تسببت الحرب فى سوريا منذ عام 2011، فى دمار واسع للبنية التحتية فى أنحاء البلاد كافة، بما فى ذلك المدن الكبرى وحتى العديد من المناطق الريفية التى تعرضت لدمار شبه كامل من جراء القصف والمعارك، فالمبانى السكنية والتجارية، بالاضافة إلى المرافق الصحية والتعليمية، وشبكات المياه والكهرباء وغيرها، كلها تعرضت لتدمير فادح، جلب تحديات ضخمة بالنسبة لإعادة الحياة إلى طبيعتها فى المناطق المتضررة، الأمر الذى يتطلب استثمارات ضخمة وجهودا مضنية.
تعيش سوريا حالة أمنية نوعا ما غير مستقرة مع عدم يقين بما سيحدث خلال الفترة المقبلة لذلك يصعب خلال الفترة الحالية تقييم وضع العملة المحلية وكذلك الاقتصاد السورى.
اقرأ أيضًا | فى أول جولة رئاسية.. ترامب يتفقد «لوس أنجلوس» المنكوبة
الوضع الاقتصادى منهار نوعا ما منذ بداية فترة الحرب، ومن قبل ذلك كانت هناك مشاكل اقتصادية مرتبطة بالفساد فى النظام وتوزيع الدخل والفقر والبطالة وغيرها، كما كان هناك انهيار بكل مؤسسات الدولة سواء المالية أو الاقتصادية وحتى القطاعات الزراعية والصناعية وغيرها. تعتبر الفترة الحالية هى فترة لإعادة الثقة فى الاقتصاد السورى، عبر إعادة الاستقرار الأمنى والسياسى، وهو سيكون عنوان المرحلة الحالية مع إعادة تكوين الثقة بالنسبة لنسيج المجتمع السورى وإعادة مؤسسات الدولة الأساسية المرتبطة بالتعليم والصحة والبنية التحتية. اما الحديث عن الليرة السورية وإعادة الثقة بالاقتصاد السورى فيجب أن يكون بعد إعادة الاستقرار الأمنى والسياسى.
لن تكون عملية إعادة الإعمار مهمة سهلة أمام الحكومة المستقبلية، إذ تعد واحدة من أكثر التحديات تعقيدا وصعوبة. فالتنمية المستدامة تواجه سلسلة من العقبات المتنوعة، بين عوائق خارجية تتعلق بالمواقف والسياسات الدولية، وأخرى داخلية ترتبط بالواقع السياسى، والإدارى، والاقتصادى داخل البلاد.
لا يوجد إحصاء دقيق لتكلفة إعادة الإعمار بالبلاد، خاصة وأن عملية حصر الخسائر تتطلب دراسة تفصيلية للواقع على الأرض، تتضمن تحديد حجم ومدى الخسائر، فيما تتواتر تقديرات متفاوتة تعكس فجوة واسعة فى قراءة المشهد.
فى عام 2018، قال مسؤول أممى إن سوريا بحاجة إلى 300 مليار دولار لإعادة الإعمار. وفى ديسمبر 2021، أشار المبعوث الرئاسى الروسى ألكسندر لافرنتييف، إلى تقديرات بقيمة 800 مليار دولار ككلفة لإعادة الإعمار. وكان الأمين العام لجامعة الدول العربية، قد قدر التكلفة بـ 900 مليار دولار.
وكان تقرير صادر عن البنك الدولى العام الماضى، لتقييم الأضرار فى سوريا، قد خلص إلى أنه: حتى يناير 2022، قدر إجمالى الأضرار فى عدد من المدن والقطاعات التى تم تقييمها (البنية التحتية الرئيسية، والقطاعات الاجتماعية، والبيئة والمؤسسات العامة) بما يتراوح من 8.7 إلى 11.4 مليار دولار. وشكلت قطاعات البنية التحتية المادية 68 بالمئة من الأضرار أو ما يتراوح من 5.80 إلى 7.8 مليارات دولار من أصل إجمالى تقديرات الأضرار. وفيما لا توجد تقديرات محددة لكلفة إعادة الإعمار، فإن أقصى التقديرات تشير إلى تريليون دولار.
