محمد حلمى هلال
تقع رواية «البحث عن الزمن الضائع» لمارسيل بروست فى سبعة مجلّدات وثلاثة آلاف صفحة. وهو أحد الأسباب التى تجعل الكثيرين يترددون فى قراءتها. لكنّ النقّاد يحتفون بها كثيرا لشغفها بكلّ شيء تقريبا، من المعمار والبصريات إلى الموسيقى الكلاسيكية والموضة والطبخ الفرنسيّ.
وهناك من يصف الرواية بأنها أحد أكثر الأعمال البصرية ثراءً وعمقا فى الأدب الغربيّ؛ بسبب العدد الكبير من اللوحات الفنّية التى يتحدّث عنها المؤلّف فى نسيج الرواية. وبروست نفسه قال ذات مرّة للناقد جان كوكتو: «كتابى هو عبارة عن رسم».
إذا كنت لم تقرأ بعد رواية بروست وتنوى قراءتها الآن، فإن كتاب ايريك كاربيلز بعنوان «الرسم فى رواية بروست» يصلح لأن تتّخذه رفيقا لك أثناء القراءة. وفكرة الكتاب بسيطة، ومن المدهش أن أحدا لم يفكّر بها من قبل. فالمؤلّف يستعرض عشرات اللوحات التى أشار إليها بروست فى روايته ويضمّن الكتاب نسخا فاخرة من كلّ لوحة ويورد إلى جوارها المقطع أو الفقرة التى ذكرها بروست فيها فى سياق روايته.
كان بروست يتردّد على متاحف باريس باستمرار. وقد تشكّل إحساسه بالفنّ من خلال زياراته تلك، بالإضافة إلى رحلاته الأخرى، سواءً كانت حقيقية أو متخيّلة، إلى متاحف فلورنسا ولندن وفينيسيا.
وهو يشير إلى اللوحات فى الرواية لأنه يحبّها، وقد وظّفها لتوضيح أوصافه ولاستثارة أنواع شتّى من الأمزجة والانفعالات فى ذهن القارئ. ومن بين تلك اللوحات سلسلة سوسن الماء لمونيه، والحرس الليليّ لرمبراندت، وصلاة نهاية اليوم لجان فرانسوا ميلليه، ومولد فينوس لبوتيتشيللي، والربيع لنيكولا بوسان، وخلق الكواكب لميكيل انجيلو وغيرها.
وكلّ لوحة تفتح نافذة على خيال بروست، ولكنها أيضا تثرى النصّ بعناصر بصرية وتوفّر للقارئ فضاءً للتأمّل الخاصّ. والإشارة إلى لوحة ما تُظهر الراوى وهو ينظر إلى الحياة من خلال عيون أشخاص آخرين فيدرك أن هناك عوالم خاصّة كثيرة داخل هذا العالم الذى نشترك فيه مع آخرين.
كاربيلز نفسه هو أيضا فنّان وصاحب نثر رائع. وأنت من خلال قراءة كتابه ستزور اللوفر وغيره من المتاحف. وقد واتته فكرة الكتاب من رغبته فى رؤية هذه اللوحات مجتمعةً فى مكان واحد. لذا سترى اللوحات التى كان بروست يحبّها وستفهم لماذا كان شغوفا بها. كما أن الكتاب يساعدك على رؤية المشاهد التى يصفها وتلمُّس أهميّة الرسم فى روايته،
وإذا لم تكن تحبّ الفنّ والرسم، فلن تحبّ بروست، لأن الفنّ فى كلّ مكان فى كتاباته. والطريقة التى يرى بها العالم الذى رسمه فى كتابه توسّع المجال البصريّ للقارئ وتغذّى مخيّلته.
وإن كنت ممّن لهم شغف بالأدب وبتاريخ الفنّ، فإن كتاب كاربيلز يناسبك، وربّما تحتاج لأن تكون قد قرأت ولو صفحات من رواية بروست كى تقدّر هذا الكتاب الجميل.
أما إن كنت قد قرأت الرواية كاملة، فإن تقليب صفحات هذا الكتاب سيمتّعك وينعش حواسّك، لأنه يشبه مطالعة ألبوم صُوَر عن جمال مفقود.

تحت أول ضوء شمس
تصحيح أفكار خاطئة
عقبال بقية مارينا







