شيطان.. فى عقل امرأة

شيطان.. فى عقل امرأة
شيطان.. فى عقل امرأة


درس القاضى الدعوى جيدا.. أحاط بكل تفاصيلها، أدرك فى لحظة تمعن، أنه يتعامل مع حية تبدل جلدها كل لحظة حتى تخرج منتصرة بريئة مغلوبة على أمرها.


أفرغ مساحة من وقته وعمله، لقراءة كل الأدلة، وأقوال الشهود، تدرب على حسابات البنوك، وطلاسم مراسلات الخارج، حتى إنه أحضر آلة حاسبة، وبدأ يعدد حجم الخسائر والمكاسب للطرفين. وبعد عام من القراءة والتدقيق والتمحيص، أصدر حكمه منتصرًا لعدالة «آدم» ومانحًا الحق لزوج استيقظ فى يوم من الأيام ليجد «تحويشة عمره» قد سرقتها من تشاركه وسادة واحدة.

كانت دائمًا تنتصر، تستخدم جمالها لتسيطر عليه، ودموعها، لتجعله ملكًا لها، تشكله كيفما تشاء، مطيعًا لأمرها، عاصيًا لأمر أهله وأصدقائه وزملائه.
20 عامًا وهى تصاحبه فى كل شىء، لا يخرج إلا وهى ممسكة بيده، لا قرار إلا بعد مشورتها، حتى ملابسه ومأكله ومشربه تتدخل فيها، فلا يفعل أمرًا دون علمها. أرادت أن يكون ملكها فقط، أبعدته عن أهله، خلقت عداوة مع الجميع، ثم أخذته وهاجرت به إلى الخارج، وهناك أصبح رهن يديها، حتى راتبه كانت تتحصل عليه أولًا بأول.


أما هو فقد خنع لها، وسلمها أمره. كانت فتاة أحلامه التى تصارع عليها الجميع فى الجامعة، لم تكن تنظر إليه كما كان يبادلها، بل قادتها أطماعها إلى ابن الذوات الذى طالما سعت إليه.. ونفرها بعيدًا. حاولت معه كثيرًا لكنه نظر إليها كجسد يهواه لا روح يريد أن تعيش معه. لذلك أدارت بوصلة عينيها وعقلها، باحثة عن شخص يكون رهن يديها، يحبها فلا يرفض لها طلبًا، ولا يسبب لها ألمًا، فكان ذلك الشاب المتفوق أمامها.


كانت تلاحظ نظراته إليها، ومحاولته التقرب منها، لكنها دائمًا اعتادت أن تضع للأمور وزنها. رسمت خطتها ببطء، أرادت أن تكون مثل الحية التى تغازل فريستها لتلتهمها فجأة مرة واحدة. شهور وهى ترسم الحياء أمامه، ترمقه بنظرة إعجاب، ثم بعدها بثوانٍ تستبدلها بسخرية، وهكذا، حتى دفعته للسعى مباشرة للحديث معها. وقتها أدركت أنه وقع فريسة فى شباكها وأصبح ينتظر ابتسامة واحدة منها. كانت تعلم أن هذا الشاب ينتظره مستقبل باهر، فهو الأول على دفعته، ووالده مهندس كبير فى إحدى الوزارات، ومن عائلة عريقة


لذلك ألقت بطعمها ونجحت فى اصطياد فريستها. وافقت على مقابلته بعد إلحاح منه، لقاء بعد آخر، تمت الخطبة، ومع مرور عام وقع الزواج، لكنها لم تجد غايتها. ما زال ذلك الشاب يريد العيش فى مصر، عقله يبحث عن الدراسة والأكاديمية ومرتب لا يتعدى أصابع اليد من آلاف الجنيهات. هذا الأمر لم يرضها. طلبت منه أن يستقيل أو يحصل على إجازة بعد تعيينه معيدًا فى الكلية. مع تدخل الأقارب وافقت كليته على الإجازة بدون راتب، ثم بعد ذلك دفعته للهجرة إلى الخارج رغم رفض والديه هذا القرار. أدركت وقتها أنها حققت مرادها. بدأت يومًا بعد يوم تستحوذ عليه، حتى نجحت فى قطع علاقته بأقاربه فقد خيرته بين أمر لا ثانى لهما: إما هى أو هم. لم يفكر كثيرًا، اختارها، وخضع لها وسلمها أمره.


