كنوز| «الساخر الأعظم» يقرأ الأبراج ويرصد الكواكب ويحسب النجوم !

الساخر الأعظم أحمد رجب يحسب الأبراج والكواكب والنجوم
الساخر الأعظم أحمد رجب يحسب الأبراج والكواكب والنجوم


كل عام وأنتم بخير.. دخلنا اليوم فى عام جديد ننشد فيه الخير للجميع، بعيد عن «افتكاسات» التنجيم، و«اشتغالات» المنجمين التى تملأ الشاشات وأوراق الصحف والمجلات، وساخرنا الأعظم الكاتب الكبير أحمد رجب له مقال بعنوان «أنت وبختك والقمر» أراد فيه أن يسخر من كل هؤلاء بأسلوبه الساخر البديع فكتب يقول: 

- يستحسن أن أقول فى البداية إننى لا أفهم شيئاً فى علم الفلك وكل معلوماتى عنه تنحصر فى أن بالقاهرة شارعاً اسمه شارع الفلكى، لا أفهم شيئاً فى النجوم والتنجيم وقراءة الطالع غير أن هذا لا يمنع من الاعتراف بأننى اشتغلت منجماً عندما كنت أحرر باب «بختك هذا الأسبوع»!.

فى كتابة باب البخت لم أكن أشتغل بالتنجيم بقدر ما كنت أحاول بث التفاؤل فى نفوس القراء، فما الذى يمنعنى من أن أقول لمواليد العقرب مفاجأة سارة فى انتظارك، وأن أقول لمواليد «الحوت» سعادة فى محيط الأسرة، وأن أبشر مواليد «الميزان» بفلوس زى الرز!.

صحيح أن المفاجأة السارة لواحد من مواليد برج «العقرب» قد تكون إيقافه عن العمل وإحالته إلى النيابة الإدارية، وبالنسبة لواحد حوتى قد تكون السعادة فى محيط الأسرة هى خنافة لرب السما تنتهى بالعبارة المأثورة «والله مانا قاعدة لك فى البيت»! وفى الوقت الذى أبشر فيه واحد ميزانى بفلوس زى الرز قد يكون هذا الميزانى دايخ على جنيه سلف لأول الشهر، كل هذا صحيح، لكنه لا يمنع من أن أعطى القارئ الأمل وأملأ صدره بالتفاؤل، أليس هذا أفضل من أن أقول لقارئ «مصيبة محترمة فى انتظارك أو ضائقة مالية تنتهى بفضيحتك والحجز على هدومك»؟! وكنت بهذا البخت أحاول أن أعالج صديقاً يتوهم أنه مصاب بالقلب رغم تأكيدات الأطباء بسلامة قلبه فكان يسعد ويتفاءل بما أكتبه له عن تمتعه بكامل الصحة والعافية، وانتهى به الأمر إلى الانبهار بذلك الفلكى الهندى العظيم «بنادورا» الذى يكتب البخت كما أفهمته، مع أن «بنادورا» هو اسم الطماطم فى سوريا ولبنان، على عكس ذلك فعل أنيس منصور، أو «خبيث منصور» إذ أزعج طائفة من القراء لا ذنب لهم إلا أنهم من مواليد نفس البرج الذى أنتمى إليه فقد قمت بإجازة ليتولى هو تحرير البخت فإذا به - كل أسبوع - يتنبأ لى بمصائب ستقع فوق دماغى وهى مصائب أهون منها كثيراً المصائب التى يضعها المخرج خميس فجلة على دماغ بطل الفيلم الذى يصاب بالطرش والخرس والعمى والكساح والشلل!.

اقرأ أيضًا| إنفوجراف| منها «نص ساعة جواز» أشهر الأعمال السينمائية للساخر «أحمد رجب» 

وكان أنيس منصور يختتم قائمة المصائب بعبارة «التعساء هم مواليد ٢٠ نوفمبر»، وفى أسبوع آخر «المعذبون هم مواليد ٢٠ نوفمبر»، وفى أسبوع ثالث «الأموات هم مواليد ٢٠ نوفمبر»! وكان أنيس منصور يكتب هذه الأمانى الطيبة لى لأننى كنت فى إجازة لأتزوج ولم أحاول بعد ذلك أن أنتقم منه فقد تزوج أنيس منصور بعدى على طول وإن الله لمنتقم جبار!.

