يترقب المصريين الافتتاح الرسمي لمعرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ56 التي تنطلق اليوم الخميس 23 يناير.
هذا الحدث ليس مجرد معرض للكتاب، بل منصة لإعادة إحياء التراث المصري الذي بدأ مع الكاتب المصري القديم، صاحب الريادة في إرساء دعائم الحضارة المصرية عبر الكتابة التي اعتُبرت أداة التنظيم والإبداع وبداية التاريخ المدون.
في هذا السياق، أكد الدكتور عبد الرحيم ريحان، خبير الآثار وعضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، على أهمية مهنة الكاتب في مصر القديمة، موضحًا أنها لم تكن مجرد وظيفة بل رسالة حضارية خالدة.
الكاتب المصري القديم: مؤسس الحضارة المدونة
يشير د. عبد الرحيم ريحان إلى أن المصري القديم كان أول من ابتكر الكتابة المنظمة، حيث بدأت بمقبرة "أم الجعاب" في أبيدوس بمحافظة سوهاج، من خلال اكتشافات "إدوارد نافي" و"إريك بيت" بين عامي 1912 و1919، واستُكملت بأبحاث المعهد الألماني للآثار بالقاهرة، أكدت أن الكتابة المصرية سبقت الكتابة المسمارية السومرية في العراق بمئات السنين.
ويضيف الدكتور ريحان أن الكتابة المصرية لم تكن مجرد وسيلة للتوثيق، بل كانت حجر الأساس الذي أتاح للمصري القديم إدارة الدولة المركزية، وتطوير الاقتصاد، وتعزيز الحياة الاجتماعية والدينية.
نشأة الكتابة وأهميتها في مصر القديمة
كانت الكتابة في مصر القديمة ضرورة حتمية لإدارة شؤون الدولة، حيث اعتمد المصري القديم على التسجيل الكتابي لتوثيق موارد البلاد، إحصاء الثروات، وتسجيل القوانين والأنظمة. بهذا أصبحت مهنة الكاتب من أرفع المهن وأكثرها أهمية في المجتمع.
وصايا "سنب حتب" للكتابة
يروي الدكتور ريحان مقتطفات من وصايا "سنب حتب" التي تُبرز مكانة الكاتب "اجعل القلم صديقك، فهو الذي يجعلك خالدًا في قلوب الناس ورؤوسهم... الكتابة مهنة مقدسة تقربك إلى الآلهة وتجعل عقلك نورًا يهدي الأجيال".
كانت أدوات الكاتب بسيطة لكنها فعّالة، تشمل البردي، القلم، والمحبرة. هذه الأدوات كانت رموزًا للعلم والحكمة. ويشير الدكتور ريحان إلى أن الكاتب لم يكن مجرد موظف، بل كان المسؤول عن:

1- إدارة الموارد الزراعية: تسجيل مساحات الأراضي، حساب الضرائب، وإحصاء المحاصيل.
2- توثيق المشاريع الكبرى: سجل الكاتب تفاصيل دقيقة عن مشاريع البناء، مثل عدد العمال، استهلاك الموارد، والأجور.
أقرأ ايضا|اليوم انطلاق «معرض الكتاب» تحت شعار «اقرأ».. دور النشر تقدم وجبة دسمة عن اليهود
3- إدارة الشؤون الدينية: نسخ الكتب المقدسة، تسجيل الطقوس، والإشراف على المعابد.
* الكاتب كرمز للحكمة والتقدم الاجتماعي
يوضح الدكتور ريحان أن مهنة الكاتب كانت حلمًا للكثيرين، فقد كان ينظر إليه باعتباره رمزًا للمعرفة والحكمة. وقد عبّر "رع حتب" عن هذا الشعور بالقول: "الكتابة تجعل الكاتب أسعد من امرأة وضعت طفلًا، فهي ميلاد جديد يعبر عن العقل والإبداع".
أقرأ ايضا|«قصور الثقافة» تشارك بـ 4 كتب في سلسلة «الطبعة الثانية» بمعرض الكتاب 2025
* دور الكاتب في المجتمع المصري القديم
1- في الحياة الزراعية:
ساهم الكاتب في توثيق دورة الحياة الزراعية، من تسجيل مواسم الزراعة والحصاد، إلى حساب الضرائب المفروضة على الفلاحين.
2- في الإدارة:
كان الكاتب الوسيط بين الطبقات المختلفة، يُنظّم العمل، يُشرف على العمال، ويسجل الإنتاج والتوزيع.
3- في المحاكم:
يشير الدكتور ريحان إلى دور الكاتب في النظام القضائي، حيث كان يسجل المحاكمات، يدير المحاضر، ويوثق الأحكام.
4. في التعليم:
كان الكاتب معلم الأجيال، ينقل مهارات الكتابة والحساب إلى الشباب، مما ساهم في تطوير المجتمع.
* الكتابة كوسيلة للخلود
تؤكد النصوص المصرية القديمة على أن ما يُكتب يبقى خالدًا. يقول الدكتور ريحان إن المصري القديم أدرك أن الكتابة أداة للخلود، حيث تجاوزت الكلمات حدود الزمان والمكان، لتصبح شاهدًا على تطور الإنسانية.
* التحديات التي واجهت الكاتب المصري القديم
رغم المكانة الرفيعة للكاتب، إلا أن مهنته لم تخلُ من التحديات، مثل:
1. صعوبة التعلم: الكتابة كانت تحتاج إلى مهارات دقيقة وصبر طويل.
2. أعباء العمل: كان الكاتب مسؤولًا عن توثيق كل التفاصيل بدقة متناهية.
3. الرقابة المشددة: تعرض الكاتب لمحاسبة صارمة لضمان نزاهة عمله.
في معرض الكتاب 2025، ونحن نحتفي بالإبداع والابتكار، نتذكر الكاتب المصري القديم، صاحب الريادة في نقل الحضارة من الشفوية إلى التوثيق.
يقول الدكتور عبد الرحيم ريحان: "إن دور الكاتب المصري القديم لا يقل أهمية عن دور الملوك والمهندسين الذين شيدوا الأهرامات، فقد كانت الكتابة هي الأساس الذي قامت عليه الحضارة المصرية. الكاتب هو العقل المدبر الذي خطط وسجّل، وأرسى دعائم النظام الذي أبهر العالم."
بينما نخطو نحو المستقبل، علينا أن نستمد الإلهام من إرث الكاتب المصري القديم، الذي علّمنا أن الكلمة قوة، وأن الكتابة وسيلة لتخليد الحضارة ونقلها للأجيال القادمة.
أقرأ ايضا|ننشر رابط حجز تذاكر معرض القاهرة الدولي للكتاب 2025

خرافة الثروة الخيالية.. جرائم المستريحين تسرق أموال المخدوعين
«الأمن البيولوجي» مصر تتحرك لمواجهة الأوبئة
أوروبا بين الاستقلال الاستراتيجي والتحالف الأطلسي







