المهندسون استبعدوا مترو الأنفاق بسبب التكلفة والصرف الصحي والاهتزازات

مصر فكرت في مشروع «المونوريل» قبل 64 سنة!

المونوريل في أمريكا خلال فترة الستينيات
المونوريل في أمريكا خلال فترة الستينيات


في عام 1961 كانت الحكومة تفكر جديًا في حل أزمة الازدحام المروري بالقاهرة، وكان هناك مقترحان: إنشاء مترو الأنفاق أو الترام المعلق (المونوريل)، وتم استبعاد المقترح الأول لعدة أسباب منها صعوبة التنفيذ في ظل وجود شبكة الصرف الصحي والكهرباء تحت الأرض بخلاف الاهتزازات التى ستؤثر في المباني، واستقرت الحال على بدء مشروع المونوريل مع وعد بظهوره فى العام التالي مباشرة (1962)، هذا ما نشرت تفاصيله «آخرساعة» وقتذاك، والحقيقة أن ما حدث هو العكس، فبعد 21 عامًا وتحديدًا فى عام 1982 بدأ تنفيذ مترو الأنفاق، وطوى النسيان مشروع المونوريل قبل أن يعود إلى الواجهة مجددًا في السنوات الأخيرة.. الحكاية نعيد نشرها بتصرف محدود فى السطور التالية:

طلب الدكتور عبدالقادر حاتم (وزير الثقافة والإرشاد القومي «الإعلام» فى الفترة من 20 سبتمبر 1960 إلى 30 سبتمبر 1965) أن تُقدَّم التفاصيل الخاصة بمشروع الترام المعلق في شوارع القاهرة فى مدة أقصاها أسبوع.. وعلى الفور بدأت اللجان الفنية والهندسية في العمل، حيث أُجريت الدراسات المتعلقة بالتنفيذ ودرست جميع النفقات، وقدم المشروع كاملًا ليبدأ تنفيذه في غضون أسابيع قليلة.

◄ القصة

وهذه هى قصة الترام المعلق الذي ستراه بعد عام واحد في شوارع القاهرة، هذه الفكرة ستحل أزمة المواصلات في بلدنا لمدة 100 عام قادمة.

ولكن كيف بدأت فكرة الترام المعلق؟ لقد خرجت هذه الفكرة من مكتبة الدكتور عبدالقادر حاتم، فمنذ أسابيع قام بدراسة عدة مشروعات هامة لتنشيط السياحة فى بلادنا، وكان من بينها أنفاق المترو، وجزيرة الذهب، وجزيرة الوراق، والتلفزيون، والترام المعلق.

وبعد دراسات كثيرة تبيّن أن مشروع الترام المعلق لا يخدم هدفًا سياحيًا فقط، بل يسهم فى حل أزمة المواصلات أيضًا، واتضح أن في القاهرة مليون مواطن على الأقل يستخدمون وسائل المواصلات للذهاب إلى أماكن عملهم، فلو حسبنا كيف يتعطل كل واحد منهم نصف ساعة يوميًا على الأقل لأدركنا أهمية وسائل المواصلات من الناحية الاقتصادية لمصر.

ووجد المسئولون أن مشكلات المرور داخل مدينة القاهرة تزداد بنسبة أكبر من زيادة وسائل النقل، وهذه المشكلات موجودة فى القاهرة منذ عدة سنوات حتى أصبحت مزمنة تستعصى على الحل لكثرة توافد السكان على القاهرة كل يوم. إنهم يقيمون فيها بصفة دائمة، ويتركون مزارعهم للالتحاق بالمصانع، وكل مصنع جديد يُقام فى القاهرة يُزيد المشكلة تعقيدًا. وقد زاد عدد سكان العاصمة فى ربع قرن ما يقرب من أربعة ملايين، وأصبحت شوارع المدينة لا تكفى إلا المشاة وحدهم.

