خبراء القانون يوضحون l جريمة التحرش فى أماكن العمل عقوبتهما رادعة

صورة تعبرية
صورة تعبرية


 »التحرش الجنسي» من الجرائم التى تمثل انتهاكًا صريحًا لحقوق الانسان سواء طفل أو امرأة، لكن هناك من يستغل سلطات وظيفته وبيئة عمله حتى  يرتكب جريمته ظنًا أن ضحيته سوف تخشى سطوته أو الفضيحة، مثلما حدث منذ أيام قليلة مضت من واقعة قيام ممرض استغل وظيفته للتحرش بمريضة، وايضا المدرس الذى تحرش بتلميذاته.

الاثنان اكتشفت جريمتهما ومن ثم تقديمهما للعدالة وجهات التحقيق؛ لتتم ملاحقتهما جنائيًا وأدبيًا، لكن على ما يبدو أن المدرس والممرض ليسا هما فقط من يستغلان بيئات أو مهام عملهما في التحرش فهناك مثلهما كثيرون سلموا للعدالة.

في السطور التالية نسرد ما ارتكب من جرائم تحرش يحقق فيها أو حكم فيها وكذلك الرأي القانوني في العقوبة المناسبة لهؤلاء وكيفية التعامل معهم بمواد القانون.

القضية الأولى المتهم فيها «ذئب بشري» مهنته تحتم عليه أن يكون أمينًا، فهي من اسمى المهن، يعمل ممرضًا بأحد المستشفيات بالمنيا، تحول في لحظة شيطانية إلى متحرش؛ اثناء قيامه بإعطاء مريضة حقنة وصفها لها الطيب المعالج تحرش بها، لتشعر المريضة بما يفعله وتصرخ وتطلب النجدة ليحرر محضر بالواقعة، ويحال لجهات التحقيق والنيابة الإدارية والتى قررت إحالته للمحاكمة التأديبية.

حيث جاء في امر إحالة الممرض الذئب إلى النيابة الإدارية بديرمواس؛ أن فني تمريض بقسم الطوارئ بأحد المستشفيات الكائنة بمركز ومدينة ديرمواس بمحافظة المنيا تحرش جنسيًا بإحدى المريضات أثناء تلقيها الخدمة الطبية بالمستشفى.

وقد اكد المستشار محمد سمير المتحدث الرسمي باسم النيابة الإدارية؛ أن النيابة تلقت بلاغًا من  أمانة المراكز الطبية المتخصصة بديوان عام وزارة الصحة بشأن الواقعة؛ حيث استمع المستشار أحمد حسن وكيل النيابة، بإشراف المستشار محمد أشرف مدير النيابة، لأقوال المجني عليها وشهادة والدها ونجلتها المرافقين لها يوم الواقعة، ولشهادة عددٍ من الأطباء والمسئولين بالمستشفى؛ إذ كشفت التحقيقات عن أن المجني عليها كانت قد توجهت إلى المستشفى برفقة والدها ونجلتها؛ لشعورها ببعض الآلام بجسدها، وعقب توقيع الكشف الطبي عليها من الطبيب المختص، توجهت لغرفة الملاحظة لتلقي العلاج الموصوف لها والذي يشمل «عقار دوائي بطريق الحقن العضلي»،كشف المتهم والذي كان متواجدًا بنوبتجية الطوارئ وفقًا لجدول عمله ملابسها عنها واستطالت يداه أجزاءً من جسدها مستغلاً إعطائها الحقنة الموصوفة لها، بشكل لا يتفق بما يلزم طبيًا لإعطائها العلاج، ثم اصطحبها معه إلى غرفة الكشف بذات القسم، وأسدل الستار الفاصل بين الأسّرة؛ لينفرد بها ولا يتمكن أحد من رؤيته وطلب منها الاستلقاء معاودًا اقترافه لذات الجرم بحجة توقيع الكشف الطبي عليها رغم عدم اختصاصه بذلك، حتى نهرته المجني عليها وتركت مكان الكشف.

وتأسيسًا على ما انتهت إليه التحقيقات؛ أمرت النيابة الإدارية بإحالة المتهم للمحاكمة التأديبية العاجلة.

كما كلفت النيابة الإدارية بديرمواس، الجهة الإدارية بإصدار ومتابعة تنفيذ تعليمات رسمية مستدامة تنظم تعامل مقدمي الخدمات الطبية بما يكفل توفير بيئة آمنة للمترددين والمترددات على المؤسسات العلاجية وفقًا للبروتوكولات والتعليمات الطبية المطبقة في هذا الصدد، حفاظًا على قدسية مهنة الطب وجهد القائمين عليها، مع محاسبة من يخرج عنها وفقًا للقانون تحقيقًا للردع العام والخاص.

