قبل 65 عاماً| محمد التابعي «أمير الصحافة» يكتب عن الأسطورة جمال عبد الناصر

الكاتب الصحفي الكبير محمد التابعي
الكاتب الصحفي الكبير محمد التابعي


قبل 65 عامًا، نشر الكاتب الصحفي الكبير محمد التابعي، مقالا في مجلة آخر ساعة تحت عنوان «الأسطورة جمال عبد الناصر»، روى من خلاله كيف كانت تتحدث الدول بفخر عن الزعيم الخالد جمال عيد الناصر، وإلى نص المقال..  

فى أسواق تونس والرباط والدار البيضاء وبغداد ودمشق وجدة والرياض، ومدن إفريقيا وآسيا وأدغال القارتين ومجاهلهما يتحدث الناس عن جمال عبد الناصر كأنه أسطورة من الأساطير.

فتى يخرج من قرية فى ريف مصر ليقود ثورة شعب، كانت الثورة الأولى من نوعها فى التاريخ، ثورة بيضاء لم تسل فيها قطرة دم واحدة، ومع ذلك فقد أسقطت ملكًا، وحطمت تاجًا، وحطمت معه حكم الإقطاع ودولة الفساد، واستدار الفتى الزعيم إلى الغاصب المحتل فأجلاه عن البلاد، وهكذا حقق لشعبه أمنية نيف وسبعين عامًا، ثم وقف وقفته المشهورة فى وجه العدوان الثلاثى، يوم رفض الإنذار الفرنسى - البريطانى وأعلن «سوف أقاتل الى آخر قطرة من دمى» وقال العالم: إن عبد الناصر ينتحر، وقال الأصدقاء والمشفقون: لا حول ولا قوة إلا بالله ! هل تكون هذه هى نهاية الزعيم المأمول؟!


اقرأ أيضًا | كنوز| «الأخبار» تضىء الشمعة 107 لزعيم غيَّرَ مسار التاريخ

يومئذٍ استجاب الشعب لنداء زعيمه الفتىّ، والتف حوله كما لم يلتف شعب من قبل حول زعيم، وسرت الحماسة فى نفوس العرب وفى جميع أقطارهم، وتجلت حقيقة أن الوحدة العربية قائمة رغم الحدود المُصطنعة واختلاف الحكومات، وكانت هذه آيته الأولى.. وكانت آيته الثانية يوم أن نادى بالقومية العربية وأهاب بالأمة أن تنهض من سُباتها، وتُطالب بحقوقها كاملة فى الحرية والاستقلال والعزة والكرامة، وقال يومئذ المستعمرون وأبواقهم: «عبد الناصر يحض الشعوب على التمرد والثورة»، كانت فعلاً وحقًا ثورة أخرى يقودها عبد الناصر، ثورة شعب مصر، وثورة الأمة العربية التى تجلت فى الجزائر وسوريا والعراق وعمان وغيرها من الأقطار العربية، وأعلن الزعيم الفتىّ أن الحرية والاستقلال والعزة والكرامة حق لكل شعبٍ، وأنه وبلاده يقفون الى جانب كل شعب يطالب بحقوقه، وراح يعمل فى هذا السبيل، حتى جعل من القاهرة كعبة تحج إليها وفود وزعماء الشعوب المناضلة، وقالت صحف العالم يومئذ: إن «ناصر» لم يعد زعيم مصر وحدها، بل أصبح زعيماً للأمة العربية لأنه المُترجم الأمين لأمانيها وآمالها.. والمدافع المناضل عن حقوقها.

ثم كان أن نادى بعدها بسياسة عدم الانحياز لتخفيف حدة التوتر الدولى بين الكتلتين المتنازعتين، وجاء اجتماع بريونى فى يونيو عام ١٩٥٦، أول اجتماع لأقطاب الحياد الثلاثة تيتو وعبد الناصر ونهرو، وطلع الثلاثة بقراراتهم المشهورة حول عدم الانحياز وسياسة التعايش السلمى.

وأصبح الأقطاب الثلاثة.. أربعة ثم أصبحوا خمسة.. بانضمام سوكارنو وكوامى نكروما، ولأول مرة فى التاريخ يخرج من صلب الأمة العربية زعيم عالمى بكل ما فى هذه الكلمة من معنى وقيمة، زعيم لا يتحدث بلسان شعبه فحسب، ولا بلسان أمته العربية فحسب، ولا بلسان قارة إفريقيا التى بلاده جزء منها، ولكنه يتحدث بلسان شعوب آسيا وإفريقيا ولسان كل شعبٍ يطالب بحقه فى الحياة العزيزة الكريمة، زعيم عالمى يحبس العالم أنفاسه وينصت إليه عندما يتحدث، وتتسابق صحف العالم لتنشر أقواله فى صفحاتها الأولى، زعيم عالمى نال من اهتمام الصحف واهتمام الجماهير ما لم ينله زعيم آخر سواه، وأجمع المُراقبون على أن خطاب زعيمنا الرئيس كان رائعًا فى اتزانه، رائعًا فى حياده، رائعًا فى مقترحاته الإيجابية البناءة، ولهذا قُوبل الخطاب بالتصفيق الحاد من الأصدقاء والخصوم على حدٍ سواء، لأن زعيمنا الفتىّ نجح فى أن ينقل إيمانه إلى صدور سامعيه، واستطاع زعيمنا جمع أطياف الحياد على مشروع قرار يتقدمون به إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة يُترجم آمال الشعوب وأمانيها فى وضع حدٍ للحرب الباردة بين كتلتى الغرب والشرق ونزع السلاح ووضع أسسٍ لسلام دائم لكى يتنفس العالم الصعداء ويختفى شبح الحرب، وتنصرف الشعوب إلى البناء والتعمير، وكان المشروع وليد جهود ومساعٍ متواصلة بذلها عبد الناصر منذ ساعة وصوله إلى نيويورك، حتى إن صحف أمريكا قالت: إن «ناصر» هو أنشط زعماء العالم جميعًا، راح يقابل هذا ويستقبل ذاك من زعماء وساسة العالم، ويتحدث مع رؤساء الحكومات ورؤساء الوفود، إلى أن تبلورت فكرة مشروع القرار الذى وافق عليه أقطاب الحياد، وسيكون أول حجر فى معالم الطريق المؤدى الى السلام المنشود.

وبعد.. لقد كان جمال عبد الناصر زعيمًا أو سفيرًا يتحدث باسم مصر، ثم أصبح بعدئذٍ «سفيرًا» يتحدث باسم الأمة العربية، وسفيرًا يتحدث بلسان جميع شعوب الأرض التى تُطالب بالحرية والسلام والأمان والإخاء لكافة الشعوب.

«آخر ساعة» - 5 أكتوبر 1960