مينا عادل جيَّد
لدىَّ اهتمام كبير بأبواب البيوت القديمة فى قرى الصعيد، يتيح لى عملى زيارات متعددة لتلك القرى الممتدة من المنيا وحتى الأقصر، وحين أتواجد هناك أستغل أى فرصة يكون لدىَّ فيها وقت، وأجول بين أزقة القرى ألتقط صور الأبواب القديمة، وأشعر أننى هكذا أستعيد زمنًا، وأسجله، وأحفظ جزءًا من ثقافة أصيلة وخلابة من الاندثار، وأقرأ من خلال الباب الزمن، وجانبًا من تصوراتهم عن أنفسهم، ومجتمعهم، وعن الكون وخالقه.
منذ أول زيارة لى لقرية نزلة غطاس بالمنيا، لفت انتباهى بشدة أبواب بيوتها، وهى من القرى المصرية التى لها طابع خاص سواء من ناحية تركيبتها السكانية أو المعمارية، فغالبية سكان القرية من الأقباط، مما ينعكس بوضوح على عناصرها المعمارية، ولا سيما أبواب البيوت وخاصة الأبواب الخشبية القديمة التى تعد من أبرز مظاهر التراث المحلى هناك، وأول ما يلفت نظر الزائر إلى القرية.

تتميز أبواب القرية بأنها تحمل رموزًا دينية قبطية لافتة ومميزة مثل الصليب والأقواس على واجهات غالبية البيوت، والأيقونات فى بعض الأحيان، وتتمثل تلك الرموز إما من خلال النقش أو الرسم أو بإدراجها فى التصميم أثناء بناء البوابات وتصميم الأبواب، وهذه الرموز، التى تتراوح بين الحفر البارز أو المفرّغ، تمثل رمزية ثقافية لا يمكن إغفالها، وقيمة جمالية تطلب الوقوف عندها، وتضفى على البيئة المحلية طابعًا دينيًا وفنيًا مميزًا.
غير أن هذه الأبواب تواجه حاليًا تحديات كبيرة فى ظل التغيرات المعمارية الحديثة، فقد بدأت البيوت الخرسانية الجديدة تحل محل البيوت القديمة، مما أدى إلى استبدال بعض الأبواب الخشبية بأبواب حديدية قد تحمل بدورها بعض الرموز الدينية، ولكنها لا تتناسب مع الطابع التراثى التقليدى للقرية، وتأتى لتهدد بقاءه وتتوسع، مما قد يؤدى إلى اندثاره فى المستقبل القريب، وهذا ما دفعنى للكتابة عن الأبواب فى قرية نزلة غطاس لمحاولة توثيق وتحليل العناصر الثقافية للأبواب القديمة، ومقارنتها مع الأبواب الحديثة.

الأبواب فى التراث الشعبى للصعيد
تمثل العمارة الشعبية واحدةً من مجالات الدراسة الثقافية والاجتماعية الهامة، لما لمكوناتها المادية وغير المادية من دور فى مساعدتنا على فهم الرسائل الثقافية والتفاعلات بين الناس، والتحولات الاجتماعية التى تحدث عبر الزمن، ومن بين العناصر المعمارية التى تحمل دلالاتٍ رمزية وثقافية عميقة فى أى مجتمع هى أبواب البيوت التى تشكل مكونًا هامًا من مكونات البيئة العمرانية التقليدية.
وإذا تأملنا على سبيل المثال التراث الثقافى اللامادى وخاصة أغانى الحزن أو ما يعرف بـ «العديد» فى صعيد مصر، وهى نوع من البكائيات التى تغنيها النساء عند فقدان أحد أفراد الأسرة، نجد أنها عادةً ما تتعلق بتأثير الوفاة على الأسرة، وعلى البيت الذى يُعتبر فى هذه الأغانى المكان الذى شهد حياة المتوفى، وفى هذا السياق، تتخيل النساء فى أغانى العديد أن أجزاء المنزل، مثل الجدران والأبواب، تتفاعل مع مشاعرهن، ليُعبر البيت عن الحزن الكبير لفقدان أحد ساكنيه، فهى تحوِّل العناصر المعمارية من مجرد مكان للعيش وأدوات للاستخدام، إلى جزء من الذاكرة العاطفية للأفراد، فتتخيل البكائيات أن أجزاء المنزل تتوحد مع أسرة الفقيد وتُعبر عن الحزن العميق لرحيل شخص عزيز كان يتفاعل مع تلك الأجزاء من المنزل، فمثلا هذه البكائية التى توظف الباب تقول:
وأنا داخلة قال لى الخشب خبر إيه؟
حبيبتك مشيت وإنتى جاية هنا ليه؟
وأنا داخلة قال لى الخشب ردى
حبيبتك مشيت على مين هتخشى؟
تتخيل الباكية هنا أن باب المنزل يحدثها، ويسألها مستنكرًا عن سبب قدومها للمنزل بعد وفاة صاحبته.
