«من أيام الفراعنة».. حكاية «كحك العيد» المحشو بالدنانير الذهبية

حكاية كحك العيد
حكاية كحك العيد


إذا كنت تظن أن كحك العيد مجرد حلوى تقليدية نرتبط بها في الأعياد، فأنت لم تغص بعد في أعماق التاريخ المصري، هذه الحلوى الناعمة المحشوة بالمكسرات أو الملبن أو العجوة ليست مجرد طعام، بل هي إرث حضاري يمتد لآلاف السنين، منذ عهد الفراعنة وحتى يومنا هذا، حيث لم تستطع العصور المتعاقبة أن تمحوها من وجدان المصريين.

مصر الفرعونية أصل الحكاية

بدأت قصة الكحك منذ العصور الفرعونية، عندما كانت زوجات الملوك يُعدِنه للكهنة الذين يحرسون هرم خوفو، خاصة خلال تعامد الشمس على حجرة الملك، لم يكن الكحك مجرد حلوى عادية، بل كان يُشكل على هيئة الشمس، تكريمًا للإله "رع"، إله الشمس عند المصريين القدماء، وقد وثّقت الجداريات في مقابر طيبة ومنف مشاهد لصناعة هذه الحلوى، حيث وصل عدد أشكالها إلى 100 شكل مختلف، وذلك بحسب ما ذكر فى كتاب "لغز الحضارة الفرعونية" للدكتور سيد كريم. 

«كحك بالدنانير»..عهد الدولة الإخشيدية

في العصور الإسلامية، شهد الكحك تطورًا آخر، حيث ارتبط بأحد الطقوس الملكية الفريدة، ففي عهد الدولة الإخشيدية، كان الوزير أبو بكر المادراني يتفنن في صناعة الكحك خلال عيد الفطر، لكنه لم يكتفِ بالمذاق اللذيذ فقط، بل كان يضع بداخله دنانير ذهبية، مما جعله يُعرف باسم "أفطن إليه"، أي انتبه للمفاجأة.

اقرأ ايضا|كيف زين قدماء المصريين «كحك العيد» | صور 

احتفالية سنوية للكحك في العصر الفاطمي

أما في عهد الفاطميين، فقد بلغ الاهتمام بالكحك ذروته، حيث خصّص الخليفة ميزانية ضخمة وصلت إلى 20 ألف دينار لصناعته، وكانت المصانع تتفرغ بالكامل من منتصف شهر رجب لإنتاجه بكميات هائلة، حتى أن حجمه كان يقارب حجم رغيف الخبز، ولم يكن يُستهلك داخل القصور فقط، بل كان يُوزع على العامة، ليصبح طقسًا سنويًا يترقبه المصريون كل عيد.

الكحك في المتحف الإسلامي

ورغم مرور القرون، ما زالت بقايا هذا التراث محفوظة حتى يومنا هذا، ففي متحف الفن الإسلامي بالقاهرة، يمكنك العثور على قوالب الكحك القديمة، والتي كانت تُزين بعبارات مثل "كل هنيئًا واشكر" و "كل واشكر مولاك"، وكأنها رسائل تحمل عبق الماضي إلى حاضرنا.

هكذا ظل كحك العيد رمزًا خالدًا للمصريين، يُعبر عن الفرح والتواصل، ويتوارثه الأجيال جيلاً بعد جيل، فمن معابد الفراعنة، إلى قصور الخلفاء، وصولًا إلى موائدنا اليوم، يبقى الكحك شاهدًا على حضارة لا تموت، وحكاية ممتدة من صفحات التاريخ إلى موائد الاحتفال.