تلك كانت علاقتى بالنجوم والتنجيم فى فترة من الفترات فلا أنا فلكى ولا أنا أفهم فى الفلك، غير أن تحولاً مفاجئاً حدث لى عندما قابلت صديقى القديم عدنان الذى لم أره منذ أن كنا فى المدرسة الثانوية، وبعد السلام والذى منه سألنى رايح فين، فقلت له إننى ذاهب أحلق شعرى، أخرج من جيبه قلماً وبلوك نوت ودخل فى حسبة اختتمها قائلاً «أرجوك ما تحلقش النهاردة لأن القمر ليس فى برج الحوت»، وانطلق عدنان يتكلم كلاماً فلكياً لم أفهم منه شيئاً، وعاد يرجونى أن أعدل عن الحلاقة كما لو كان يرجونى ألا ألقى بنفسى تحت عجلات المترو، واستطرد يشرح لى كيف أن الكواكب والنجوم تسيطر على أعمالنا من حيث التوفيق وعدم التوفيق، ومضى يتكلم كثيراً وعاد ليقنعنى بالعدول عن الحلاقة ولما كنت أكره الحلاقة عمى فقد وجدت فى كلامه تشجيعاً على تغيير خط سيرى إلى الحلاق لأجلس معه فى جروبى، وتبين لى أن عدنان يعيش مع النجوم والكواكب والبروج من باب الهواية وراح يغرينى لأمارس نفس الهواية على الأقل لأحيط علماً بمسار الكواكب حتى أوفق فى كل عمل أقوم به، وأعترف أن حديث عدنان استهوانى جداً، وأصبح عدنان على صلة مستمرة بى. 

سألته فى التليفون «مش أحلق بقى يا عدنان ؟»، ورد «ارجوك مش دلوقت»، قلت «يا عدنان شعرى بقى زى الخنافس»، أجابنى «ولو.. فهذا أهون من أن تقع مصيبة»! ومرت أيام أخرى لأخبر عدنان أن شعر رأسى زحف إلى عمودى الفقرى وأخشى أن يستمر كتكعيبة العنب، لكن عدنان صمم على أننى لن أحلق إلا إذا دخل القمر فى برج الحوت بعد أسبوع، ولم يكن ممكناً أن أنتظر أسبوعاً آخر وإلا طلب منى الحلاق أن ألبس مايوه ليضع الفوطة حول ظهرى لا حول عنقى، وعصيت أوامر عدنان الفلكية وما إن انتهى الحلاق من مهمته حتى شعرت بصداع رهيب لم تفلح معه أى مسكنات وربما تكون مصادفة لا علاقة لها ببرج الحوت غير أن الصداع المستمر حملنى على أن أنظر إلى كلام عدنان نظرة جديدة وهكذا أصبح عدنان مستشارى الفلكى، وأصبح التليفون يدق لأسمع عدنان يقول «عطارد يقترن بزحل»، فقلت له «ألف مبروك عقبال البكارى»، قال «بكارى إيه.. هذه فرصة لتفكر فى أى مشكلة معقدة لا تجد لها حلاً.. فكر حالاً»، عدنان لا يقتنع أننى مشغول فى العمل ولا أستطيع التفكير فى مشاكل خاصة مستعصية، فيعلن غضبه لأننى أفوت فرصة ذهبية، ويدق التليفون فى يوم آخر ليقول «غداً القمر بربع المشترى والزهرة ثلث المشترى»، وأجيبه «مش فاهم حاجة.. اتكلم عربى»، فيقول «هذا الوضع الفلكى مناسب جداً للغزل»، وأقول له مستفسراً «غزل مين؟»، فيجيبنى «أى واحدة عايزها تحبك»!.

اقرأ أيضًا| عقد من الغياب| قصة الوفاء بين أحمد رجب ومصطفى حسين ومعاناة المرض

يغضب عدنان لأننى أضحك لكلامه، أعده بانتهاز كل فرصة فلكية يشير بها حتى أتجنب صياحه المجنون «تقرب من الحسناوات»، فأقول «حاضر»، «لا تخرج من البيت غداً»، فأقول «حاضر»، «عطارد مقارن للمريخ إياك تكذب وإلا وقعت فى بلوى»، فأقول «حاضر»، ثم جاء وصمم على أن أحفر بير فوراً لأن القمر فى برج الجوزاء ومنزلته «بدران» وحفر البير فيه خير كثير!، وأجدنى أسأله «بير إيه يا عدنان ؟ وأحفره فين؟»، فيقول بسرعة «خلف البيت..

