إنها مصر

أقصر الطرق لهدم الدول!

كرم جبر
كرم جبر


«مفاتيح» الفوضى الخلاقة التى جاءوا بها إلى الشرق الأوسط هى الحروب الدينية، تحت مسميات كثيرة أشهرها «الربيع العربى»، فأشعلوا الفتن فى الدول المستهدفة، وخططوا أن تستمر ثلاثين عاماً كما حدث فى الحروب الدينية فى أوروبا فى القرن السابع عشر حتى تنهار الدول وتستسلم الشعوب، ويسهل إعادة تقسيم المنطقة على أساس دينى، فأنشأوا داعش وأيقظوا الإخوان وخليطا آخر من التنظيمات الإرهابية المسلحة، ساعدوها فى إسقاط أنظمة الحكم.

كانت مصر هى «الجائزة الكبرى»، فبدون سقوطها لا يكتب للربيع العربى النجاح، لكنها استعصت عليهم لاصطفاف المصريين خلف دولتهم، بعد أن عانوا من ويلات الجماعة الإرهابية، التى قدمت نموذجاً فاشياً دموياً، يفتح الجراح ويستحضر الفتن ويمزق النسيج الوطنى، ويدخل البلاد فى دائرة الجحيم العربى، ويجعل المصريين لأول مرة فى تاريخهم يتصارعون، وكأنهم أعداء منتقمون وليسوا أبناء وطن واحد.

نموذج الفوضى الخلاقة فى الحروب الدينية فى أوروبا، بدأت فصوله المأساوية عندما أمر أسقف مدينة براج الألمانية بحرق كنيسة بروتستانتية، فلجأ البروتستانت إلى الإمبراطور «ماتياس» الذى تجاهل شكواهم، فقرروا أن ينتقموا لأنفسهم ويردوا بالمثل، وارتكبوا جرائم ضد الإنسانية، مثل عقوبة الرمى من النوافذ العالية لمخالفيهم فى المذهب والرأى.

وامتدت الحرب من ألمانيا الى عديد من الدول الأوروبية، واستمرت ثلاثين عاماً بين الكاثوليك والبروتستانت، فقضت على ثلث السكان الذكور فى ألمانيا وحدها، وسقط نحو سبعة ملايين ونصف مليون قتيل من إجمالى عدد السكان الذى بلغ عشرين مليوناً، وهبط عدد الذكور إلى النصف، مما اضطر القساوسة الذين أشعلوا الصراع ودقوا طبول الحرب أن يخالفوا مذهبهم، ويعلنوا قبول تعدد الزوجات، ولكل رجل ما شاء من النساء.

تخضبت الأرض بالدماء، ودُمرت مدن وقرى بأكملها، ووصلت البشاعة إلى حد اغتصاب القساوسة فى الكنائس، وبقر بطون النساء بالصلبان وحرق الأحياء وإغراقهم فى أقفاص حديدية، وبتر الأصابع وقطع الأيدى، وغيرها من فنون القتل البشع، وكان السبب هو الصراع الدينى السياسى بين الكاثوليك والبروتستانت، لخرق الطرفين اتفاق «أوسبرج» لتسوية الخلافات، التى بدأت «دينية» ثم تحولت لحروب «سياسية»، والملاحظ أن داعش أعادت إنتاج الجرائم بنفس الطرق.

كان من الطبيعى أن تؤدى الحرب إلى السلام، بعد إنهاك قوى المحاربين، وقبولهم التفاوض والتنازل، ونشأت ديمقراطيات جديدة لا يحتكرها القساوسة والرهبان ولا يملكون مفاتيحها، ولا يتركون أسرارها لمَن يزعمون أنهم يمتلكون السماء، فعندما تختلط السلطة بالدين، تفسد السلطة وتنحرف الأديان عن رسالتها السامية، التى تستهدف إسعاد البشر، ونشر المحبة والعدل والتسامح والسلام.

لم يدرك الذين خططوا الربيع العربى، أن الحروب الدينية فى «الشرق» غيرها فى «الغرب»، ففى الأخيرة تستطيع الشعوب أن تلملم بقاياها وتلتئم الجراح، بما لديها من مخزون ثقافى وحضارى واجتماعى، أما فى الشرق فإذا اشتعلت الحروب الدينية، لا تنطفئ جذوتها مهما طال الزمن، ولم تجف دماء الإمام على «كرم الله وجهه» حتى الآن، منذ أن شج السفاح ابن ملجم رأسه وهو يصلى الفجر، وما زالت دماؤه تسيل فى دول كثيرة تحت سيوف الصراع المذهبى.