مرت السنوات وهى الحاكم بأمره، وهو الزوج المطيع. وضعت أمواله كلها فى حسابات مختلفة فى البنوك، كانت تخطط، لكنه لم يكن يعرف ماذا يحدث من حوله. بعد أن أنجبت الطفلين، بدأت تنظر لنفسها، أخذ الغرور يأخذها. هى جميلة، تملك عينين خضراوين، وجسدا ممشوقا، تجذب من ينظر إليها بدلعها وصوتها الدافئ. لم يلق الزمن شيئًا من أعاصيره عليها، بل تركها تزهو أكثر من الأول. تجاوزت الأربعين وما زالت فتاة فى عمر العشرين، أما زوجها فقد أصابه الكبر ولم يعد قادرًا حتى على النظر إلى نفسه أمام المرآة. مرض والد الزوج فجأة، تواصل مع والدته لأول مرة منذ سنوات، طلبت منه أن يزوره وأن يصالحه قبل أن يفارق الحياة، لكن زوجته وقفت أمامه، حذرته من غضبها إذا فعل ذلك. لم يخشها لأول مرة فى حياته، سافر إلى بلده التقى بوالده ارتمى فى حضنه وطلب منه أن يسامحه، وكذلك والدته، وأشقائه وأقاربه. أدركت الزوجة أن كل ما رسمت له يتحطم أمام عينيها، لقد خرج الزوج المطيع من قبضة يديها، لأول مرة منذ 20 عامًا يرفض لها طلبًا، بل ويتحداها، ويجبرها على السماح له دون طاعتها.


قررت أن تهدأ أولًا قبل أن تتخذ قرارها النهائى. جلست مع زوجها احتوته، حتى تستطيع أن تسيطر عليه مرة أخرى، لكنه لم يستجب لها. أرسل إلى شقيقه طالبًا منه السفر إليه لاستلام عمله الجديد والسكن معه فى مقر سكنه بالدولة الأوروبية. هنا أدركت الزوجة أنه خرج من قبضتها بلا عودة. بدأت فى اصطياد الأخطاء له واستفزازه، وصفته بأبشع الألفاظ، وقامت بطرد شقيقه من المنزل. لم يصمت كعادته، بل أعاد شقيقه مرة أخرى، وقام بالتعدى عليها وضربها، لتقرر تركه والعودة إلى شقتها فى مصر الجديدة، تستقر فيها مع نفسها تاركة أولادها معه. رغم ذلك، كانت تؤمن أنه سيعود إليها راكعًا، لن يصمد شهرًا بدونها. هى تدرك جيدًا أنه يحبها ولا يستطيع الاستغناء عنها، فهى من كانت تنظم له حياته، تحدد له قراراته التى يجب أن يتخذها فى كل المواقف التى تواجهه، لكن خاب رجاؤها. ما انتظرته لم يحدث، انقطع الاتصال بينهما، أصبح شقيقه هو بديلها الذى يرشده إلى الطريق الصحيح. لقد جعله يتجاهل تهنئتها بعيد ميلادها، أو حتى مجرد السؤال عليها، وكذلك أبناؤها قاطعوها، ولم يعد يتحدث معها أحد. بعد تفكير كبير استقرت على قرارها، أقامت دعوى خلع.
نفذت خطتها بحذافيرها، وحصلت على حكم بخلع زوجها دون أن يعلم شيئًا، فقد كانت ترسل كل الإعلانات على مقر سكنه بالقاهرة وفى الخارج باتفاق مع أشخاص آخرين لاستلامها.