بسرعة اسمع كلامى»، وانصرف غاضباً، ثم جاء مرة أخرى مصمماً على أن أبيع أى شيء من البيت لأن «عطارد» يسدس «المشترى» وأى بيعة فيها مكسب ضخم!، وجاء اليوم الذى تخليت فيه عن كل اهتماماتى بزحل وعطارد والمريخ، فقد دخل عدنان يبكى وفزعت نحوه استطلع الأمر وتبين أنه يبكى بمناسبة ذكرى وفاة «قمبيز بن قورش» ملك بلاد الفرس قبل الميلاد!، واتضح لى أن النوبة عادت إليه ليعود مرة أخرى إلى مستشفى الأمراض العقلية!.

أحمد رجب  «آخر ساعة» 3 يناير 1969

مصطفى أمين والشناوى فى سهرة بديعة مصابنى 

قبل يومين فقط من رحيل عام 1940 وحلول عام 1941 كان مصطفى أمين لم يكمل السابعة والعشرين من عمره، وكتب مقالاً فى مجلة «آخر ساعة» عن سهرة قضاها فى ليلة رأس السنة بكازينو بديعة مصابنى برفقة صديقه الشاعر كامل الشناوى، وقال فيه: 

- «أقبل رأس السنة وقلبى معتنق مذهب لينين وستالين، أى المبادئ الشيوعية فى الهوى والغرام فقد كنت أقمت على قلبى خط ماجينو يمنع الغزو ويقف دون المغرين، ثم سقطت «قلعة» قلبى فى يد الغزاة والفاتحين فاستعبدها البعض وأذلها الآخرون ثم تحرر قلبى من الهوى والهوان وزال استعباد الفرد ليحل مكانه استعباد المجموع، كان لى ثلاث صديقات أحبهن جميعاً ولست أعرف من المفضلة عندى، فالأولى أجملهن والثانية أذكاهن والثالثة أرشقهن، ولو كان الثلاث واحدة لكانت المرأة الكاملة الوحيدة فى الوجود، كان الموعد الأول فى فندق مينا هاوس والحضور بسترة الفراك، والموعد الثانى فى فندق هليوبوليس بمصر الجديدة والحضور بسترة السموكن، والموعد الثالث فى المعادى والحضور بالملابس العادية.

حرت بين المواعيد الثلاثة، والنساء الثلاث، وأخيراً قررت أن أعتذر عن عدم الذهاب إلى المواعيد الثلاثة، أمسكت بالتليفون وقلت للأولى إن هناك أزمة وزارية، وقلت للثانية إننى مشغول بأخبار الغزو الألمانى لإيطاليا، وقلت للثالثة إن وزير الأوقاف قد استدعانى ليعطينى تصريحاً عن أوقاف المسلمين! وذهبت أنا وصديقى كامل الشناوى إلى صالة بديعة مصابنى، جلسنا نتطلع إلى وجوه الفتيات الراقصات كما يتطلع الجائع إلى طعام وراء زجاج فترينة مطعم مشهور، دقت الساعة الثانية عشرة وأطفئت الأنوار وحدث هرج ومرج، وطرقعت القبلات وتلفت حولى لأجد وجها أقبله فلم أجد سوى كامل الشناوى، ترددت هل أقبله أو لا ؟

وأقنعت نفسى أن عملاً كهذا هو الذى يسميه القانون «فعل علنى فاضح فى الطريق العام»، ثم أضيئت الأنوار، لكننى أحسست كأن الظلام لا يزال، فقد أضيئت الأنوار فى عيون جميع الجالسين ماعدا عينى، كأن الظلام يزداد حلكة، كانت عيناى تبكيان بلا دموع، وكأن فى قلبى مأتماً على الذكريات، كانت أول سنة بعد سبع سنوات لا افتتحها بقبلة حارة على شفتين حارتين، كانت أول سنة لا اشترك فى ضجيج الراقصين، كانت أول مرة أشعر فيها أننى أعيش حقاً على هامش الحياة، ومرت أمام عينىّ قبلاتى السبع الماضيات فى نيويورك وواشنطون وروما والمحيط الأطلسى..و..و.. وغيرها.. وهذه القبلات كانت «البروكة» التى أتبرك بها كل عام!.