أنا عارفك تعوزى للناس

ليه ما غلقتى الباب بالترباس؟
ويرد هنا فى هذه البكائية لفظ (الترباس)، وهى أداة غلق باب البيت وتسمى أيضا (المصران) وهو مصنوع من الخشب، ويستخدم فى غلق بيوت الطين والطوب اللبن، وتوجه الباكية هنا اللوم لصاحبة البيت الراحلة بأنها لم تغلق الباب بإحكام مما أدى إلى دخول الموت للبيت.
يلاحظ هنا فيما ورد من أن أغانى الحزن (العديد) أن الباب ليس فقط له وظيفة أمن وحماية المنزل ومنع الغرباء من الدخول، إنما هو بوابة إلى حيوات سكانه، بل إنه أيضًا فى المعتقد الشعبى مسئول عن دخول الموت، وهو كائن قد يسأل الزائرين: إلى مَن تأتون وصاحبى قد مات!
(للمزيد من الأمثلة حول التراث الشعبى والعمران فى الصعيد اُنظر كتاب «العمارة الشعبية والتغير الثقافى فى صعيد مصر: دراسة ميدانية فى مركز البدارى بمحافظة أسيوط» للباحث محمد شحاتة العمدة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، سلسلة الدراسات الشعبية 198، عام 2021).

قراءة لنماذج من أبواب قرية نزلة غطاس
وفيما يلى محاولة لقراءة ستة أبواب: أربعة منها أبواب خشبية عتيقة، وبابان حديثان من الحديد جميع الأبواب من قرية نزلة غطاس بالمنيا، وقد جمعت صورها بين عامى 2022 و2024.
باب 1
البيت من طابق واحد ومشيَّد من طوب اللبن، والباب مصنوع من الخشب الطبيعى. يتكون من ضلفة واحدة كبيرة مع تآكل واضح يعكس مرور الزمن. يلاحظ أن إطار الباب يضم زخارف بسيطة، ومن الرموز المميزة للباب أن اللون الأخضر المستخدم طاغٍ وقد يشير إلى رمزية دينية (الخير، والحياة، والبركة)، ويشير أيضًا إلى مزاج بيئة زراعية مثل مجتمع قرية نزلة غطاس.
يُستخدم القوس فوق الباب، ويلاحظ تكرار الأقواس فوق الأبواب الخشبية فى العديد من بيوت القرية، إذ يُستخدم القوس ربما كعنصر زخرفى أو كعنصر تقوية معمارى، وفى الغالب له رمزية روحانية تستوحى قباب الكنائس والأديرة أو هالات الضوء التى تظهر فى أيقونات القديسين حول رؤوسهم.
كما أن الصليب المنحوت بارز أعلاه وصليب صغير على الباب نفسه وأسفله يوجد الشكل الهندسى (المعين) فى وسط الباب، الذى يحمل دلالات زخرفية محلية، أو قد يكون تمثيلاً آخر للصليب، وللصليب على الباب وظيفة روحية، كما يجمع أهل القرية، فهو موضوع بقصد حماية أهل البيت فى الدخول والخروج من الشرور حسب الاعتقاد الشعبى لدى أقباط القرية.

باب 2
البيت مكون من طابقين، ويبدو أنه مهجور. الباب مصنوع من الخشب الطبيعى، مع تآكل واضح وطبقة طلاء باهتة تحمل آثار الزمن. اللون الباهت ربما كان فى الأصل أزرق أو أخضر، وهى ألوان لها دلالتها الروحية فى الثقافة القبطية والبيئة الريفية.
يتكون الباب من مصراعين (بابين متقابلين)، وهو تصميم شائع فى أبواب القرية وعادة ما يُستخدم للمساحات الأصغر، أما القوس العلوى فوق الباب، فهو هنا أقرب للمثلث، وربما أخذ هذا الشكل لضيق مساحة الواجهة أو بسبب ضعف مهارات عامل البناء، إذ إن بناء القوس بشكل منتظم وقوى يتطلب مهارة أكبر من بناء المثلث.
