقرأ أيضًا| كيف تؤثر سياسات ترامب وماسك على وظائف العاصمة الأمريكية؟
ملاحقة عبارات مناهضة لإيلون ماسك
لا تشتروا سيارات نازية".. تظاهر المئات أمام معرض "تيسلا" في مدينة نيويورك، ضمن حملة تدعو إلى يوم عالمي للتحرك ضد شركة السيارات التي يديرها إيلون ماسك، مستشار دونالد ترمب
— أنيس منصور (@anesmansory) March 29, 2025
"ضمن حراك عالمي ضد الملياردير الأمريكي بسبب تدخلاته المتكررة في السياسة الأوروبية واستغلال ثروته "لتدمير… pic.twitter.com/19oMpWpQ2k
كان أحدث هذه التحركات إعلان شرطة العاصمة الأمريكية واشنطن عن ملاحقة أشخاص يُزعم أنهم قاموا بكتابة عبارات مناهضة لإيلون ماسك على نوافذ سيارات تسلا، ووصْف الحادثة بأنها قد تندرج تحت "جرائم الكراهية".
وأثارت هذه الخطوة جدلًا واسعًا، حيث بدت كأنها موقف سياسي داعم لتيسلا وإيلون ماسك أكثر من كونها قضية أمنية محلية.
جدل حول توصيف الحادثة
وفقًا للبيان الصادر عن الشرطة الأمريكية، فإن الجناة "كتبوا خطاب كراهية سياسيًا على سيارات تسلا الخاصة بالضحايا قبل أن يلوذوا بالفرار"، مضيفًا أن التحقيق جارٍ لتحديد ما إذا كان الدافع وراء ذلك هو الكراهية أو التحيز.
وأرفقت الشرطة إعلانها بصور من كاميرات المراقبة لرجل وامرأة يُعتقد أنهما منفذا العملية، إلا أنهما لا يزالان طليقين حتى الآن.
في المقابل، ورغم إعادة نشر بيان الشرطة على منصة التواصل الاجتماعي «إكس»، فإن إيلون ماسك لم يُعلق على الحادثة.
ويأتي ذلك في وقت أقدمت فيه إدارة باوزر على إزالة ساحة "حياة السود مهمة" الشهيرة من شارع 16، في خطوة أخرى فُسّرت على أنها محاولة لاسترضاء منتقديها الجمهوريين.
ومع ذلك، يرى البعض أن وصف الشرطة للكتابة على زجاج السيارات بأنها "جريمة كراهية" يبدو مبالغًا فيه، خاصة أنها لا تتعلق بتهديدات عنصرية أو طائفية، بل بمجرد رسائل ساخرة موجهة إلى أحد أثرى رجال العالم، بحسب الصحيفة الأمريكية ذاتها.
وفقًا لتقارير الشرطة، فإن العبارات التي وُصفت بأنها "خطاب كراهية" لم تكن سوى تعبيرات ساخرة لاذعة مثل: "لنتخلص من الدولة الإدارية! اشترِ سيارة تيسلا!"، "أؤيد ماسك في هدم وزارة التعليم"، و"أحب ماسك وأكره الاحتياطي الفيدرالي"، ووضح التقرير، أن هذه الجمل، رغم طابعها الاستفزازي، لا تبدو في ظاهرها تهديدًا مباشرًا أو تحريضًا على العنف، مما يثير التساؤل حول تصنيفها كجريمة كراهية.
كما أشار باتريس سولتون، المدير التنفيذي لمختبر العدالة في واشنطن العاصمة، إلى أن هذه القضية توضح كيف يمكن لتشريعات وُضعت بحسن نية أن تؤدي إلى نتائج غير متوقعة أو حتى عبثية.
اقرأ أيضًا| هل يقف إيلون ماسك وراء تحولات السياسة اليمينية حول العالم؟
التمييز السياسي.. هل يشمل إيلون ماسك؟
المراسلون: أي سيارة تسلا اشتريت؟
— 🇺🇸محمد|MFU (@mfu46) March 11, 2025
ترامب: "هذا هي، وأريد نفس اللون، طراز S باللون الأحمر".
المراسلون: كيف ستدفع؟
ترامب: "سأعطيه شيكًا، أفعل ذلك بالطريقة التقليدية، لا أحب النظام الجديد، أحب أن أوقع على شيك، ولا أريد خصمًا".