مصطفى أمين «آخر ساعة» - 1940 

«الحمار» يهنئ «الحكيم» بالعام الجديد 

يتسم كاتبنا الكبير توفيق الحكيم بأسلوب درامى يُندر أن يتكرر لدى أى كاتب آخر، فهو يطرح رؤاه الفلسفية بروح الفكاهة العميقة وبخيال واسع يتشكل فى المقال القصير الذى كتبه لجريدة «أخبار اليوم» بمناسبة حلول العام الجديد.. ويقول فيه: 

- تلقيت من «حمارى» التهنئة التالية بمناسبة حلول العام الجديد: 

زميلى توفيق الحكيم.. واجب الصداقة والزمالة، والعيش والملح، ولو أنى لا آكل الملح، يدعونى أن أتقدم إليك، قبل جميع الناس، مهنئاً بالعام المنصرم والعام الجديد، ولا تظن أنى طامع فى أن تمنحنى «علاوة» فأنا كما تعلم لا أنتظر منك منفعة ولا مصلحة، أعرفك لوجه الله، وهذا نادر اليوم فى بلدك، وعند أبناء جنسك، وإنك لتعلم أنى أنا الذى يُوحِى إليك بالأفكار، وأنت الذى تقبض الأجور، ولم يخطر ببالى أن أطالبك يوماً بنصيب، لأنى «حمار»، فليكن عزائى على الأقل حسن ظنك بى، وبأخلاقى، وثقتك ببعدى عن الغايات والأغراض، فتهنئتى لك ليست من طراز تلك التهانى، التى تمطر اليوم سيولاً على أبواب ذوى السلطان، وتمنياتى لك ليست من قبيل الزلفى والرياء، بل هى شيء خالص صادق لشخصك المكتوب علىّ أن أصاحبه فى الأيام السود والبيض، وإذا سألتنى ماذا أتمنى لك فى حقيقة الأمر لقلت لك بكل بساطة أن تكون مثلى، إياك أن تغير مبادئك فى الحياة، إياك أن تطيش ببالك الأطماع الزائفة، ويبهر بصرك الجاه الكاذب، أثبت على مبدئى الذى ألقنه لك كل صباح مساء «عش لأداء الواجب، ولا تهدر الواجب لتعيش» وسوف أذكرك بهذه الكلمة فى كل عام ما حييت.. أنا وأنت». 

«حمارك» 

فكتبت إليه : «عزيزى الحمار..

أنت دائما لا فائدة منك إلا الثرثرة ووجع الدماغ، لو كنت خروفاً على الأقل لذبحناك، وأكلناك، وتظاهرنا بتوزيع لحمك على الفقراء.. ولكنك حمار»!.

توفيق الحكيم «أخبار اليوم» ديسمبر 1944

«فاروق» يستقبل العام الجديد بالطرطور

منذ أن كان أميراً للصعيد وولياً للعهد، وبعد أن ارتقى العرش خلفاً لوالده الملك أحمد فؤاد، تعود جلالة الملك فاروق الأول على مشاركة رعاياه من المصريين فى كل المناسبات الدينية والشعبية فى رمضان وعيد الفطر وعيد الأضحى وليلة الكريسماس واحتفالات المملكة المصرية بعيد رأس السنة، الذى كان يحتفل به عندما يكون مسافراً خارج البلاد، والصورة التى نراها هنا التقطت لجلالته أثناء احتفاله بليلة رأس السنة فى قصر القبة عام 1948، ويجلس بجواره فى والدته الملكة نازلى، ومستشاره الصحفى كريم ثابت باشا، ويظهر فى الصورة أحد أمراء العائلة المالكة، وحرص الملك فى هذه الاحتفالية على ارتداء «الطرطور» المزركش بالألوان والزينة المبهجة، وهو نفس «الطرطور» الذى يرتديه كل من يحتفل بليلة وداع عام واستقبال عام جديد يحمل الكثير من المفاجآت السارة وغير السارة.  

من جريدة «المصرى» 

علمتنى الأعوام

بقلم: مـيخائيـل نـعيمـة

علّمتنى الأعوام ــ مُدْبرها ومُقبِلها ــ أنّ الزمان جديده أبداً قديم وقديمه أبداً جديد. فالدقائق لا تنسلخ عن الساعات، ولا الساعات عن الأيّام، ولا الأيّام عن الأعوام مثلما تنسلخ قشرة عن ساق شجرة أو وُريقة فى روزنامة عن باقى الوريقات. بل إنّ يوماً نحسبه وراءنا يطلّ علينا فى صباح كلّ يوم ويمضى يلاحقنا حتى نهاية العمر، فما من سبيل إلى الهرب من دقيقة واحدة، ونهار نهرب منه عند النوم توقظنا فى الصباح مشاغله ومشاكله، وغمومه وهمومه لنستعين عليها بنور نهار آخر، وهكذا نصل الفكر بالفكر، والأمل بالأمل، واليقظة بالمنام غير آبهين لرقّاص الساعة ولا للأرض فى دورانها حول الشمس.

