من الصعب أن يتعايش الإنسان بانسجام مع باقى البشر والحيوانات والنباتات وحتى الجماد إذا افتقر الى السلام الداخلى
فى عالم ينحسر فيه السلام، تربة الأمان الذى تحتاجه كافة المخلوقات لتنمو وتزدهر، عالم تتلاطم فى جوانبه أمواج صراعات وأزمات وحروب مدمرة حتى صار أخلاقياً كبناء متهاو، يكاد أن يختنق فيه الحب تحت وطأة ما يتصدع من أعمدة الحق، وتقاوم الأنفاس والأذهان لكيلا تُشَّل من بأس ما ترى من اختلالات وانهيارات، توشك منها الأرواح أن تنطفئ ببكائها من شدة شحوب وميض الأمل فى أن تكون هناك صحوة ما...
هذا العالم الشارد، نشهد فيه انقضاء عام ترك آلاماَ فى نفوس الكثيرين، ونقف على أبواب فجر لازال ما تحمله رقائقه فى طياتها غيبًا، لكنه كطبيعة الكون الذى ينبثق فيه ذلك الفجر سيحتوى على الخير الممدود بيد الله والألطاف الرحمانية المخبأة، ليُبهِج بها الخلائق، أو ينتشلهم بها من ضيق أو روع أو هم، فهو المحب لخلقه المبدع فى كونه حتى أدق ذراته، ومهما غالت أيادى المستميتين فى حجب الحق ووأد السلام ومنع الخير ليُخفُوا أنوار الله فإنه حى لا يأفُل ويكفي.
وتيمناً بذلك، كيف يمكننا أن نحقق على الأقل فى أنفسنا السلام الداخلى الذى لا غنى عنه لنستطيع أن نستمد من القيم الإنسانية ومن قدراتنا ومن كل نفحات الخالق فى الكون أنفاسًا جديدة نقية تحيينا، فتعيننا على استكمال مسيراتنا فى الحياة، بل وإثرائها؟
يَكشف الواقع أن السلام الخارجى مرآة للسلام الداخلى للإنسان، فمن الصعب أن يتعايش الإنسان بانسجام مع باقى البشر والحيوانات والنباتات وحتى الجماد إذا افتقر الى السلام الداخلي، فإذا اضطربت النفس انعكس ذلك فى محيطها الخارجى من خلال أفعال وأقوال هدامة بقدر ما تعانيه النفس من غياب السكينة.
والنفس تضطرب إذا أُثقلت بما لا تستطيع عليه أمرًا، فمن أكثر ما يقوض سلامها هو أن يغوص الإنسان بفكره فى بحرى الماضى والمستقبل اللذين هما بالنسبة للحاضر وجود وهمى فأحدهما منتهى ٍ والآخر لم يحدث. إن اجترار أحداث مؤسفة من الماضى أو استدعاء المستقبل كتصورات مشوهة مشؤومة يبث فى النفس سموم أوهام ٍ كاسرة، فالماضى لن يتغير بعد وقوعه والمستقبل لن يَثبُت قبل حلوله.
والإبحار فى أوهام سلبية عن الماضى والمستقبل يؤدى لتركيز تفكير الإنسان على أحوال لا يريدها مع كونها منعدمة الآن، فيشعل فى نفسه مشاعر حزنٍ وجزعٍ هو فى غنى عنها، فيضيق صدره بها وبنفسه وبمن حوله وما حوله، بعدما تكونت فى ذهنه سحابة ظلماء تحجب عنه رؤية حاضره بما فيه من خيرات، فينجرف عن المتاح له الآن من هذا الحاضر، ذلك المورد الثمين الذى لن يكون إلا فيه وبه تعلم الإنسان وتخطيطه وعمله وحياته، ففى أى لحظة من حياتنا كل ما لدينا من الوقت لنحيا ونسعى ونسعد أنفسنا ومن حولنا هو الآن فقط.
وللتخلص من تلك السحابة المثقلة بأفكارنا السلبية عن الماضى والمستقبل علينا تحويل انتباهنا للحاضر بمحتوياته وتذكر بعض ما فيه من نعم ليس لنا يد فيها، وبتثبيت انتباهنا ههنا للحظات سيبدأ العقل فى تغيير قبلته مع توالى الأفكار الحاضرة الإيجابية حتى ينساب معها، فنتذكر بيسر أكثر المزيد من الخيرات التى تشملنا، فنزداد هُدُوءًا وثقة، وتنقشع تدريجيًا غمامة الحزن والجزع.
إن التفكير الإيجابى فى الأوقات الصعبة ليس عدم واقعية، فالتفاؤل بالخير وقت الشدائد معناه ببساطة أننا نقول لأنفسنا أولاً ثم للعالم أننا لا ننحنى ولا ننكسر، لأن حب الله لا منتهى له، وبه يسقى الأمل فينا، فرب الكون لم يخلقنا ليكسرنا.
وحياة كل إنسان فيها دائماً الكثير من النعم، استحضار قيمتها يتيح مساحة نفسية للشعور بالامتنان فينجلى منها الكدر، وحينها تصفو النفس وتتفتح على الاتصال بخالقها. هذا الامتنان ليس مجرد رد فعل نفسى على استحضار النعم، بل هو أيضاَ تعبير عن تصورنا عن الخالق الكريم مصدر النعم، الذى باتصالنا به يفيض علينا ويملأ نفوسنا طمأنينة وسكينة هو منبعها، فوعينا بوجوده معنا فى كل لحظة هو مفتاحٌ لتنعمنا بها وصولاً لشاطئ السلام.
أتمنى لكل إنسان بلوغ ذلك الشاطئ الآمن، ليهدأ باله، فلا يهدم، ولا يضر نفسه أو الآخرين، وتستقيم حياته، فيتعايش فى صفاء مع سائر المخلوقات، رفيقاً رحيماً ومتعاوناً بَنَّاء.

تحت أول ضوء شمس
تصحيح أفكار خاطئة
عقبال بقية مارينا