أستاذ تحرش

 أما القضية الثانية والتى أحالتها ايضا النيابة الإدارية كان المتهم فيها مدرس بإحدى المدارس الإعدادية بالجيزة، والذى فصل بناءً على تحقيقات النيابة الإدارية؛ لتحرشه جنسيًا بعددٍ من طالبات المرحلة الإعدادية بالمدرسة.

وخلال التحقيقات التي باشرتها المستشارة هالة المشتولي وكيل النيابة، بإشراف المستشاركامل حنفي مدير النيابة، والتي استمعت فيها لشهادة الشاكين، وعددٍ من موظفي المدرسة والمسئولين بالإدارة التعليمية التابع لها المدرسة، ومحاضر تفريغ أقوال الفتيات اللائي تعرضن للتحرش الجنسي من المتهم، واللاتى تواترت شهادتهن على اعتياده ملامسة أجسادهن، وجذبهن من ملابسهن ونزعها عنهن، وتتبع بعضهن إلى داخل دورة المياه المخصصة للطالبات مستغلًا وجودها جوار المقصف حيث يباشر عمله بالمدرسة، وتعديه على بعضهن بالضرب مستخدمًا أداة - خرطوم – وتهديدهن بعصا خشبية، وطلبه من بعضهن الدخول للغرفة المخصصة للمقصف مقابل منحهن مأكولات ومشروبات مجانية، بخلاف بعض المخالفات الإدارية الأخرى التي شملت بيع مواد غذائية محظور بيعها داخل المقصف، وعدم اتباع القواعد الخاصة بالسلامة والصحة العامة حيال تخزين المواد الغذائية بمقصف المدرسة.

كما كشفت التحقيقات أنه وعلى الرغم من تعدد شكاوى الطالبات وبعض المدرسين بالمدرسة من سلوك المتهم المذكور، وإبلاغ مديرة المدرسة المتهمة الثانية بها، إلا أنها رفضت تصديقهن وغَضَّت الطرف عن أفعاله، بل هددت الطالبات إن تقدمن بشكاوى رسمية بإبلاغ الشرطة وتوقيع الكشف الطبي عليهن، بخلاف عدد من المخالفات الإدارية الأخرى، وهو ما ترتب عليه إبعادها عن إدارة المدرسة وإلحاقها بالإدارة التعليمية. 

وقد ورد للنيابة محضر لجنة الكشف عن تعاطي المواد المخدرة بمصلحة الطب الشرعي، الذي أثبت إيجابية عينة تحليل الكشف عن المخدرات الذي تم إجراؤه للمتهم وثبوت تعاطيه جوهر»الحشيش» المخدر.

وبعرض نتائج التحقيقات على فرع الدعوى التأديبية القسم الثاني بالقاهرة برئاسة المستشار فوزي شحاتة، أمر بإحالة المتهمين للمحاكمة التأديبية العاجلة، والتي أصدرت حكمها المتقدم بمعاقبة المتهم الأول بالفصل من الخدمة، ومعاقبة المتهمة الثانية بخصم خمسة عشرة يوما من راتبها.

وتؤكد النيابة الإدارية أنه في إطار أدائها لرسالتها السامية، ودورها الدستوري والقانوني في حماية المجتمع وضمان حقوق الأفراد، ونشر الوعي بين المواطنين بالتشجيع على الإبلاغ عن مثل هذه الجرائم؛ فإن النيابة الإدارية تتلقى الشكاوى المتعلقة بمثل تلك الجرائم وغيرها مما يقع على المرأة أو يمس حقوق الإنسان وذوي الإعاقة من خلال وحدة شئون المرأة وحقوق الانسان وذوي الإعاقة.

ولم يكن مدرس الجيزة هو فقط من ارتكب تلك الجريمة فهناك ايضا مدرس آخر ارتكب جريمة التحرش وتمت محاكمته امام محكمة جنايات الإسكندرية؛ حيث استغل المدرس الذئب وجوده منفردًا مع طالبة صغيرة السن، ليهتك عرضها ظنا أن الصغيرة لن تروي شيئًا لأحد مستغلا سلطته عليها وهي في عمر الاربعة عشر عاما؛ حيث هتك عرضها بكل خسة وندالة واعتدى على شرفها حتى اصبحت حاملًا منه؛ لتقرر النيابة حبسه على ذمة التحقيقات ومن ثم إحالته إلى محكمة  محكمة جنايات الإسكندرية، برئاسة المستشار محمود عبد العاطى مبارك، وعضوية المستشارين محمد سامح سعد الدين محمد، وعبد العاطى مسعود شعلة، وأمانة سر محمد عثمان، والتى اصدرت حكمها بالسجن المؤبد ضد المدرس الذئب لاتهامه بهتك عرض فتاه تبلغ من العمر 14 عامًا داخل مركز للدروس الخصوصية.

