لم يكن أكثر المتشائمين يتوقع ما جرى فى سوريا خلال الأيام الماضية خاصة السقوط السريع للنظام السورى أمام هجوم المعارضة الذى بدأ فى ٢٧ نوفمبر الماضى لينتهى بدخول العاصمة دمشق فى صباح الاثنين الماضى دون مقاومة تذكر حيث توالى استيلاؤها على المدن الرئيسية حلب وحمص وغيرهما، أسئلة واستفسارات عديدة تطرح نفسها على الساحة السورية بالأساس والإقليمية والدولية فماذا عن اليوم التالى وما برنامج الحكومة الانتقالية خلال فترة الثلاث أشهر التى حددتها وهل تنجح وماذا عن صراع اللاعبين الرئيسيين فى ظل الماراثون السياسى فى المنطقة الذى تجسده زيارات واتصالات أمريكية لدول الجوار السورى خاصة العراق وهل تستطيع واشنطن ضبط العدوان الإسرائيلى على سوريا الذى حاول استثمار حاله عدم الاستقرار وخلق أمر واقع على الأرض بإلغاء اتفاقية فض الاشتباك الموقعة بين البلدين عام ١٩٧٤ وتدمير القدرات العسكرية السورية.
كما أن العالم يترقب موقف واشنطن من كل ما جرى فى سوريا وعليها تحديد موقفها من النظام الجديد بالإضافة لحسم مسألة تجديد العقوبات المفروضة على النظام السابق وفقًا لقانون قيصر والتى تنتهى يوم الجمعة المقبل ويبقى الموقف المصرى هو طاقة النور الوحيدة، فهو واضح وثابت بدون أجندات سياسية ولا مصالح فقط استقرار سوريا ووحدة أراضيها وهذه محاولة للاقتراب من كل هذه الملفات.

اقرأ أيضًا | «تايم» تختار ترامب «شخصية العام»
لعل من المقولات المهمة لفهم العلاقة بين القاهرة ودمشق تتلخص فى الآتى أن (الأمن القومى لمصر يبدأ من طرطوس أقصى شمال سوريا) هذه المقولة أثبتتها مجريات التاريخ وتؤكدها حقائق الجغرافيا ولهذا كان من الطبيعى أن يكون البلدان هما أصحاب أول تجربة وحدة فى المنطقة العربية فى منتصف القرن الماضى عام ١٩٥٨ كما أن البلدين أحرزا الانتصار فى أحد أهم معارك الصراع العربى الإسرائيلى أكتوبر ١٩٧٣.
لعل ذلك يمثل مدخلا لفهم حقيقة الموقف المصرى من الأحداث الأخيرة فى سوريا والذى وفقا لحقائق ثابتة لم يكن وليد اليوم بل بدأ منذ مارس ٢٠١١ موعد بداية المظاهرات الشعبية هناك ونتوقف عند بعض المحطات بهذا الشأن وهى كالتالي:
الأولي: فى عام ٢٠١١ حيث نشطت الخارجية المصرية رغم حالة عدم الاستقرار التى اجتاحت المنطقة ومنها مصر بطرح مقترح بتشكيل إطار رباعى يضم كلا من السعودية وإيران وتركيا بالإضافة إلى مصر وكان كفيلا بإيجاد حل للأزمة فى بدايتها ولكن جهات معينة أفشلت ذلك الجهد.
الثانية: بدأت مصر سياسة متوازنة بعد يونيو ٢٠١٣ وفق مجموعة من المبادئ منها أولوية الحل السلمى والسعى إلى توافق سورى سورى ورفض التدخلات الخارجية والحفاظ على وحدة الأراضى منها مبادرة القاهرة للحل السياسى والتى هدفت إلى تشكيل حكومة انتقالية بمشاركة جميع الأطراف ودعت إلى تنظيم انتخابات ديمقراطية فى سوريا وقد تبنت مصر عددا من المبادرات منها تشكيل منصة القاهرة بمشاركة عدة ائتلافات وشخصيات سياسية سورية وصل عددها إلى أكثر من ٢٠٠ شخصية فى يونيو ٢٠١٥ كما زاد الجهد المصرى على الصعيد السياسى وسعت دائرة الحوار بزيارة وفد من مجلس سوريا الديمقراطية لمصر فى سبتمبر ٢٠١٩ كما أجرى رئيس تيار الغد أحمد الجربا مباحثات مع كبار المسئولين والقاهرة اتفاقات المصالحة بين بعض المناطق وبين الفصائل المعتدلة والحكومة فى يوليو ٢٠١٨ واستضافت الملتقى التشاورى الأول للقبائل والقوى السياسية العربية السورية فى المنطقة الشرقية دير الزور والرقة والحسكة كما نجحت فى التوصل إلى اتفاق وقف التصعيد ومنها اتفاق هدنة الغوطة الشرقية فى يوليو ٢٠١٧ وفى نفس الإطار استمر التواصل بين الخارجية المصرية مع مبعوث الأمم المتحدة جير بيدرسون الذى زار القاهرة عدة مرات والتقى به وزير الخارجية السابق سامح شكرى على هامش عدد من المؤتمرات.
