هنرى مور وجواد سليم :ابتكار الأسلوب.. اجتراح الرؤية

هنرى مور
هنرى مور


محمد طهمازى

«نحاول أن نستخلص من الجنون الحياة التى يتضمَّنُها، مع كرهنا للمجانين الذين لا يتوقفون عن قتل هذه الحياة وعن توجيهها ضد نفسها. نحاول أن نستخلص من الكحول الحياة التى يتضمنها دون تناولها إن الصيرورة هى الاستغناء عن كل ذلك لخلق حياة مطَّردة الغنى، يستخلص الفنان فيها الشىء من نقيضه».

جيل دولوز

تمثل الرؤية الفنية فى النشاط الإنسانى الذى يمتاز بالإبداع والابتكار، المنظور المتفرِّد للفنان وقيمه الإبداعية التى يعمل على تطويرها مع الزمن عبر تجاربه وثقافته،وكيف تأخذ منحىً تصاعدياً يظهر ميوله ووعيه وتفضيلاته الموضوعية واللونية.

ولا يمكن فصل الفن عن التاريخ، إذ يمثل أهم وجوه تاريخ الإنسانية منذ أن وجد الإنسان نفسه أمام ضرورة وجودية لتحقيق إنجاز يقهر به الطبيعة ويقاوم الموت والفناء.

عمل هنرى مور على ابتكار أسلوب نحتى يبحث فى العلاقة بين الكتلة والفراغ متخذاً من الجسد المساحة الخام لنتاجاته حيث تخلى عن التمثيل الواقعى والمعتاد للجسد المنحوت وعمل على تجريد شكل الإنسان موظِّفاً الحركة فى تداخل للكتلة النحتية والفراغ مع تأثير واضح لشكل تلال يورك شاير، حيث وُلِد، فى تضاريس منحوتات النساء المستلقيات.

لقد خرجت رؤية مور المختلفة من بين ثنايا كتاب الشواء البشرى والقنبلة الذرية فى منتصف الأربعينيات، فقال بضرورة عودة الفن إلى ما قبل الثقافة والمنطق، لربما لخذلانهما للإنسان فى تلك الحرب العبثية والوحشية التى ضربت بكل القيم الثقافية عرض الحائط وانتصرت للدموية والموت العبثى والخراب الكبير وانتهاك حضارة الإنسان فى عمق كينونتها بشكل غير مسبوق.. وقتها انتبه البشر لكونهم يعيشون فى عالم الوحوش حد أن اكتشف الكثير منهم عمقه الوحشى. يقول جان بول سارتر: «المخيف ليس أن نتألم أو نموت، بل أن نموت عبثًا».



نرى أن مور بنى رؤيته التغييرية فى فن النحت على العودة لماضى البشرية البعيد ومفاهيمه البسيطة غير المتكلفة أو المُقيدة مجسِّداً إياها فى جسد الأنثى المكتنز وهو الرمز القديم للأرض الأم أو آلهة الخصب أو ما شاع تسميته الآلهة الأم وهو بهذا يهرب إلى البدايات، ليس بدايات الحضارة بل بدايات رؤى الانسان للحياة، لاغياً كل نتائج بحث الإنسان فى حقائق وغايات وجوده إنه اليأس الممزوج بالنقمة على حضارة الإنسان التى تمخَّضت فى النهايات الغربية لها على كل هذا العنف والجشع والكراهية والسادية فى القتل. 

تأثر جواد سليم فى مساحة من بحثه التقنى الأسلوبى بأستاذه هنرى مور الأمر الذى منحه آلية جديدة فى نتاجاته الفنية وظهر ذلك جلياً فى العديد من أعماله، بيد أن جواد لم يرَ فى فلسفة مور ممراً مناسباً يوصله لتحويل ما يختزن من ثقافة وما يطمح إليه فى عالم الفن إلى نتاجاتٍ إبداعية. لقد أحبَّ جواد الحياة واعتبرها الخزانة التى تمده بالأفكار برغم ما تحتمل من مآسٍ وأوجاع وجنون وأمراض بشرية.

كان جواد ابن بلد خرج منذ عقدين إلى الحياة بعد قرون من التعفن تحت دهاليز طرابيش وعمائم الخلافة العثمانية العقيمة ثقافة وحضارة. وكان كما بلاده يحمل طموحاتٍ عظاماً وآمالاً كبيرة فى مستقبل تتفتح فيه أبواب العودة إلى عالم الحضارة بعد كل ذلك الغياب والتغييب.

على العكس من هنرى مور ابن بريطانيا التى بدأت تغيب عن أرضها الشمس لكنها لم تغب عن مؤامراتها ودسائسها وسرقاتها وانتهاكاتها، فهو هنا يشهد انهيار ذلك الهيكل الاستعمارى الشيطانى وانتقال روحه إلى هيكل جديد.

