« أ ن ت» اللوحة المعدنية جميلة جدا وهذه رسالة ولكن من يستطيع فك شفرتها!
السيارة فارهة لحد مهيب لم أر مثلها إلا صدفة فى بلدها الأصلية وبلدان خليجية لا أوروبية، وعلى طريق سريع سارت محاذية تمامًا لى ثم سبقتنى قليلا واستوت أمامى بالضبط، أروح يمين فتروح معى أذهب يسار فتسبقنى إليه وهكذا كأنها أرسلت اليوم لتؤنسنى فى هذه الطريق الطويلة، السيارة عريضة جدا ولها خلفية منتفخة بديعة سلمت يدا من صممها وصنعها، لا تجرى على الطريق بل بدت كأنها تتبختر على مهاد وثير فلا هى تسير على عجلات ولا تؤلمها حفرة ولا توخزها نقرة ولا أى شيء مما يؤذى الأغلبية.
لا أميل للسيارات الفارهة ولا تأكل عقلى ولا أفهم لماذا تبدلت نظرتى للأشياء فجأة ربما بعد اختبار حقيقتها أدركت مسألة أننى لست أحتاج سوى وسيلة لا غاية ولا وجاهة ولا ينبغي، مشاويرى تنحصر دائما بين نقطتين وحرفى جر ولا ثالث لهما.. من وإلى، وهذا هو مربط الفرس ما تحتاج اليه بالفعل، وشخصيًا أحتاج أن أصل وحسب.
السيارة أمامى كأنها تتبعنى لا أنا أسير خلفها، تغازلنى بصعود متأنِ وهبوط رصين وأنا أتغزل بها مد الطريق، أحببت جدا حروف لوحتها المعدنية كأنها كانت تخاطبني، الحروف هى « أ ن ت»، وأنا آخذها على ذاتى وأهُز رأسى وأبتسم، منذ تطبيقها قبل عشرين عامًا مضت تعلمت كما كل المصريين تغيير ترتيب حروف اللوحات المعدنية لأعبث أحيانًا وأضحك أحيانا أخرى وإسخر اذا ساءت بى الظروف، لكن « أ ن ت» واضحة جدا وتخاطبنى وهذه رسالة لي.
لم أعُد أتعلق بالأشياء مجددا توقف عن هذا الهراء منذ ما حدث. ناهيك عن تكلفة كل شيء نتعلق به ونضعه بإرادتنا فى دائرة أولوياتنا الصغيرة، ونرعاه قدر استطاعتنا ليكبر ثم يأكلنا أو فى أكثر الاحتمالات رفقًا نصير خدما له، أما عما حدث وبدلنى فحدث ولاحرج، تستطيع الجزم بأن كل الأشياء حدثت يا صديقى العزيز.
تعرف؟
أرانا فى لعبة عالمية.. الشركات تخلق الاحتياج وتغذيه بشراسة ثم تغازل أحلام الناس ثم تجد سببًا لخلق رغباتهم ثم تتصنع سعيها لسد هذه الاحتياجات التى صارت موجودة بالفعل ثم تقنعهم بضرورية هذه الأشياء التى كانوا يعيشون بدونها حياة أسعد وأخف وطأة وهكذا دواليك، على كل الأحوال هذه قضية معقدة جدا ومتشابكة وتدخل فيها أنظمة عالمية وتمولها جهات وهيئات وتغذيها أفكار ومعتقدات وتدعمها الثروة ويروج لها الأغبياء ويقتنيها الجهلاء ويدافع عنها الخرقى وتستنزف الجهال من الناس-للأسف- وأنا معهم.
« أ ن ت» اللوحة المعدنية جميلة جدا وهذه رسالة ولكن من يستطيع فك شفرتها!، سألت نفسى أيضًا على هامش الكلام: إذا كانت السيارة فارهة وصاحبها ثريا ويحب ذاته لماذا لم يسع فى ترخيصها بلوحة تحمل « أ ن ا» على الأقل سيعبر عن نفسه أفضل، لكن هذه بالقطع رسالة لى وأنا لست أفهمها.
ولست ألوم على الأغنياء أبدًا فإن لم يفعلوا فوالله لألومنهم أكثر وأكثر، الرفاهية حق لكل يملك ثمنها وتكلفتها وعبئها وتوابعها، والحقيقة أنها مكلفة جدًا، أما من لايملك فلا عليه إلا أن يتأمل لوحاتها ويتغزل فيها ويسأل نفسه ويكتب هذا المقال.
طالت الطريق جدًا بنا لأكثر من مئة كيلو والسيارة تناورنى واللوحة المعدنية لا تفارقنى ولا أنفك أبحث عن معناها، أنا ماذا يا عزيزتى السيارة!
إذن « أ ن ا» ماذا!، ماذا تريد منى الرسالة!

اتفاق مبدئى!
فى غزة.. الوقت من دم
إيمان راشد تكتب: ميزان العدل