يحتوى الباب على صليب بارز، ويعزز الصليب فكرة حماية المنزل وبركته. إلا أنه يمكن ملاحظة اختلاف نقش الصليب البارز فى باب 2 عن باب 1. فالصليب العلوى هنا ليس مجرد رمز دينى، بل يعد أيضًا عنصرًا زخرفيًا يضيف قيمة جمالية للواجهة.
باب 3
بيت من طابق واحد، وهناك شرفة فى الطابق العلوى. هذه ليست شرفة طابق ثانٍ، وإنما شرفة لمحاولة تسوير السطح، الذى يُستخدم لتربية الطيور، وتخزين المؤن، ونشر الملابس.
للبيت باب قديم خشبى أخضر يتكون من مصراعين، نظرًا لصغر مساحة البيت (يُلاحظ تكرار اللون الأخضر للأبواب فى باب 3 مع باب 1). ويظهر فوق الباب صليب يشبه صليب باب 2، ويتوسط قوسًا معماريًا به زخارف بسيطة منتظمة على شكل مثلثات مقلوبة. بجانب الباب، على يمين الحائط، توجد أيقونة ورقية ملصقة للسيدة العذراء والطفل يسوع.
البيت مأهول بالسكان، وغالبًا ما يُترك الباب مفتوحًا طوال اليوم، إلى أن يحين وقت النوم.
يمكن ملاحظة اشتراك باب 3 مع بابى 1 و2 فى: القوس والصليب. ويشترك باب 3 مع باب 1 فى اللون الأخضر، كما يشترك مع باب 2 فى زخرفة الصليب، بالإضافة إلى كون كلا البابين مكوَّنين من مصراعين، نسبة لصغر المساحة.

باب 4
باب بسيط يندمج فى واجهة منزل من الطوب الطينى، يتميز بقوس معمارى نصف دائرى يحيط به ومطلى باللون الأحمر. يظهر القوس تباينًا لونيًا بينه وبين الحائط الأصفر، فى محاولة لتعزيز الناحية الجمالية للواجهة. الباب لونه أخضر باهت، والصليب مرسوم عليه (غير بارز أو غائر) ومطلى باللون الأحمر، وهو لون ذو دلالة دينية تشير إلى دماء المسيح المسفوكة من أجل البشر. يشترك الباب 4 مع الأبواب الثلاثة السابقة فى وجود قوس أعلى البوابة.
مدخل البيت هو محل صغير أو متجر تقليدى «بقالة»، ويعكس الباب المفتوح ووجود الكراسى وصناديق البضائع داخل المدخل الطابع البسيط للتجارة المحلية، التى تتفاعل بشكل مباشر مع الزبائن. ويمثل الباب هنا حالة مختلفة عن باقى الأبواب التى تبدو أكثر خصوصية، حيث يؤدى هذا الباب وظيفة أخرى غير المعيشة والسكن.
ثانياً الأبواب الحديدية الحديثة:
باب 5
البيت مبنى حديثًا ويتكون من عدة طوابق، ومشيد بالخرسانة المسلحة وبالطوب الأبيض (البلوك)، وهو طوب شائع فى المنيا نظرًا لوجود المحاجر هناك. الباب مصنوع من الحديد، ويتكون من مصراعين، ومطلى باللون الأزرق المزخرف بأيقونتين للعذراء مريم، مما يشير إلى ثقافة مسيحية قبطية أرثوذكسية تتسم بتطويب القديسين وطلب الحماية الإلهية بشفاعتهم. يُلاحظ وجود العذراء مرتين، مما قد يشير إلى الإلحاح فى طلب شفاعتها.
يطغى اللون الأزرق مع الأبيض على الباب، وهما لونان عادةً ما يرتبطان بتجليات القديسة العذراء مريم، نظرًا لوصفها بأنها «حمامة حسنة بيضاء»، كما أنها صعدت إلى السماء، مما قد يبرر ملازمة اللون الأزرق لها.
كما يُلاحظ وجود صليب باللون الأحمر فى الفورمة الجبسية فى السقف التى يتدلى منها مصباح المدخل. الصليب باللون الأحمر فى الفورمة قد يشير إلى دماء المسيح، كما أشرنا سابقًا.
