عيد الأم هو مناسبة عالمية تُحتفى فيها بالأم ودورها في الأسرة والمجتمع، لكن القليلين يعرفون أن هذا الاحتفال يعود بجذوره إلى مصر القديمة، حيث كانت الأم تمثل ركيزة أساسية للحياة، وكان تقديسها جزءًا من التقاليد الدينية والاجتماعية.
لعبت الإلهة إيزيس، رمز الأمومة والرحمة، دورًا بارزًا في الميثولوجيا المصرية، حيث جسدت صورة الأم المثالية التي تحمي طفلها وتضحي من أجله.
استمرت هذه الفكرة عبر العصور، حتى تم إحياء عيد الأم رسميًا في مصر عام 1956، ليصبح يومًا مميزًا يُكرم فيه المصريون أمهاتهم كما فعل أجدادهم قبل آلاف السنين.
اقرأ أيضًا | «عيد الأم عند قدماء المصريين».. رمز مقدس في حضارة خالدة
1- الأم في مصر القديمة: رمز العطاء والتضحية
في الحضارة المصرية القديمة، كانت الأم تحظى بمكانة مقدسة، حيث اعتُبرت "هبة الإله"، وكان يُنظر إليها كأعظم مصدر للحب والعطاء. ويُعبر المصريون القدماء عن أهمية الأم من خلال نصوصهم وحكمهم التي بقيت محفوظة حتى اليوم، ومنها:
"ضاعف لها العطاء فقد أعطتك كل حنانها، ضاعف لها الغذاء فقد غذتك من عصارة جسدها، احملها في شيخوختها فقد حملتك في طفولتك، اذكرها دائمًا في صلاتك ودعائك للإله الأعظم، فكلما تذكرتها تذكرتك، وبذلك ترضي الإله."
إيزيس: الأم المثالية في المعتقدات المصرية
كانت الإلهة إيزيس النموذج الأمثل للأمومة في مصر القديمة. جسدت إيزيس معاني الحب والوفاء، حيث وقفت بجوار زوجها أوزيريس وسعت لحماية ابنها حورس من الأعداء. لم تكن مجرد أم، بل كانت رمزًا للحكمة والتضحية، ولهذا السبب انتشرت عبادتها في مصر وخارجها، حتى أصبحت من أشهر الآلهة في العالم القديم.
طقوس تقديس الأم في العصور الفرعونية
احتفل المصريون القدماء بالأم عبر طقوس دينية واجتماعية، حيث كان يتم تخصيص أيام معينة لتقديم القرابين والهدايا لتماثيل إيزيس، كما كان الأفراد يزورون أمهاتهم ويكرمونهن. وتظهر جدران المعابد والمقابر مشاهد تصور احترام الأبناء لأمهاتهم، حيث يظهر الأبناء وهم يجلسون عند أقدام أمهاتهم احترامًا وتقديرًا.
عيد الأم في الحضارات القديمة الأخرى
لم تكن مصر القديمة وحدها التي قدست الأم واحتفلت بها، بل امتدت الفكرة إلى العديد من الحضارات الأخرى، مثل:
الإغريق والرومان
في الحضارة الإغريقية، تم تكريم الإلهة ريا، أم الآلهة الأولمبية، حيث أقيمت احتفالات سنوية تكريمًا لها. أما في روما القديمة، فكان يتم الاحتفال بعيد "هيلاريا" تكريمًا للإلهة سيبيل، الأم الكبرى في الأساطير الرومانية.
الديانات السماوية وتكريم الأم
جاءت الأديان السماوية لتؤكد على أهمية الأم وتكرمها، ففي الإسلام، حثَّ النبي محمد (ﷺ) على بر الوالدين، وخصَّ الأم بمكانة عالية، حيث قال: "أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك". أما في المسيحية، فقد ارتبطت صورة الأم بمريم العذراء التي تعد رمزًا للأمومة الطاهرة.
إحياء عيد الأم في العصر الحديث
بداية الفكرة في العالم
بدأت فكرة عيد الأم في العصر الحديث بالظهور في القرن التاسع عشر، حيث اقترحت جوليا وورد هاو، الناشطة الاجتماعية الأمريكية، تخصيص يوم للأمهات في عام 1870. لاحقًا، نجحت الناشطة آنا جارفيس في جعل عيد الأم مناسبة رسمية في الولايات المتحدة عام 1914، وسرعان ما انتشرت الفكرة عالميًا.
عيد الأم في مصر: البداية عام 1956
رغم أن تقديس الأم عادة قديمة في مصر، فإن الاحتفال بها بشكل رسمي بدأ في 21 مارس 1956، عندما اقترح الكاتب الصحفي مصطفى أمين تخصيص يوم للاحتفال بالأم تكريمًا لها، وهو ما لاقى قبولًا واسعًا وأصبح تقليدًا سنويًا. اختير 21 مارس ليكون بداية فصل الربيع، كرمز للتجدد والعطاء، تمامًا كما تعطي الأم الحياة والرعاية لأبنائها.
مظاهر الاحتفال بعيد الأم في مصر
التقاليد والعادات المتبعة
في يوم 21 مارس من كل عام، يحتفل المصريون بعيد الأم من خلال عدة مظاهر، منها:
تقديم الهدايا مثل الزهور، والمجوهرات، والأدوات المنزلية.
زيارة الأمهات والجدة وإقامة التجمعات العائلية.
نشر الأغاني والبرامج التلفزيونية التي تكرّم الأمهات.
الأغاني التي خلدت عيد الأم
أنتج الفن المصري العديد من الأغاني التي أصبحت جزءًا من الاحتفال، مثل:
"ست الحبايب" لفايزة أحمد، التي كتبها حسين السيد ولحنها محمد عبد الوهاب.
"أحن قلب" لمحمد فوزي.
"ماما يا حلوة" لشادية.
عيد الأم بين التقدير والتحديات
رغم أهمية عيد الأم، يواجه بعض الانتقادات، حيث يرى البعض أن تقدير الأم لا يجب أن يقتصر على يوم واحد فقط، بل يجب أن يكون مستمرًا طوال العام. كما أن هناك نقاشات حول الجانب التجاري لهذا العيد، حيث تحوّل إلى فرصة للتسويق أكثر من كونه مناسبة معنوية.
تطور عيد الأم في المستقبل
مع تطور المجتمعات، أصبح عيد الأم أكثر شمولًا، حيث بدأ البعض في الاحتفال به كعيد للعائلة بشكل عام، تكريمًا لدور المرأة في المجتمع. كما بدأت بعض الدول في الاعتراف بدور الأم البديلة، والأم بالتبني، والأمهات العاملات، ما يعكس توسع مفهوم الأمومة.
عيد الأم ليس مجرد مناسبة سنوية، بل هو احتفال بجوهر الحياة، فالأم هي رمز العطاء والتضحية منذ فجر التاريخ. في مصر، كانت إيزيس النموذج الأمثل للأمومة، واستمر تكريم الأم حتى يومنا هذا.
لذا، فإن الاحتفال بعيد الأم هو امتداد لتقاليد عريقة، ويظل فرصة للتعبير عن الحب والتقدير للأمهات في كل زمان ومكان.

«ساقية تونة الجبل» .. حكاية أقدم وأضخم خزان مياه في مصر
مسلة إسطنبول.. حكاية أثر مصري هاجر من الكرنك إلى قلب الإمبراطورية البيزنطية
أصوات من الماضي.. ذاكرة الشعب على شرائط كاسيت