علّمتنى الأعوام ألا أبكى عهداً مضى ولا أضحك لعهد يأتى، وألا أعُدّ خُطواتى على رمال الزمان، فلا أندم على صبا وشباب ذهب، ولا أجزع من كهولة تفضى إلى شيخوخة، وللزمان ذمّة لا تخون، وعلّمتنى الأعوام أنّ الحياة زرع وحصاد دائم، والزمان لا يزرع ولا يجنى، لكنه شاهد لا أكثر، نحن نزرع ما فينا ونحصد ما فينا، والزمان براء مما نعمل أو لا نعمل.

وإذن فنحن مخبولون كلّما شكونا على الزمان جوره أو رجونا منه عدله، وكلّما ودّعنا عاماً لنستقبل آخر بالهرج والمرج والهتافات العالية «عاماً سعيداً»، لكى تعرف إذا كان العام الجديد سيكون سعيداً أو غير سعيد، لابد أن تعرف ما زرع الناس فى العام المنصرم لتعرف ماذا سيحصدون فى عامهم الآتى، وماذا عسانى أقول فى الإنسانيّة الواقفة الآن على عتبة عامها الجديد وفى الزرع الذى أودعته ذمّة عامها القديم ؟ 

أنجعل من الأرض مسلخاً ثمّ نقول لأبناء الأرض: غنّوا وارقصوا، واسرحوا وامرحوا فأنتم فى أمان؟ أنحوّل الفضاء أتون فناء ثمّ نتنادى: تعالوا نعش فى سلام ؟ أنبذر أرحام السنين بالأحقاد والأوجاع ثمّ نهنئ بعضنا بعضاً فى مطلع كلّ عام: كلّ عام وأنتم بخير؟

يا ليت مَن فى أيديهم هندسة الحياة البشرية ينصرفون إلى تنقية قلوب الناس وأفكارهم مثلما ينصرف المهندسون الزراعيون إلى تنقية الأرض وتسميدها واختيار البذور والأغراس الصالحة لها، ويا ليتهم يزرعون البحار سفناً مشحونة بهدايا الناس للناس بدلاً من أن يزرعوها مدمّرات وغواصات تحمل الذعر والويل للناس، ويا ليتهم يزرعون الجوّ أجنحة ترفرف بالوئام والسلام بدلاً من أن يزرعوه قلاعاً طائرة وصواريخ تقذف الأرض بالموت، ويا ليتهم يبذرون الأثير تحيات وتمنيّات وصلوات وبركات بدلاً من أن يبذروه شتائم ونمائم، وتجاديف ولعنات، ثمّ يا ليتهم يصونون مطابعهم ومدارسهم ومعابدهم ودور ملاهيهم عن الأراجيف والسخافات والنكايات لعلّهم يجنون منها غير ما يجنونه اليوم من قلق وتوتّر أعصاب، ومن صداع ونزاع، ومن هذيان وغثيان.

لقد أتقن الناس فنّ حراثة الأرض وزرعها. أمّا النفس البشريّة التى هى أفسح من الأرض وأثمن من جميع معادنها وغلالها وأبقى من كلّ بحارها وجبالها بما لا يقاس فما وجد الناس بعد المحاريث الصالحة لتربتها والبذار اللائق بخصبها، ولكن يداً غير أيدى الناس تعمل بغير انقطاع فى تربة النفس البشرية. لذلك ما أقفرت الأرض يوماً من الصلاح والصالحين على كثرة الطلاح والطالحين، وهذا الصلاح وأولئك الصالحون هم أمل الناس فى الخلاص وهم الخير الذى لا بدّ للإنسانيّة أن تهتدى إليه يوماً، فتتعهّده بكلّ ما فيها من عبقريّة وشوق إلى الحرية، وتنقيه من التراب والعفن، ثم تلقيه فى تربة القلب والفكر، وعندئذ إذا قال قائل فى مطلع أيّ عام «عاماً سعيداً أيّها الناس»، ردّدت الأرض قوله بألف ألف شفة وألف ألف لسان: «حقّاً إنّه لعام سعيد أيّها الناس». 

من كتاب «النور والظلمة»

 

دخلنا سنة جديدة.. يا رب اجعلها سعيدة على مصرنا الحبيبة بمزيد من البناء والرخاء والاستقرار.

«كنوز»