باب 6
البيت حديث ويتكون من عدة طوابق، ومشيد بالخرسانة المسلحة وبالطوب الأبيض (البلوك). الباب مصنوع من الحديد، يتكون من مصراعين، ومطلى بمادة حامية من الصدأ، ومزين بالصلبان، يعلو الباب صليب بارز غير متقن الصنع، مصنوع من الجبس الأبيض، كما يُلاحظ رسم صليبين على اليمين واليسار بالدماء، وهى دماء أضحية قد تكون الأسرة قدَّمتها طلبًا للشفاعة.
تكرار الصلبان (تسعة صلبان) بين أجزاء من حديد الباب، أو (فورمة) جبسية، أو رسومات تلقائية، يشير إلى رسوخ الهوية القبطية، كما يعكس إلحاحًا على التشفع بالصليب.
هذا الإلحاح يظهر سواء فى تكرار الصلبان أو وجود صلبان مرسومة بالدم، وذلك لحماية البيت من كل شر، وقد يعكس أيضًا خوفًا عميقًا لدى سكان البيت.
وختامًا، يمكن ملاحظة تكرار ثيمات معينة فى الأبواب القديمة، مثل وجود الصلبان فى كل البيوت. بعض هذه الصلبان قد تكون غير ملونة، وتظهر باللون الأبيض نتيجة طبيعة مادة الجبس، وعندما يفكر أهل القرية فى طلاء الصلبان، فإنها غالبًا تأخذ اللون الأحمر، فى إشارة إلى دماء المسيح المسفوكة من أجل البشر.
كما لا يمكن إغفال تكرار الأقواس التى تحتضن الصلبان والموجودة أعلى معظم الأبواب القديمة. هذه الأقواس غائبة عن الأبواب الحديثة، ويبدو أنها مستوحاة من قباب الأديرة والكنائس، أو من هالات الضوء التى تظهر فى أيقونات القديسين حول رؤوسهم. كذلك، يُلاحظ أن اللون الأخضر يطغى على الأبواب القديمة، بينما يظهر اللون الأزرق فى حالات نادرة.
وأهم ما يمكن استنتاجه من قراءة الأبواب هو أن الرموز الدينية على الأبواب القديمة الخشبية لها طابع جمالى هادئ، غير صارخ أو زاعق، وغير مكرر بشكل مُلح كما هو الحال فى الأبواب الحديثة، حيث نجد تكرارًا ومبالغة تصل إلى حد رسم الصلبان بدماء الأضاحى، كما فى باب 6، مما قد يعكس شعورًا لاواعيًا بالاضطهاد أو الخوف الذى تنامى فى إحدى الفترات، أو قد يعكس تزايدًا ومغالاة فى مظاهر التدين.
على كل حال لا شك فى أهمية الحفاظ على الأبواب الخشبية القديمة لقرية نزلة غطاس كجزء من التراث المادى، الذى يعكس تاريخًا وثقافة فريدة تواجه خطر التلاشى فى ظل التغيرات السريعة، خاصة حين يُلاحظ أن هناك إجماعاً تقريبًا من كل القرية على أن الأبواب القديمة بلا أى قيمة، بل من الأفضل أن تهدم البيوت ويعاد بناؤها من جديد وتزود بأبواب حديدية أكثر متانة وأمانًا يرونها أفضل!
وذلك يتطلب العديد من الجهود التى أتمنى أن تتبناها أىٌّ من المؤسسات الثقافية الحكومية أو منظمات المجتمع المدنى، نقترح منها على سبيل المثال: تعزيز الوعى الثقافى لأهل القرية حول أهمية التراث المعمارى، والتشجيع على إعادة استخدام الأبواب الخشبية القديمة كجزء من التصاميم الحديثة، وتوثيق التراث المعمارى للحفاظ على الهوية الثقافية عبر إعداد دليل مصور للأبواب الخشبية مع شرح تاريخى وتحليلى لكل نموذج كمرجع للباحثين والمهتمين بالتراث (دليل مطبوع بالألوان أو بشكل إلكترونى). وتنظيم مسابقات فنية تدعو الفنانين المحليين لتقديم أعمال مستوحاة من النقوش والزخارف الموجودة على الأبواب القديمة.
محطات فى تاريخ الإذاعة المصرية
صدر له مؤخرًا «بدايات المسرح فى صعيد مصر»
برشلونة تفتتح أول مكتبة فى العالم مخصصة لفلسطين