ومن الإسكندرية للفيوم حيث قضت محكمة الجنايات بحبس مدرس 7 سنوات وعزله من وظيفته، لإدانته بالتعدى على الطفلة المجنى عليها «إسراء.م.ر»، بالقوة، وقد جاء في قرار الإحالة للقضية رقم 13696 جنح مركز شرطة سنهور القبلية، قيام المتهم «عارف. ر. م» مدرس علوم باستدراج تلميذة بالصف السادس الابتدائى إلى داخل مكتب المدير بعد أن استدرجها بدعوى حمل بعض المستلزمات المدرسية، قائلا لها: «تعالي هتشيلي مجلات»، وما أن دخلت المكتب قيد حركتها وتعدى عليها باللمس.

وما أن عادت الفتاة إلى منزلها، أخبرت والدها بما حدث معها، فاصطحبها إلى قسم الشرطة، وحرر محضرًا بالواقعة، وأكدت التحريات التي أجراها ضباط مباحث مركز شرطة سنهور، صحة أقوال الفتاة، ووجهت النيابة العامة، عدة اتهامات للمتهم لقيامه بالتعدى على طفلة ممن له سلطة عليها، وبذلك يكون المتهم قد ارتكب الجناية المنصوص عليها بالمادتين رقم 267/2، و268 من قانون العقوبات، والمادة 116 مكرر من قانون الطفل رقم 12 لسنة 1996 المعدل بالقانون 126 لسنة 2008.

وعقب الاطلاع على المادة رقم 214/2 من قانون الإجراءات الجنائية المعدل بالقانون رقم 170 لسنة 1981، أمر المحامى العام بإحالة المتهم لمحكمة الجنايات لمحاكمته طبقًا لمواد الاتهام الواردة بأمر الإحالة، مع استمرار حبس المتهم احتياطيًا على ذمة القضية.

مقاضاة المدرسة 

يقول المستشار عبد الستار إمام رئيس محكمة الجنايات سابقا: انه للأسف لدينا مشكلة إجتماعية متعلقة بالسلوك وإنحدار القيم، فضلا عن قيام بعض الأسر بالخوف على أطفالها وبالرغم من علمها بما حدث تخشى الإبلاغ خوفا من الفضيحة، وهذا ماجعل المتحرشون يتمادون في جريمتهم، وهم يغتالون براءة الأطفال فضلا عن قيامهم باستغلال براءتهم أسوأ استغلال بترهيبهم او بتخويفهم من إبلاغ أسرهم.

ويضيف المستشار عبد الستار إمام: القانون وما تم التعديل عليه مؤخرا بعد تصديق الرئيس عبد الفتاح السيسى لحماية البراءة والفتيات في مصر رادع وكاف جدا، فضلا عن أن الايام السابقة اثبتت أن في مصر عدالة ناجزة رادعة وهذا ما رأيناه في بعض قضايا هتك العرض والتى وصلت الاحكام فيها إلى المؤبد، وإصدار المحكمة احكامًا فيها بعد شهر واثنين.

واكد أنه يرى  وجوب وجود حملات توعية للأطفال ويجب على كل اسرة ان تقوم بتوعية أبنائها، وان يجعلونهم أصدقاء لهم، كما يجب ان يكون هناك رقابة أكبر داخل المدرسة او مراكز الدروس الخصوصية لانه بوجود الأطفال فيها تصبح المسئولة عن حمايتهم سواء من التحرش او من أي شيء آخر ويجب ان يكون هناك إشراف كامل وكاميرات مراقبة في كل مكان،  وإذا ثبت وقوع الجريمة فعليًا داخل المدرسة وصدور حكم على المتهم فيها من حق أسر الأطفال الادعاء مدنيًا وطلب التعويض من المدرسة باعتبارها جهة مقصرة عن توفير الأمن والحماية للأطفال.

سلوك فاحش

وأوضح عمرو عبدالسلام المحامي بالنقض والدستورية العليا وعضو اتحاد المحامين الأجانب بألمانيا؛ أن المقصود بالتحرش هو السلوك الفاحش ذات الطابع الجنسي الذي يخل بالحياء وينتهك سلامة الافراد من الناحية الجنسية أيا كانت صورته، هذا السلوك سواء قام الفاعل باتيان أمور أو إيحاءات أو تلميحات إباحية او جنسية سواء بالقول كأن ينطق الجاني بكلمات او ألفاظ تثير الغريزة الجنسية أو بالفعل عن طريق الحركات البذيئة والنظرات المتفحصة للجسد او بالإشارة او التلميح او الايحاءات كالغمزات والعض على الشفاة أو غير ذلك من السلوكيات المشينة التي يقوم بها الجاني لإشباع رغباته او استفزاز المشاعر الجنسية للمجني عليها أو إهانتها أو التقليل من شأنها والحط من كرامتها سواء وقعت تلك الأفعال أو الأقوال أو الايحاءات في مكان عام أو مكان مطروق للعامة أو في مكان خاص بالجاني أوالمجني عليها.

