حكايات| سراديب تونا الجبل.. رحلة إلى عالم الأبدية بين الأسطورة والحقيقة

سراديب تونا الجبل
سراديب تونا الجبل


في قلب صعيد مصر، حيث تمتد الصحاري الشاسعة وتتشابك الرمال مع الأفق، تقع "تونا الجبل"، قرية صغيرة تخفي في أعماقها أحد أعظم أسرار مصر القديمة: السراديب التي شكلت بوابة المصريين القدماء إلى العالم الآخر، إنها ليست مجرد مقابر؛ بل هي مزيج من الفن، العقيدة، والتاريخ، تُخبرنا عن حضارة تعانق الأبدية

◄ بوابة إلى العوالم المجهولة

فبمجرد وقوفك أمام درجات السلم المؤدي إلى السراديب، تتسارع دقات قلبك لأنك لا ترى سوى قدمك، وتتحسس الخطوة حتى لا تصطدم بمجهول لتجد نفسك بعد ذلك أمام مجموعة من الممرات والمقابر المنحوتة في قلب الجبل، وُجدت لتكون مستقرًا لأرواح الموتى، كانت ولكنهم ليسوا بشرًا إنما تحتضن رفات الحيوانات المقدسة مثل طيور أبو منجل المعروفة قديمًا بـ الأيبس (الإله تحوت) وقرود البابون المقدسة، والتي كانت تُعبد كرموز للحكمة، أكثر ما يثير الدهشة هو التداخل المعماري الدقيق بين السراديب والمقابر، حيث تمتد الممرات بعناية لتشكل شبكة ضخمة من الغرف والمداخل التي تغمرها الظلال والصمت

كل زاوية في تلك السراديب تحكي قصة، بدءًا من النقوش الهيروغليفية التي تغطي الجدران، إلى الرموز الجنائزية التي تحمل وعودًا بحياة أبدية مليئة بالنور والسلام، هنا، يشعر الزائر بأنه يتنقل بين عوالم مختلفة، حيث تتقاطع الروحانية مع الفنون اليدوية الدقيقة

◄ تحوت.. سيد الحكمة في قلب السراديب

كانت تونا الجبل مركزًا مخصصًا لعبادة الإله تحوت، الذي ارتبط بالكتابة والحكمة، لذا، كانت السراديب مخصصة بشكل أساسي لطائر أبو منجل، رمز الإله، المومياوات الحيوانية التي وُجدت هنا ليست مجرد بقايا، بل هي دليل على طقوس مقدسة كانت تهدف إلى ضمان استمرارية الحياة والتناغم الكوني، وأحد أعظم الاكتشافات في تونا الجبل هو لوحة حجرية تعود إلى العصر البطلمي، نُقش عليها تعويذات دينية، تُظهر هذه النقوش كيف كان المصريون القدماء يعتقدون أن كتابة الكلمة تُخلّد الفكرة، وأن الموت ليس إلا انتقالًا إلى مرحلة أخرى من الوجود

◄ الغموض الذي يأسر العقول

التنقل في سراديب تونا الجبل يشبه دخول متاهة زمنية، الممرات الضيقة والجدران التي تحمل آثار الزمن تجذب الباحثين والمستكشفين من جميع أنحاء العالم، الغموض الذي يحيط بتصميم هذه السراديب وتوزيع الغرف يفتح الأبواب أمام الكثير من الأسئلة، لماذا اختار المصريون القدماء هذا المكان بالتحديد؟ كيف تمكنوا من نحت هذه الأنفاق بدقة مذهلة في صخور صلبة؟

◄ بين الأسطورة والحقيقة

في قلب تلك الصحراء البكر التي لم تشوبها يد الحداثة،  يتداخل الغموض مع التاريخ، تروي الألسن قصصًا وأساطير عن سراديب تونا الجبل التي لا تزال تحتفظ بأسرارها في أعماق الصخور، ويتداولها البسطاء من سكان ملوي من بينهم غفراء المنطقة، فهي لم  تُبهر الباحثين والأثريين فقط، بل ألهمت أجيالًا من الحكائين الذين نسجوا حولها قصصًا تثير الرهبة والإعجاب.