المراسل: ماذا عن لوحة السيارة؟
ترامب: "تروث". pic.twitter.com/uQpdPAP8ZK
في واشنطن العاصمة، يُعتبر "الانتماء السياسي" ضمن الفئات المحمية من التمييز، إلى جانب العرق والجنس والدين، لكن هذا لا يعني أن انتقاد شخصية مثل إيلون ماسك يُعدّ تمييزًا سياسيًا، بحسب صحيفة «بوليتيكو».
فالقانون يحمي الأفراد من التمييز بسبب هويتهم الحزبية، وليس بسبب آرائهم حول قضايا سياسية أو اقتصادية، وحتى لو تم افتراض أن جميع مالكي سيارات تسلا يتفقون مع ماسك سياسيًا، فإن ذلك لا يجعلهم فئة محمية قانونيًا، وبالتالي، فإن من يتم القبض عليه بسبب تخريب سياراتهم سيواجه تهمة التخريب فقط، دون العقوبات المشددة المخصصة لجرائم الكراهية.
في ذات السياق، أكد أستاذ القانون مايكل سلمي من جامعة ولاية أريزونا الأمريكية على هذه النقطة، مشيرًا إلى ندرة السوابق القضائية التي تفسر مفهوم "الانتماء السياسي" ضمن القوانين الخاصة بجرائم الكراهية، سواء في واشنطن العاصمة أو في المناطق القليلة الأخرى التي تتبنى هذا التصنيف.
كما أن ادعاءات "التحيز السياسي" نادرة للغاية مقارنة بالجرائم الأخرى، فوفقًا لإحصائيات الشرطة الأمريكية، تُسجل عشرات القضايا سنويًا تحت بند التحيز بسبب العرق أو الجنس، لكن خلال السنوات الأربع الماضية لم تُسجل سوى شكوى واحدة فقط تتعلق بالتمييز السياسي.
وبحسب متحدث باسم الشرطة الأمريكية، فإن "اللغة المستخدمة في التخريب" هي السبب وراء تصنيفها كجريمة كراهية، ومع ذلك، أكدت إدارة رئيسة البلدية مورييل باوزر أن القرار لم يكن بتوجيه منها.
واشنطن بين المطرقة والسندان
لا يمكن فصل هذه القضية عن المشهد السياسي المضطرب في العاصمة الأمريكية، فواشنطن، باعتبارها منطقة تحت سلطة الكونجرس، تظل عرضة لتدخلات فيدرالية قد تُهدد حكمها الذاتي.
وخلال حملته الانتخابية الماضية، تعهّد دونالد ترامب "بالاستيلاء" على المدينة، بينما اقترحت النائبة الجمهورية لورين بويبرت إعادة تسميتها بـ"مقاطعة أمريكا"، وفي ظل هذه التهديدات، تحاول قيادة واشنطن اتخاذ خطوات استباقية لتهدئة التوتر مع الإدارة الفيدرالية.
وفي سياق الجهود الرامية لتهدئة البيت الأبيض، أقدمت السلطات في واشنطن العاصمة الأمريكية على خطوات لافتة، مثل إزالة جدارية "حياة السود مهمة"، التي أثارت استياء الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب عام 2020، وإخفاء صفحة "مدينة الملاذ" من الموقع الإلكتروني للبلدية، إلى جانب التعاون في تنفيذ سياسات البيت الأبيض المتعلقة بتفكيك مخيمات المشردين.
والآن، تدخل قضية تخريب سيارات تسلا على الخط، حيث اعتبرها مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي شكلًا من أشكال "الإرهاب المحلي"، بينما اقترح ترامب معاقبة المتهمين بإرسالهم إلى السجون في السلفادور.
وفي ظل هذا الواقع، يبقى التساؤل مفتوحًا، حول هل ستتمكن واشنطن من الحفاظ على هويتها وحقوق مواطنيها، أم أنها ستظل رهينة لمعادلات السلطة والنفوذ؟
اقرأ أيضًا| قصة غلاف| «تايم» تُسلط الضوء على صراع «إيلون ماسك» مع النظام الفيدرالي



الولايات المتحدة تُعلن اتفاق إسرائيل ولبنان على وقف إطلاق نار
مجلس النواب الأمريكي يدعم قرارًا يحد من صلاحيات ترامب بشأن حرب إيران
أمير قطر وترامب يبحثان خفض التصعيد وأمن الملاحة في الشرق الأوسط