لقد عاد جواد إلى الماضى هو الآخر لكن ليس الماضى البدائى بل الماضى الحضارى ولم يكن هارباً من الحاضر بل باحثاً عما يعزز حاضر الإنسان فى بلاده. كان ينقب فى فنون بلاد الرافدين بكل مراحلها الحضارية ليبنى جسراً يصل ما انقطع لكن بمفاهيم فنية حديثة لا تتنكَّر لقيم التراث والأصالة، وهذا فعلاً ما كان يحتاجه العراق فى تلك المرحلة.

طاقة فنية
يقول نيتشه فى كتابه «مولد التراجيديا»: «إن الموسيقى والأسطورة التراجيدية تعبيران متساويا القدر عن الطاقة الديونيسية لأى شعب، وهما لا ينفصلان عن بعضهما. وكل منهما نشأ فى ميدان فنى يتجاوز العامل الأبولى.

كما أن كلاً منهما يغير فى شكل المكان، جاعلاً التنافر والصورة الرهيبة للعالم تتلاشيان فى عالم جمالى وكلاهما أيضا يعمل من خلال وخز مثير للشعور مبعثه القوة الهائلة لفنهم الساحر، ويفيد من هذا الدور لتبرير وجود حتى «أسوأ العوالم» فى هذا الكون.

وفى هذا المجال يثبت العنصر الديونيسى، كدافع يقف فى مواجهة الأبولى، ويؤكد أنه خالد وأنه طاقة فنية أصيلة، عبر خلقه العالم الظاهرى: وفى وسط هذا العالم نشعر، إذا ما أريد لناموس الفردنة أن يستمر متوقدا، مستغلاً الحاجة إلى الوهم لإحداث تغيير فى المظهر».

لقد كان جواد سليم عاشقاً للموسيقى وبرغم هذا العشق لم يجنح إلى الشاعرية الموسيقية فى أعماله التشكيلية بل حصر هذا الميول ضمن المقطوعات الموسيقية التى ألَّفها فيما أطلق العنان لمداه التشكيلى ليخوض غمار الأسطورة التراجيدية.. كيف لا وهو ينهل من بلاد خلقت الأساطير وعبأتها بالتراجيديا حتى صارت تجرى بدل الماء فى أنهارها والدم فى عروق شعبها كما الهوس المزمن.. فيما هرب هنرى مور من تاريخ النحت الغربى المُشبع بالأساطير إلى أحضان الشاعرية الموسيقية التى تتموج مع أجساد النساء وكأن النحت الغربى قرر الركون للسلام والهدوء على شطآن مور بعد كل ذلك التاريخ المتوتر المشحون بالقوة والعنف.

وهذه، برأيى، مفارقة من ناحيتين أولاهما ما ذكرته سابقاً والثانية هى أن جواد سليم تتلمذ على يدى أستاذه هنرى مور وقد تأثر به بشكل كبير ظهر منه شىء وخفى آخر بيد أنه سلك طريقاً معاكساً فى رؤاه الفنية لقد اختصر هذان النحاتان العظيمان، وأجُزم بذلك، العلاقة بين الفن والجمال وإرادة القوة وعلاقتها بالإنسان الأعلى، المجسد لمعنى الوعى والرقى، ولو تعمقنا فى دراسة العلاقة بين الأخير وإرادة القوة لوجدناها علاقة جمالية، حيث إن إرادة القوة لابد لها أن تتحرك صوب إرادة الفنان، كونها إرادة مبدعة تبحث فى القوة الجمالية للأشياء وتعمل على إظهارها، والإنسان الأعلى، كائن ذواق جمالى، لا يتردد فى المغامرة سعياً وراء الروح الجمالية التى تمنح الحياة لونها وطعمها ورائحتها ومتعتها، وبالتالى معانى وجودها الخفية.

الخلق البصرى
وعن ذات المبحث العلائقى بين الجمال والإنسان الأعلى، المثالى أو السامى، وعلاقته بعناصر الحياة من حوله، يقول إيمانويل كانط فى تناوله للبعد المثالى الحديث: «إن المثالية لا تُعنى بوجود الأشياء، لكنها تؤكد بشكل أو بآخر بأن أنماط تمثيلنا لها تتجاوز الزمان والمكان، وبالتالى ما من قراراتٍ تعود إلى الأشياء فى حد ذاتها، بل هنالك سمات أساسية لعقولنا الخاصة».

أى أن مسالك رؤى الفنانين مورو وجواد، كمثال، وأساليب تعبيرهما عن المفاهيم الفكرية والفنية هى التى تعطى شكل القيم الجمالية لعناصر ومعمار الأعمال الفنية التى ينتجانها.

وبالتالى نوعية وتوجه الخطاب الجمالى الذى يستعين بشكوكية المثالية، إبستمولوجيا، حول إمكانية معرفة أى شىء مستقل عن العقل، من ناحية، وأسبقية الوعى بصفته أصل الظواهر وشرط وجودها.. فالفنان بالتالى هو من يشكِّل هذا العالم ولا يعيد تشكيله، كون وعيه شرطاً ضرورياً لوجود هذا العالم الذى يترجمه الخلق البصرى الجمالى.