مسجد التوبة الأثري.. حكاية نفق غامض وصرح معماري يقاوم الزمن

مسجد التوبة الأثري
مسجد التوبة الأثري


يُعد مسجد التوبة الأثري من المعالم الإسلامية التاريخية التي تحمل بين جدرانها عبق الماضي وروح الحضارة، إلا أن هذا الصرح العريق تعرض مؤخرًا لانهيار سقفه وأجزاء أخرى منه، ما أثار مخاوف بشأن مصيره ومستقبل تراثه. 

وهذا التقرير يأخذكم في رحلة عبر الزمن لكشف أسرار مسجد التوبة، من نشأته في العصر المملوكي إلى يومنا هذا، كما نسلط الضوء على أبرز المعلومات حول المسجد، تاريخه العريق، وأهم مميزاته المعمارية، بالإضافة إلى الجهود المبذولة للحفاظ عليه.

حكاية مسجد التوبة الأثري

في قلب مدينة المحلة الكبرى، وسط أزقتها التاريخية وأسواقها العتيقة، يقف مسجد التوبة الأثري شاهدًا على حقبة زمنية مليئة بالأحداث والتغيرات، لم يكن مجرد مسجد للصلاة، بل ارتبط اسمه بقصص مثيرة، أبرزها وجود نفق سري أسفله، يُقال إنه استخدم لتهريب النفائس وهروب المماليك أثناء الغزو العثماني لمصر، كما أكده الدكتور محمد علي حسن، الباحث الأثري وعضو مؤسسة زاهي حواس لتراث الآثار، في تصريحاته الخاصة لـ "بوابة أخبار اليوم".



اقرأ أيضًا | أصل الحكاية| «فك رموز المخطوطات القديمة» رحلة بين الذكاء الاصطناعي والتاريخ

فما حقيقة هذا النفق؟ وكيف بُني هذا المسجد؟ وما هي قيمته التاريخية والمعمارية؟

المسجد الأثري.. شاهد على التاريخ

وأضاف الباحث الأثري أنه يعود تاريخ مسجد التوبة إلى النصف الثاني من القرن التاسع الهجري (الـ 15 الميلادي)، عندما قرر الشيخ أحمد بن محمد بن عمر الشهاب أبو العباس الغمري بناء مسجد في منطقة اشتهرت آنذاك بالفساد والبغاء، ليكون منارة دينية ومركزًا للإصلاح الروحي. ومن هنا جاء اسم "التوبة"، في إشارة إلى تحول المنطقة من الفساد إلى الطهر والإيمان.

ورغم مرور قرون، ظل المسجد حاضرًا في ذاكرة سكان المحلة، وخاصة كبار السن، الذين يروون قصصًا عن أحداث تاريخية ارتبطت به، من بينها الحكايات المثيرة حول النفق السري الذي يمتد أسفله، ويُعتقد أنه كان وسيلة لتهريب المماليك أثناء اجتياح العثمانيين لمصر وشنق السلطان الأشرف قنصوة الغوري عند باب زويلة في القاهرة.



اقرأ  أيضًا | نصائح للتعامل مع مستخدمي الكراسي المتحركة

النفق الغامض.. أسطورة أم حقيقة؟

ويتناقل سكان المحلة الكبرى قصصًا عن نفق سري الذي يمتد من مسجد التوبة إلى قرية أبو صير بنا التابعة لمركز سمنود، بطول 8 كيلومترات وعرض 4 أمتار، ويقال إنه كان ممرًا سريًا استخدمه المماليك لإخفاء ما نهبوه من بضائع التجار أو للهرب من ملاحقة العثمانيين.

وفي عام 1899، قام خبراء من إدارة الوعي الأثري بفحص النفق، ليكتشفوا أنه لم يكن ممرًا سريًا لتهريب المماليك، بل قناة مقبية كانت تمتد من المسجد إلى خليج المحلة، مهمتها توفير المياه لصهريج المسجد لتلبية احتياجات المصلين.

ومع ذلك، لا تزال الحكايات الشعبية تتداول روايات أخرى عن النفق، مما يضفي مزيدًا من الغموض على تاريخ المسجد.

التصميم المعماري للمسجد

يتميز مسجد التوبة بتصميمه الفريد الذي يعكس الطابع المملوكي، رغم تعرض أجزاء كبيرة منه للاندثار بمرور الزمن. العنصر الوحيد الباقي من المسجد الأصلي هو مئذنته، التي تُعد من أبرز معالم المحلة الكبرى الإسلامية، إذ تعد المئذنة الوحيدة بالمدينة التي شُيدت بالحجر.