وتبيّن أن زيادة الأوتوبيسات لن تحل المشكلة..إن مؤسسة النقل العام لمدينة القاهرة ستزيد عدد أوتوبيساتها إلى 1200، كما ستقوم بتعديل خطوط الأوتوبيسات وإنشاء خطوط جديدة لـ«الترولي باص»، ولكن هذه الحلول كما قال أحد كبار المهندسين ليست إلا حبات من الأسبرين لمريض يحتاج لعملية جراحية كبيرة.

ونحن فعلا بحاجة إلى زيادة الأوتوبيسات وإلى تخطيط جديد لمساراتها بالعاصمة، وإلى مزيد من خطوط «الترولي باص»، ولكن زيادة السكان فى حاجة إلى تغيير جوهرى كالمتبع في نيويورك، ولندن، وباريس، وموسكو.

■ المونوريل في صورته الجديدة بمصر الآن

◄ اقرأ أيضًا | مواعيد عمل مترو الأنفاق فى رمضان 2025

◄ مترو الأنفاق

واتجه التفكير إلى مترو الأنفاق، وستحل هذه الفكرة جزءًا كبيرًا من المشكلة، ولكن هناك عقبة رئيسية فى التنفيذ، أن شبكات المياه والكهرباء والمجارى الثابتة فى بلادنا توجد تحتها طبقة طينية رخوة، يرتفع فيها منسوب الرشح، لذلك سترتفع نفقات إنشاء الكيلومتر إلى ما يزيد على مليون جنيه بما فى ذلك المحطات والقاطرات.

وكان من الضرورى أن نبحث عن طريقة أخرى تحل محل المترو وأنفاقه وتؤدى نفس الغرض، وهو إيجاد شبكات جديدة للنقل بعيدة عن الشوارع والطرق الحالية، ولكن شيئًا آخر جعل الفنيين فى بلادنا يصرفون النظر عن مترو الأنفاق.

لقد اتضح أن تنفيذ هذا المشروع يحتاج إلى وقت طويل تغلق فيه شوارع المدينة التى يقترح سير المترو فيها. وتبين أن هذا المترو سيحدث أثناء سيره اهتزازات عنيفة فى المناطق التى يسير فيها، ما يؤثر على المبانى التى يسير تحتها، فلو فُرض أنه سيسير فى شارع شبرا أو السيدة زينب أو محمد على فإن المبانى المقامة بهذه الشوارع ستتأثر بما يحدث من اهتزازات، لذا اتجه التفكير إلى الترام المعلق أو «المونوريل».

■ رسم توضيحي لخطوط المونوريل كما وضعها المهندسون عام ١٩٦١

◄ الفكرة

وفكرة المونوريل نفسها طافت بذهن والت ديزني الفنان العالمي الذى غزا هوليوود بأفلام الأطفال. لقد فكر فى إقامة مدينة ملاهٍ للأطفال والكبار، وبدأ فى رسم تخطيط شامل للمدينة، كان من أهم ما فيه ترام معلق يسير فى الهواء، ونجحت الفكرة تمامًا، ما حفّز الحكومة الأمريكية إلى تطويرها وتحسينها وتعديلها لتصبح أحد الحلول لمشكلات المرور، ونفذت فكرة المونوريل فعلًا فى لوس أنجلوس، وطلب المهندسون العرب من الشركات الأمريكية التفاصيل الهندسية الخاصة بالمونوريل. وبعد دراسات استمرت عامًا وجد المهندسون والفنيون أن المونوريل أو الترام المعلق أنسب حل لأزمة المواصلات فى بلادنا. ووجدوا كذلك أن هناك طرقا كثيرة لتنفيذه عندنا.

