كل أسبوع

أحمد الجمال يكتب: تماثيل الرؤسـاء

أحمد الجمال
أحمد الجمال


في عام 2009 كنت في مهمة عمل بلبنان، استغرقت فترة ليست بالقصيرة، وكان قد مر نحو أربعة أعوام على اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري مع 21 شخصًا آخرين، تحديدًا في 14 فبراير 2005، عندما انفجر ما يعادل ألف كيلوجرام من مادة (TNT) أثناء مرور موكبه قُرب فندق «سان جورج» في بيروت.

قبل هبوط الطائرة فى مطار بيروت، كنت أرمق سماء المدينة من النافذة، وكم ابتهجت روحى من فرط ملامحها الجميلة وألوانها التى بدت مشرقة تمامًا، رغم أننا كنا حينها فى بداية موسم الشتاء وكانت حبات الثلج تتناثر فى الهواء، وفى الطريق إلى فندق «لو مارلى» الشهير بشارع الحمرا، وهو المكان الذى اخترته للإقامة فيه، مرت السيارة من أمام فندق «سان جورج» المتهدِّم، حيث كان تمثالٌ ضخم للحريرى قد نُصب قُبالته.. طلبت من السائق التوقف، وترجلت من السيارة وأخذت أتأمل الفكرة.

كان المشهد خاطفًا للعين ومؤثرًا إلى حد بعيد ويحمل إشارةً واضحة إلى شعبٍ أراد أن يكرِّم مسئولًا سياسيًا بارزًا، حتى أنه شيّد له تمثالًا عملاقًا من البرونز تخليدًا لذكرى الرجل الذى أثبتت أدلة دامغة وقتذاك ضلوع «حزب الله» فى عملية اغتياله.

في تلك اللحظة، وجدتنى أرجع بالذاكرة ست سنوات إلى الوراء، حين تم إسقاط نظام الرئيس العراقى صدام حسين، فى 9 أبريل 2003، بعد الغزو الأنجلوأمريكى للبلاد، وظهرت على شاشات التلفزيون مشاهد لإسقاط معارضيه تمثالًا ضخمًا له فى ساحة الفردوس ببغداد.

وفى خضم الفوضى التى عمت ليبيا فى عام 2011، قام معارضو النظام بتحطيم تماثيل الرئيس الليبى الراحل معمر القذافى، قبل الإطاحة بحكمه وإنهاء حياته بطلقة رصاص فى الرأس بعد معركة جرت رحاها فى أحد شوارع مدينة سِرت.

والحقيقة أننى لم أجد تفسيرًا لعلاقة الشعوب بتماثيل رموزها السياسية سوى أنها تُشيَّد لمصير واحد من ثلاثة: التكريم أو التحطيم.. أو كليهما معًا!

وبغض النظر عن تقييم الشعوب لمثل هؤلاء الذين رحلوا على نحو دراماتيكى، فإن التاريخ يبقى الشاهد الأبدى على حقيقة مواقفهم، وهو الوحيد القادر على أن يقول كلمته بحقهم ولو بعد حين.

على أية حال، حين سقط نظام الرئيس السورى بشار الأسد فى 8 ديسمبر الجارى، وهو ما كان متوقعًا مع تقدم قوات المعارضة التابعة لما يُعرف بـ«هيئة تحرير الشام» ميدانيًا ووصولها إلى العاصمة دمشق، فلا شيء كان يشغل بالى أكثر من ترقُّب متابعة مشهد إسقاط تمثاله، باعتباره مشهدًا متكررًا فى مثل هذه الحالات، وهو ما حدث بالفعل، بل وامتدت العمليات الانتقامية إلى تماثيل أخرى لوالده الرئيس الأسبق حافظ الأسد.

ولم يكن هروب الأسد الابن إلى موسكو سوى تجسيدٍ للمثل الفرنسى الشهير: «منْ كان قفاه من قش، يخشى دائمًا أن تندلع فيه النار»، فقد فر الأسد من معارضيه خوفًا على قفاه وليس حفظًا لماء وجهه الذى كان قد جف، هرب وترك النار تلتهم تماثيله وتماثيل والده وقبره، بعد نحو 13 عامًا من الأخطاء السياسية فى التعامل مع الأوضاع التى تفاقمت فى أعقاب أحداث 2011، وتوسّعت إلى حرب أهلية مزّقت أوصال بلد عربى عزيز.

تقودنا عمليات تحطيم تماثيل الرؤساء إلى مسألة فى غاية الأهمية، هى أن تخليد الزعيم لا يكون بمجرد تمثال، فأحد أشهر ملوك مصر فى التاريخ «خوفو» صاحب الهرم الأكبر، أحد عجائب الدنيا السبع لم يُعرف له تمثال يخلد ذكراه سوى واحد صغير جدًا مصنوع من العاج يبلغ طوله 7.5 سنتيمتر، وهو الوحيد المؤكد نسبته لهذا الملك، وقد اكتُشِف فى عام 1903م فى أبيدوس جنوب مصر.

واللافت، أن هذا التمثال عند اكتشافه لأول مرة كان رأسه مفقودًا لكن تم العثور عليه بعد ثلاثة أسابيع فى الموقع ذاته، وقد يظن البعض أنه تحطّم قديمًا على نمط ما يجرى فى عصرنا الحديث من عمليات انتقامية لأسباب سياسية، إلا أن عالم المصريات الإنجليزى فليندرز بيترى لاحظ أن التمثال تعرّض للكسر حديثًا، ما يشير إلى أن الانتقام من الملوك والرؤساء بتكسير تماثيلهم فكرة عصرية!

قبل أيام، تابعت أعمال القمة الحادية عشرة لمنظمة الدول الثمانى النامية للتعاون الاقتصادى، التى استضافتها مصر فى القصر الرئاسى الجديد بالعاصمة الإدارية، وبعيدًا عن السياسة أو ربما قريبًا جدًا منها، شعرت بالفخر وأنا أرى ملامح هذا الصرح الذى يعبّر عن عظمة مصر وهويتها الحضارية، ويحمل الكثير من الرسائل والدلالات، بعيدًا عن سعى القيادة السياسية عن «شخصنة» الأمور ولو من خلال تمثال واحد للرئيس فى المساحة الشاسعة التى أقيم عليها المجمع الرئاسي.

الأهم أن هذا المجمّع لم يكلف موازنة الدولة قرشًا واحدًا، وفقًا لرئيس مجلس إدارة شركة العاصمة الإدارية الجديدة، المهندس خالد عباس، الذى قال «إن بناء العاصمة الإدارية لم يُموّل من موازنة الدولة ولم تتسبب فى خسائر أو استنزاف الموازنة كما تردد».

يبقى فى النهاية أن الحاكم الأمثل هو منْ يكون نظيف اليد، فلا يسرق بها ولا يلوثها بدمٍ حرام، والحكمة إن امتلكها حاكم نزيه، أعدّ لأبناء شعبه جيشًا قويًا يحميه، وإرثًا عظيمًا من البناء والإعمار والمشروعات القومية والتنموية والخدمية التى يفاخرون بها وبه كلما حل اسمه فى صفحات الزمان، فتلك أشياء أهم من التماثيل وستبقى راسخة فى وجدانهم قبل ميادين مُدنهم، وسيظلون دائمًا يرددون بقلب مطمئن كلما حلت سيرته أشهر عبارة آمن بها: تحيا مصر.. تحيا مصر.. تحيا مصر.