هى الصدفة فقط، التى جمعت حدثين مهمين، تعرض فيهما الأردن لأزمات وجودية، فمنذ حوالى ٦١ عاماً، وفى الفترة من ١٣ إلى ١٧ يناير من عام ١٩٦٤، دعا الرئيس الراحل جمال عبدالناصر إلى أول قمة عربية، للبحث فى مشروع إسرائيل تحويل مياه نهر الأردن، وحضرها قادة الدول الـ ١٣ أعضاء الجامعة فى ذلك التوقيت، يومها اتخذ العالم العربى موقفاً صلباً فى الدفاع عن الحقوق المائية للأردن.
مترافقاً مع خطوات عملية لمواجهة المخطط الإسرائيلي، ومنها إنشاء هيئة استغلال مياه نهر الأردن، لها شخصية اعتبارية فى إطار الجامعة العربية، مهمتها تخطيط وتنسيق وملاحظة المشاريع الخاصة بذلك، ومنذ أيام بدأت إسرائيل مرحلة جديدة فى استهداف الأردن وسوريا وفلسطين معاً، بعد أن خرجت بها من حقبة (اللعب بالنار)، إلى مرحلة (إشعال الحرائق) فى المنطقة، فى الأولي.
، قادها وزراء من المحسوبين على اليمين الإسرائيلى المتطرف، باقتحام وزير الامن القومى ايتمار بن غفير للمسجد الأقصى منذ أكثر من عام، وهو الذى اعتاد بعدها القيام بمثل هذا الأمر، ولكن فى تلك المرة دعا إلى إنهاء الوصاية الأردنية على المقدسات فى مدينة القدس، ومنها أيضاً عرض وزير المالية يتسلئيل سموتريش خريطة لبلاده، أثناء مشاركته فى مؤتمر دولى فى العاصمة الفرنسية باريس، فى مارس من عام ٢٠٢٣، تضم حدود الأردن وفلسطين، يومها كان الجميع يتعامل مع مثل هذه المواقف، على أنها نوع من مزايدة اليمين الإسرائيلى المتطرف على الحكومة الإسرائيلية، وأنهما لا يمثلان الموقف الرسمي، رغم أن اليمين أصبح متغلغلاً فى المؤسسات العسكرية والأمنية والمالية، وأصبح قادراً على فرض شروطه، ويسعى إلى تنفيذ رؤيته فى التوسع، ولكن الجديد والذى يمثل مرحلة جديدة وخطيرة، وقد يساهم فى مزيد من التوتر، وخلق حالة من عدم الاستقرار فى المنطقة، ما حدث منذ أيام، عندما نشر حساب إسرائيل بالعربى التابع لوزارة الخارجية الإسرائيلية، مجموعة من الخرائط تكشف عن بعض المناطق فى ثلاث دول فى القلب منها الأردن، باعتبارها جزءاً من إسرائيل، وفيها حقوق تاريخية ودينية بها، وقالت إنها كانت ضمن مملكة إسرائيل التاريخية قبل٣٠٠٠ عام.
وتتعدد خطورة هذا الموقف، من خلال عدد من الاعتبارات، أولاً - أن المنطقة تعيش حالة سيولة استراتيجية غير مسبوقة، وسط الحديث عن رسم خرائط جديدة، وخطط للتهجير القسري، وثانياً - وهو ما تقوم به إسرائيل على الأرض فى قطاع غزة والضفة وجنوب لبنان وسوريا، نتيجة الظروف التى تعيشها تلك المناطق، فقد كشف وزير المالية في١١ نوفمبر الماضي، عن إصداره تعليمات للإعداد لتطبيق السيادة الإسرائيلية على الضفة، وتعهد بأن هذا العام سيكون عام السيادة الإسرائيلية عليها، وبعدها بيوم، تم الإعلان عن أن نتنياهو وضع الأمر على أجندة أعمال حكومته بعد تولى ترامب السلطة، وعلى الصعيد السوري، فقد عقدت حكومة إسرائيل الأسبوع الماضى اجتماعاً، تم تخصيصه لمناقشة اليوم التالى فى سوريا، ودعا إيلى كوهين وزير الطاقة الحالى ووزير الخارجية السابق، إلى عقد مؤتمر دولى لتقسيم سوريا إلى كانتونات، وبالطبع سيكون لتل أبيب نصيب معتبر من هذه القسمة، فالجيش الإسرائيلى ينوى إنشاء منطقة سيطرة بطول ١٥ كيلو متراً، ومجال نفوذ استخباراتى يصل إلى ٦٠ كيلو متراً، كما أعلنت صحيفة يديعوت إحرونوت.
ولعل الاعتبار الثالث، يتمثل فى موقف إدارة ترامب، الداعم لإسرائيل بصورة غير مسبوقة، فهو صاحب التصريح الكارثي،عن حاجة إسرائيل إلى توسيع مساحة أرضها، كما أن مخططات تل أبيب لا تختلف، وقد تتطابق مع مواقف ترامب الأخيرة بالتحرش بدول الجوار، وافتعال أزمات وضم مناطق منها، فى كندا أو المكسيك وغيرهما، وهى بتلك الصورة لا يمكن تصور مجرد إمكانية قيام الإدارة الأمريكية الجديدة، بأى نوع من المعارضة أو التحفظ على ما تقوم به تل أبيب مؤخراً..
ودعونا نتفق على أن الأمر جد خطير، ويلقى بتحدٍ على الجهات العربية المقصودة بالتوسع، والتى تعانى أصلاً من ظروف صعبة، قد تمنعها من أى رد فعل، مثل السلطة الفلسطينية أو الإدارة الجديدة فى سوريا، ويبقى الأردن، وبالطبع ليس مطلوباً من الحكومة اتخاذ قرارات فى ظل لحظة انفعال، ولكن عليها ألا تمر خريطة الخارجية الإسرائيلية بدون رد، وقد يلجأ إلى مقترح مراجعة اتفاق وادى عربة مع إسرائيل أو تجميدها، وقد سبق أن وصفها وزير الخارجية الأردنى أيمن الصفدي، (بأوراق تعلوها الغبرة ملقاة فى المتحف)
وبعد، فإذا كان تحويل نهر الأردن استلزم عقد قمة عربية فى ستينيات القرن الماضي، فماذا عن مخطط علنى للاستيلاء على مساحات من دول؟، والأمر يحتاج إلى موقف يتجاوز بكثير بيانات الشجب أو الإدانة، بل إلى الدعوة لقمة عاجلة، دون انتظار قمة مايو المقبل فى بغداد، على جدول أعمالها بند واحد، الاتفاق على خارطة طريق ملزمة، للتعامل مع متغيرات المرحلة الأخطر فى تاريخ المنطقة.

ياسر عبد العزيز يكتب: عفوًا .. كابتن لبيب ورفاقه الاستقالة لا تمر فوق جبل الديون
حكاية الأربعاء
هل يفعلها المنتخب؟