1- المئذنة الأثرية

تقع المئذنة في الجهة الشمالية الغربية للمسجد، وقد تأثرت بمرور الزمن والمباني الحديثة التي أخفت جزءًا من قاعدتها. تتكون المئذنة من مستويين رئيسيين:

القسم الأول (العصر المملوكي): يشمل القاعدة والطابق المثمن، وهو الجزء الأصلي من البناء. القاعدة مربعة الشكل تنتهي بأربعة مثلثات ركنية تعلوها أعمدة منحوتة بدقة، بينما يزدان الطابق المثمن بزخارف هندسية مميزة من "الميمات" والجفت لاعب، مما يعكس روعة الفن المعماري المملوكي.

القسم الثاني (عصر الأسرة العلوية – القرن الـ19):

 أُضيف في عهد محمد علي باشا عام 1265 هـ (1848م)، ويتكون من شرفة للأذان مثمنة الشكل تستند على مقرنصات جصية، تعلوها رقبة أسطوانية وقمة مخروطية مصنوعة من الخشب البغدادي.

2- قاعة الصلاة والتكوين الداخلي

وعلى الرغم من اندثار معظم البناء الأصلي، إلا أن بعض معالمه لا تزال قائمة. كان المسجد يحتوي على قاعة صلاة واسعة تتسع لمئات المصلين، مزينة بزخارف إسلامية راقية، وأعمدة رخامية تعكس الطراز المملوكي في المساجد الكبرى. كما كان يضم صهريجًا لحفظ المياه، يُزود عبر القناة التي وُجدت أسفل المسجد.

دور المسجد في الحياة الدينية والثقافية

لم يكن مسجد التوبة مجرد مكان للصلاة، بل لعب دورًا مهمًا في نشر العلم والدعوة إلى الإصلاح الديني والاجتماعي. فمنذ إنشائه، كان مركزًا لتعليم الفقه والحديث، حيث كان يجتمع فيه طلاب العلم من مختلف المناطق للاستفادة من دروس كبار الشيوخ. كما كان نقطة تجمع للعلماء والصوفيين الذين ساهموا في نشر التصوف الإسلامي في منطقة دلتا النيل.

حالة المسجد اليوم.. بين الإهمال والترميم

على الرغم من القيمة التاريخية والمعمارية للمسجد، إلا أنه يعاني من الإهمال الشديد، حيث تعرضت أجزاء كبيرة منه للتدهور، بما في ذلك سقفه الذي انهار مؤخرًا. أدى هذا إلى تسليط الضوء على ضرورة ترميم المسجد للحفاظ على تراثه التاريخي.

جهود الترميم:

في السنوات الأخيرة، دعت الجهات المختصة إلى إعادة ترميم المسجد ضمن خطة للحفاظ على التراث الإسلامي في المحلة الكبرى. بعض المحاولات لترميم المئذنة بدأت بالفعل، لكن لا تزال هناك حاجة لجهود أكبر للحفاظ على المسجد بأكمله.

يطالب السكان المحليون وزارة السياحة والآثار بوضع خطة شاملة لإعادة بناء المسجد واستعادة رونقه القديم.

بالإضافة إلى ذلك، أفاد عدد من خبراء الترميم أن المسجد يحتاج إلى دراسة عاجلة لتقييم الأضرار وإعادة ترميمه بما يحافظ على طابعه الأثري. 

وأكدوا أن عمليات الترميم يجب أن تتم وفقًا للمعايير المتبعة في الحفاظ على المباني التاريخية، مع مراعاة استخدام المواد الأصلية التي تحافظ على الهوية المعمارية للمسجد.

كما طالب أهالي المنطقة الجهات المختصة بسرعة التدخل واتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان سلامة المصلين وسكان المنطقة المحيطة، مؤكدين أن المسجد يمثل جزءًا مهمًا من تراث المدينة ويجب الحفاظ عليه من الاندثار.

في سياق متصل، أشار بعض الباحثين إلى ضرورة إجراء مزيد من الأبحاث حول النفق الذي يُعتقد أنه يمتد أسفل المسجد، خاصة مع تضارب الروايات بين كونه طريقًا للهروب أو ممرًا مائيًا قديمًا، وقد دعا مختصون في علم الآثار إلى إجراء حفريات استكشافية تحت إشراف وزارة الآثار المصرية للتحقق من صحة هذه المزاعم التاريخية.

ومع استمرار الجهود لإعادة ترميم المسجد، يبقى مسجد التوبة شاهدًا على تاريخ طويل من الأحداث، حيث يعكس صمود المبنى رغم التحديات الطبيعية والبشرية. فهل ستنجح الجهود الحالية في إعادة إحياء هذا الأثر التاريخي والحفاظ على هويته للأجيال القادمة؟

مسجد التوبة ليس مجرد بناء أثري، بل هو صفحة من تاريخ مصر، تحكي قصة التحولات السياسية والاجتماعية عبر العصور، من نفقه الغامض إلى مئذنته الفريدة، يظل هذا المسجد شاهدًا على تاريخ طويل، يحتاج إلى اهتمام ورعاية للحفاظ عليه للأجيال القادمة.

فهل يشهد المسجد قريبًا عملية ترميم تعيد له مجده القديم؟ هذا ما ستكشفه الأيام القادمة.