علم الزوج بكل شىء، تفاجأ أنه أصبح مخلوعًا، لكنه لم يهتم بذلك، بل هداه تفكيره إلى ما هو أخطر، ما زالت تلك الحية تملك توكيلًا بالتصرف فى حساباته البنكية. فى هذه اللحظة أدرك أنه لم يعد هناك فرصة انتظار، سارع إلى أول طائرة للقاهرة، وعاد إلى بيت شقيقه استعدادًا لوقف خطورة ما تملكه زوجته. لكن حواء كانت أسرع من رد فعله، قامت بسحب ملايين الجنيهات بعملات أجنبية من حساباته المختلفة، وتفاجأ بذلك عند تواصله مع البنك. لم يكن أمامه سوى قرار واحد وهو اللجوء للقضاء، أقام دعوى أمام محكمة القاهرة الجديدة الابتدائية للمطالبة بإلزام طليقته بإعادة الأموال التى استولت عليها من حساباته الخاصة.
استند الزوج إلى أنها قامت بسحب المبالغ من البنوك بعد خلعها له فى المحكمة وانتهاء العلاقة الزوجية بينهما.
خلال جلسات المحاكمة، كان القاضى أمام تحديات كثيرة، فليس هناك ما يمنع أن تستولى الزوجة على أموال زوجها طالما أنه تم عبر توكيل رسمى وبشكل قانونى ووقت الحياة الزوجية، وقد أصدرت المحاكم قرارات عديدة برفض دعاوى لأزواج أرادوا استرداد ما استولت عليه أزواجهن، لكن فى هذه القضية منح القاضى نفسه عامًا كاملًا لدراسة ملفاتها جيدًا. فهو أمام زوجة استولت على أموال زوجها بموجب توكيل رسمى، ويسبق كل ذلك عشرة بينهما تصل لعشرين عامًا من الزواج، إلى جانب أن بينهما أولاد. لكن ما أثار انتباه القاضى هو ادعاء الزوجة أن نجلها الصغير كان يتسلم الأموال ليودعها فى حساب والده. استمع القاضى إلى الزوج الذى قص ما حدث فى نقاط سريعة. قال: «دفعتنى تلك الزوجة إلى ترك عملى فى الجامعة والهجرة إلى إحدى الدول الأوروبية. ونصحنى قريبها المحامى بأن تكون الهجرة باسم زوجتى، وأن ينشئ معها حسابًا بنكيًا مشتركًا يودع فيه رصيد لا يقل عن 70 ألف دولار. فقمت بذلك وأصدرت لزوجتى توكيلًا داخل البنك يبيح لها التعامل مع البنك، إلى جانب مبالغ أخرى أعطيتها لزوجتى لإيداعها فى الحساب. إلا أنها قامت بعد خلعى سرًا، بالاستيلاء على الأموال التى تجاوزت ملايين الجنيهات من الحساب بموجب التوكيل الذى حررته لها.» لم يكن كلام الزوج كافيًا لتكوين عقيدة القاضى، لكن بعد أن استمع إلى حديث الزوجة، وكيف أنها خططت جيدًا لكل شىء، بدءًا من قريبها المحامى وانتهاءً بترك أسرتها والعودة إلى القاهرة وسحب الأموال، أدرك أن هناك لغزًا يجب حله. هناك شىء آخر أثار انتباهه، كيف أرادت الزوجة أن تلقى بالتهمة على نجلها القاصر؟ لقد طلبت إلزامه بسداد الأموال لزوجها بحجة أنه كان من يتسلم الأموال دون أن تقدم دليلًا على ذلك. هنا أدرك القاضى أن هناك تربصًا وادعاءات زائفة ساقتها الزوجة لتبرئة نفسها وإلقاء التهمة على طفل قاصر. تيقن القاضى أن ملف القضية لم يكتمل بعد، وأن الجميع يسعى لتبرئة نفسه حتى الطفل القاصر. لكن مع تعديل الزوج طلباته باتهام زوجته بالإثراء بلا سبب، طالبًا أن تقدم له الدليل وللمحكمة على هذا الثراء، خاصة وأن الأمر تم دون علمه وبعد خلعها بأيام. هنا بدأت القضية تأخذ مجرى آخر، وأصبحت الزوجة مطالبة بتقديم الدليل على الثراء الكبير الذى تملكه. وعندما عجزت عن إثبات ثروتها، أصدر القاضى حكمه بإلزام الزوجة بأن تؤدى لزوجها كافة الأموال المسحوبة من حسابه بما يعادلها بالجنيه المصرى والتى تقارب 10 ملايين جنيه. وأكدت المحكمة فى حيثيات حكمها أن التوكيل البنكى الصادر للزوجة ينتهى بانتهاء العلاقة الزوجية، مشيرة إلى أن مؤدى نص المادة 179 من القانون المدنى أنه إذا تولى شخص عملًا لآخر وأدى هذا العمل إلى افتقار فى جانب ذلك الشخص وإلى إثراء بالنسبة للآخر، وكان هذا الإثراء بلا سبب قانونى، يلتزم فى حدود ما أثرى بتعويض هذا الشخص عما لحقه من خسارة.