◄ بوابة الأرواح الضائعة

فيروي للأخبار الحاج محمد المنياوي إن سراديب تونا الجبل ليست مجرد مدافن أو ممرات تؤدي إلى مثوى الحيوانات المقدسة، بل هي بوابة سرية لعالم الأرواح، تتحدث إحدى الأساطير المحلية عن أرواح تسكن السراديب، تحرسها من الدخلاء وتحافظ على أسرارها، يُقال إن من يجرؤ على دخول السراديب في أوقات معينة من الليل يسمع همسات غامضة، أشبه بأغنيات قديمة بلغة غير مفهومة، هذه الأصوات، كما يعتقد البعض، هي أصوات الكهنة الذين قضوا حياتهم في خدمة الإله تحوت، وما زالوا يحمون مكانهم المقدس حتى بعد الموت

◄ الكنز المدفون

ومن أشهر الأساطير التي تناقلها سكان المنطقة أن السراديب تخفي كنزًا أسطوريًا لا يُقدر بثمن، وفقًا للروايات، فإن هذا الكنز ليس ذهبًا أو مجوهرات، بل مجموعة من المخطوطات السحرية التي تحتوي على أسرار الكون وتعويذات قديمة قادرة على تغيير مصير البشر، يُقال إن الكهنة دفنوا هذه المخطوطات في أعمق نقطة من السراديب، ووضعوا حراسًا غير مرئيين لمنع أي شخص من الوصول إليها.

◄ لعنة السراديب

مثل العديد من المواقع الأثرية في مصر، ارتبطت تونا الجبل بأسطورة اللعنة، يعتقد بعض سكان المنطقة أن السراديب مسكونة بلعنة قاتلة تُصيب كل من يحاول العبث بها أو نقل محتوياتها، هناك قصص عن باحثين أثريين وعمال تعرضوا لحوادث غامضة أو مرضوا بشكل غير مبرر بعد زيارتهم للسراديب، ويقول الأهالي إن الكهنة القدماء وضعوا تعويذات سحرية على مداخل السراديب لحمايتها من "الدخلاء."

◄ اقرأ أيضًا | خاص| سرداب أبو رواش.. الأثر المفقود وأسرار الحضارة المصرية القديمة

◄ الممر الذي لا نهاية له

من القصص الأخرى التي تُحكى عن السراديب أنها تحتوي على ممر سري يؤدي إلى قلب الأرض أو إلى أماكن بعيدة لم تُكتشف بعد، يُقال إن هذا الممر ليس له نهاية واضحة، وإن من يدخله يضيع في متاهة مظلمة لا يستطيع الخروج منها أبدًا، بعض الحكايات تزعم أن هذا الممر كان يُستخدم كطريق سحري للسفر بين العوالم أو كمدخل للقاء الآلهة

◄ تحوت ومفتاح الحكمة

ترتبط السراديب بشكل وثيق بالإله تحوت، إله الحكمة والكتابة. تُروى قصة مفادها أن تحوت نفسه كتب كتابًا يحتوي على أسرار الخلود والمعرفة المطلقة، وأمر كهنته بإخفائه في أعماق السراديب، يُقال إن من يعثر على هذا الكتاب سيحصل على الحكمة المطلقة، لكنه سيدفع ثمنها بفقدان روحه.

◄ حكايات لا تنتهي

سواء كانت هذه القصص خيالًا شعبيًا أو بقايا ذكريات قديمة تحورت عبر الزمن، فإنها تضيف هالة من السحر والغموض إلى سراديب تونا الجبل، هذه الحكايات ليست مجرد قصص تُروى في ليالي الشتاء، بل هي جزء من تراث ثقافي يعكس شغف الإنسان بالبحث عن المجهول ورغبته في فك ألغاز الماضي.

في النهاية، تبقى سراديب تونا الجبل مكانًا يثير الخيال، حيث يتشابك الواقع مع الأسطورة، ويستمر الغموض في جذب الحالمين والمغامرين الذين يسعون لاكتشاف الأسرار المخبأة بين الصخور الصامتة، فهي ليست مجرد موقع أثري؛ إنها نافذة على عقلية أمة كانت تؤمن بأن الموت بداية جديدة، وأن كل عمل يُنجز على الأرض له تأثير على الخلود، وهذه السراديب تذكرنا بأن الحضارة المصرية القديمة لم تكن مجرد حضارة مادية، بل كانت حضارة فلسفية تنظر إلى الكون برؤية شاملة، فعند زيارتك لها، لن ترى فقط أحجارًا وجدرانًا؛ بل ستشعر بأنفاس التاريخ وروح الأبدية، إنها دعوة للتأمل في معاني الحياة والموت، وفي عبقرية المصريين القدماء الذين صنعوا من الموت فنًا ومن الأبديّة علمًا