واستطرد عمرو عبدالسلام قائلا: إن التكييف القانوني لجريمة التحرش يتوقف على ماهية الفعل الإجرامي الذي يرتكبه المتحرش وعلى طبيعة المكان الذي ترتكب فيه الجريمة وعلى سلطة الجاني على المجني عليه سواء كانت سلطة وظيفية أو أسرية أو دراسية؛ فإذا ارتكبت الجريمة في مكان العمل أو في إحدى وسائل النقل وكان المتحرش ممن لهم أي من السلطات الواردة بنص المادة 306 مكرر من قانون العقوبات واقتصر سلوك المتحرش على مجرد الأقوال أو الإيحاءات أو الإشارات أو التلميحات الجنسية التي تثير الغريزة الجنسية للضحية أو تحط من كرامتها؛ فان التكييف القانوني لهذه الجريمة (التعرض للغير او التحرش بأنثي) وقد أوضحت المادة 306مكرر «أ» من قانون العقوبات عقوبة تلك الجريمة والتي تصل الي الحبس مدة لاتقل عن سنتين ولاتجاوز 4 سنوات والغرامة المالية التي لاتقل عن 100 ألف جنيه ولاتجاوز 200 ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كما شددت المادة 306 مكرر «ب» من قانون العقوبات عقوبة الفاعل المتحرش لتصل الي السجن مدة لاتقل عن 7 سنوات إذا كان المتحرش ممن نصت عليهم المادة 267 فقرة 2 من قانون العقوبات أو كانت له سلطة وظيفية أو أسرية أو دراسية على المجني عليه أو مارس عليه أي ضغط تسمح له الظروف بممارستها عليه، أما اذا تعدى سلوك المتحرش إلى ملامسة جسد المجني عليها ومواطن عفتها كانت الجريمة هتك عرض والتي قد تصل عقوبتها الي السجن المشدد من 3 سنوات إلى 15 سنة أو السجن المؤبد بحسب ظروف المجني عليها والمتحرش.

فيما اكد شعبان سعيد المحامى بالنقض؛ أن جريمة التحرش تم تغليظ العقوبة فيها، وتعديل مواد القانون حتى يتحقق الردع العام، ففي العام الماضي صدق الرئيس عبد الفتاح السيسي على تعديلات القانون 141 لسنة 2021، بتعديل قانون العقوبات لمواجهة التحرش الجنسي، وجاءت التعديلات لتؤكد حرص الدولة على المرأة والطفل وحمايتهم من التحرش الجنسي.

شخصية مضادة للمجتمع

وتقول د.ايمان عبد الله استاذ علم النفس الأسرى: أن التحرش هو سلوك اندفاعى ناتج عن رغبة مكبوتة تتعارض مع القانون وأعراف المجتمع، فإذا كانت هذه الرغبة الإجرامية تجد طريقُا سهلُا فى الخروج دون وجود رادع قانونى أو اجتماعى فإنها تخرج على الفور.

فالمتحرش شخص شديد الاندفاع لا يحترم القوانين عامة، وهو ما يمكن تعريفه بالشخصية «المضادة للمجتمع»، مما يعنى أن الأمر لا يتوقف فقط عند حدود «التحرش الجسنى» فهذا الشخص ايضا قد يمارس السرقة والاختلاس بل والقتل إذا أتيحت له الفرصة.

وعلى الجميع أن يعرف أن المتحرش ليس مريضا عقليًا، وأنه يعرف جيدا ماذا يفعل لذلك يعاقب على جرائمه.

وأضافت الدكتورة ايمان  عبد الله؛ أن هناك تعديلات تم التصديق عليها مؤخرًا في القانون وأن تلك التعديلات ستقوم بالدور الوقائي وهو معرفة الفتيات والأسر بكيفية حماية أنفسهم بالقانون.

وأضافت؛ أن الردع سيحقق الأمان للمرأة والطفل، ستخرج المرأة لعملها والطالبة إلى مدرستها وهي تعرف جيدًا ان هناك قانونًا يحميها ويحمي حريتها، كذلك وجود تلك التعديلات ستعمل على إظهار الدولة بشكل جيد على المستوى العالمى بأن مصر لديها قانون يتصدى للمتحرشين ومنعدمى الأخلاق والضمير.

 

اقرأ أيضا: أدوات ذكاء اصطناعي مجانية لحماية الأطفال من التحرش الجنسي

;