ثالثا: الجهد المصرى باتجاه عودة سوريا إلى استئناف عضويتها فى الجامعة العربية بعد قرار تجميد العضوية فى نوفمبر ٢٠١١ بقرار من وزراء الخارجية وفرض عقوبات اقتصادية عليها بعد رفض دمشق تنفيذ بنود المبادرة العربية بموافقة ١٨ دولة والتى تضمنت وقف العنف وإيجاد حل سياسى للأزمة ونجحت مصر فى إطار جهد مشترك من عدد من الدول منها السعودية والأردن والعراق عبر اجتماع تشاورى تم عقده على مستوى وزراء الخارجية فى أول مايو للاتفاق على خريطة طريق لعودة سوريا إلى الجامعة واستئناف عضويتها وهو ما فتح الطريق إلى اتخاذ القرار بهذا الخصوص فى نفس الشهر وسمح بمشاركة الرئيس السابق لأول مرة فى قمة جدة فى مايو قبل الماضى كما كانت مصر عضوا فى لجنة الاتصال الوزارية العربية المعنية بسوريا والتى تضم أيضا السعودية والأردن والعراق والتى كانت مهمتها بحث الشواغل الأمنية من بعض الجوار خاصة عودة اللاجئين ومكافحة الإرهاب ووقف تهريب المخدرات وتعزيز التعاون الأمني.
رابعا: شاركت مصر فى الاجتماع الذى استضافته قطر على هامش منتدى الدوحة الذى ضم الدول الثلاث الأعضاء فى منصة الاستانة روسيا وتركيا وإيران بالإضافة إلى السعودية والعراق والأردن والذى كان له دور مهم وفقا لعدد من التقرير فى الاتفاق على أسس التحرك المشترك باتجاه مسار الأحداث والذى ساهم فى حقن دماء السوريين وعدم الاتجاه إلى الفوضي.
ومن المهم هنا التأكيد على حقيقة مهمة أن مصر تحظى بالثقة بناء على سوابق تؤكد أنها ليست طرفا فى أى صراع وهدفها هو العمل على استقرار المنطقة وليس لها اى مصالح فى الملفات الإقليمية التى تدخل فيها.
كما أن هناك احتراما وتقديرا لوزنها العربى والإقليمى وهى كذلك لم يسجل عليها التدخل فى الشأن الداخلى لأى دولة ويمكن فهم ذلك فى الرد الحاسم من وزارة الخارجية ونفيها لمزاعم إعلامية أنها نصحت الرئيس بشار بمغادرة سوريا وتشكيل حكومة فى المنفى ويمكننا رصد الموقف المصرى فيما بعد الأحد الماضى من خلال قراءة مغزى التحركات والاتصالات المستمرة مع الأطراف المعنية بالملف السورى وكذلك التصريحات الرسمية فى الآتى.
المتابعة الدقيقة لكل مجريات الأمور على مدار الساعة مع الإعلان الواضح والصريح على الانحياز لإرادة الشعب السورى والحفاظ على الدولة ومؤسساتها.
الدعوة إلى تدشين عملية سياسية شاملة سورية بالأساس دون أى تدخل أو إملاءات خارجية بمشاركة كل القوى الوطنية السورية وتنسجم مع القرار الأممى ٢٣٥٤ تهتم فى رسم المستقبل وبناء مؤسسات الدولة وعودتها إلى استعادة مكانها فى إطار النظامين العربى والدولى وأن تتم عملية الانتقال بسلاسة وسلمية مع ضرورة عدم إقصاء أى طرف وتعبر عن التنوع المجتمعى والدينى والطائفى والعرقى مع تمثيل كل الأطراف.
إدانة استغلال إسرائيل للحالة المؤقتة واستيلاؤها على المنطقة العازلة والمواقع القيادية المجاورة لها واعتبرتها احتلالا لأراض سورية وانتهاكا صريحا لسيادتها وتنتهك وحدة وسلامة الأراضى السورية وانتهازا لحالة السيولة والفراغ فى سوريا لخلق أمر واقع جديد على الأرض كما نجحت مصر فى تشكيل رأى عربى رسمى من خلال دعوتها للاجتماع على مستوى المندوبين الدائمين فى الجامعة العربية الجمعة الماضى وذلك لاتخاذ موقف واحد تجاه إدانة استيلاء إسرائيل على المنطفة العازلة وسلسلة المواقع المجاورة لها باعتبارها مخالفا لاتفاق فك الاشتباك عام ١٩٧٤ وكذلك إدانة الغارات المستمرة على المواقع المدنية والعسكرية والدعوة إلى عقد جلسة لمجلس الأمن.
استمرار العمل مع الشركاء الإقليميين والدوليين وكان ذلك واضحا فى حجم الاتصالات التى تمت على مستوى الرئيس عبدالفتاح السيسى أو الوزير بدر عبدالعاطى مع نظيره الأمريكى حيث أعرب له عن رفض مصر للإجراءات الإسرائيلية فى سوريا وتم التوافق على أسس العملية السياسية كما قام الوزير عبدالعاطى بالتواصل مع نظيره التركى وفى هذا الإطار فالقاهرة تستضيف يوم الخميس القادم قمة الدول الثمانية الإسلامية والتى تضم فى عضويتها بالإضافة إلى مصر تركيا وإيران ونيجيريا وباكستان وإندونيسيا وماليزيا وبنجلادش ومن المؤكد أن على جدول أعمالها وبالإضافة إلى القضايا الخاصة بالتعاون الاقتصادى ملفات مثل الوضع فى سوريا وفلسطين بالإضافة إلى المباحثات الثنائية بين الرئيس عبدالفتاح السيسى ونظرائه من الدول المعنية بالملف السورى والمنخرطة فيه خاصة تركيا وإيران.
انقسام إسرائيلى حاد بشأن لبنان ونتنياهو تحت ضغط شعبى متصاعد
«هزيمة نادرة»| الكونجرس الأمريكى يضيق الخناق على ترامب
المنطقة فوق برميل بارود| خامنئى: لن نتراجع.. وترامب يحذر من تجاوز الخطوط الحمراء