الطريقة الأولى، هى الطريقة المحورية، وفيها تقام محطة تقابل الخطوط في وسط المدينة كميدان الأوبرا أو ميدان رمسيس، ثم تمتد منها خطوط سريعة مباشرة إلى مختلف أحيائها، من بينها خط إلى مطار القاهرة الدولي وضاحية مصر الجديدة وثان إلى الجيزة والأهرام، وثالث إلى الدقي، ومدخل القاهرة الشرقى، ورابع إلى إمبابة، وخامس إلى مدخل القاهرة الشمالي، وسادس إلى المطرية والزيتون. أما السابع فيصل إلى مدينة نصر والدراسة، والثامن إلى القلعة وجبل المقطم. والتاسع إلى حلوان وطريق الأوتوستراد، والعاشر إلى المعادي.

أما الخطوط السياحية فستُمد بطول كورنيش النيل من مدخل القاهرة حتى حلوان، كما ستربط نهاية الخطوط جميعها بخط دائرى يدور حول القاهرة بأكملها ليربط أطرافها ويسهل الانتقال السريع من أى منطقة من مناطق المدينة إلى الأخرى دون حاجة لاختراق المدينة نفسها.

وهناك طريقة أخرى، هى الطريقة الدائرية، وتتكون من مجموعة من الدوائر المقفلة التي تعمل مشتركة لحل مشكلة الحركة والنقل خلال المدينة.

◄ قاطرات الترام المعلق

وتمتاز شبكة قاطرات الترام المعلق على غيرها بميزات متعددة:

لا تشغل حيزًا كبيرًا من الشوارع التي تمر بها، فهى لا تحتاج إلا لأعمدة خرسانية فردية تثبت فى الجزء المتوسط بالشوارع وتحمل قضبانا خرسانية تُعلّق فيها القطارات، كما يمكن استغلال أعمدتها لإضاءة الشوارع.

لا تعطل حركة المرور في شوارع المدينة أو في بعض أجزائها عند القيام بالتنفيذ.

لا تؤثر في شـبكات المجاري وغيرها من المرافق العامة الممتدة تحت الشوارع.

لا يتعارض تنفيذ الفكرة مع وجود المياه الأرضية، أو التربة الطينية مع إنشاء الأعمدة وقضبانها.

لا ترفع نفقات الإنشاء، حيث إن نفقات المونوريل تقل عن نصف نفقات مترو الأنفاق.

لا يحدث الترام المعلق أى صوت أو ارتجاج فى الطرقات أو العمارات المطل عليها، لأن العجلات والإطارات مصنوعة من الكاوتشوك المضغوط، والقضبان من الخرسانة المبطنة بالمواد العازلة.

◄ المونوريل في القاهرة

والمعروف أن قاطرات المونوريل من أسرع وسائل النقل الحديثة، فقد تتراوح سرعتها بين 100 و150 كيلومترًا فى الساعة فى المسافات الطويلة، أى أنها تقطع المسافة بين مصر الجديدة أو مطار القاهرة الدولي ووسط المدينة فى عشر دقائق، وتتسع القاطرة الواحدة المصنوعة من الألومنيوم والمكيفة الهواء لستين راكبًا.

وهناك نوعان من المونوريل: الأول هو النوع المعلق، وفيه تعلق القاطرات من سقفها فى قضبان خرسانية، والثانى هو المترو المرفوع ويسير أيضًا على قضيب خرسانى واحد.

◄ تجارب ناجحة

وأجريت عدة تجارب للمونوريل قبل الحرب العالمية الأخيرة فى سويسرا وألمانيا وأمريكا، لكن أول تجربة عملية للمونوريل لفتت أنظار العالم هى التى نفذها والت ديزنى فى كاليفورنيا. وبدأ تنفيذ الترام المعلق في باريس بالرغم من أن أكبر شبكة للمترو تحت الأرض فى العالم موجودة هناك.

هذه هى قصة المشروع الذى سيبدأ تنفيذه فى الأسابيع القليلة القادمة، وسيخدم أهدافنا السياحية وسيسهم في حل مشكلات المرور، وتنفيذ هذا المشروع سيستغرق عامًا كاملًا، ويعدك المهندسون بأن تركب الترام المعلق فى أعياد الثورة القادمة. 

(«آخرساعة» 9 أغسطس 1961)