ورغم التفاؤل الذى حملته تصريحات الدول التى توالت حول استعدادها للمساهمة فى إعادة بناء سوريا ، فإن معظمها جاء مشروطا بظروف مستقبلية، إذ ربطت الأطراف الدولية مشاركتها بتحقيق خطوات سياسية ملموسة على الأرض، مثل ضمان حقوق الأقليات وحماية حقوق المرأة، بالإضافة إلى صياغة دستور جديد. بل إن بعض الدول ذهبت إلى حد اشتراط تحقيق مطالب سياسية محددة، من بينها انسحاب القوات الروسية من سوريا كشرط أساسى للمشاركة فى عملية إعادة الإعمار.
فى خضم التحديات الاقتصادية الكبرى التى تواجه سوريا، تطرح العقوبات الدولية مفهوما معقدا حول مدى تأثيرها على جهود إعادة الإعمار. فمنذ اندلاع النزاع فى 2011، فرضت العديد من الدول الغربية عقوبات اقتصادية ومالية على سوريا، وذلك بهدف الضغط على النظام السورى، الأمر الذى أثر بشكل مباشر على قطاعات حيوية مثل الطاقة، والبنية التحتية، والصناعة. هذه العقوبات، التى تشمل حظر التصدير والاستيراد، وتجميد الأصول، وضغوطات أخرى، أصبحت عقبة رئيسية أمام أى محاولات لتحقيق الاستقرار وإعادة بناء ما دمرته سنوات الحرب.
سوريا اليوم أصبحت فى أمس الحاجة إلى رفع تلك العقوبات لدفع عملية التنمية والبناء، وفتح الحدود مع دول الجوار حتى تتمكن من استيراد تلك المواد والإسراع من عملية إعمار المنشآت الاقتصادية التى تسهم فى دوران عجلة الإنتاج لتعافى الاقتصاد السورى. هناك مساعٍ تقوم بها حكومة الإنقاذ؛ لإيجاد حلول سريعة تسهم فى رفع العقوبات عن سوريا التى لم تجلب على السوريين سوى الجوع والفقر والحصار والدمار. على الرغم من التحديات الكبيرة التى تفرضها العقوبات، إلا أن إعادة الإعمار تتطلب أكثر من مجرد أموال. فالحاجة إلى الاستقرار السياسي، والشفافية فى إدارة المشاريع، وفتح قنوات التعاون الدولى تعد عناصر أساسية فى عملية إعادة البناء.
يرى الخبراء انه من المرجح أن تحتاج سوريا لمدة تتراوح بين خمس إلى سبع سنوات لتنتهى من إعادة الإعمار، فى حين يرى المنسق المقيم للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية فى سوريا، آدم عبد المولى، ان الشرط الوحيد للنهوض مجددا وإعادة الإعمار بسرعة هو «نجاح الانتقال» ، على أن تكون الفترة الانتقالية القادمة (إلى حين الاتفاق على الدستور، وإقامة حكومة منتخبة) فترة آمنة، تدار بتوافق كامل بين السوريين بمختلف طوائفهم وانتماءاتهم.
تمتلك سوريا العديد من المقومات التى تؤهلها لإعادة الإعمار والنهوض بذاتها. فهى تتمتع بموارد طبيعية متعددة، بما فى ذلك النفط والغاز والفوسفات، إلى جانب فائض فى الإنتاج الغذائى والطاقة. كما أن لديها موارد سياحية وضريبية وجمركية كبيرة، فضلا عن قدرات صناعية تكفى لتلبية الاحتياجات الداخلية، ما يجعل سوريا حالة فريدة.
اختبار صعب للهدنة| ضربات أمريكية - إيرانية متبادلة.. وأضرار بمطار الكويت
تصعيد بلا توقف| مايو الأكثر دموية فى غزة منذ بداية العام
ثلاثية حرب لبنان| مفاوضات.. مخطط إسرائيلى للجنوب.. وانزعاج أمريكى من تل أبيب







