قبة زوجة سليمان باشا.. تحفة جمالية تعاني من «زوار الليل»

قبة زوجة سليمان باشا
قبة زوجة سليمان باشا


في قلب حي مصر القديمة، تتوسط قبة تاريخية تحمل بصمة وفاء وتقدير لذكرى رجل كان له دور كبير في تشكيل الجيش المصري الحديث، وتحديدًا سليمان باشا الفرنساوي.

 تقع هذه القبة بجانب ضريح سليمان باشا، حيث دفنت زوجته مريم بجانبه كرمز للتلاحم العائلي الذي ميز حياته. هذا الرجل الذي كان يُعرف سابقًا باسم «أوكتاف جوزيف سيف» قبل اعتناقه الإسلام وانضمامه إلى الجيش المصري بأمر من محمد علي باشا، ليصبح من أهم القادة العسكريين في تاريخ مصر.

تعد القبة التي تضم رفات زوجته شاهدًا على طراز معماري فريد يجمع بين العمارة الأوروبية والأسلوب المصري، ووجهة تاريخية لمن يرغب في التعرف على بصمات الحقبة العلوية وأهمية هذا القائد في تشكيل الهوية العسكرية المصرية.

◄ قصة سليمان باشا الفرنساوي

وُلد أوكتاف جوزيف انتلم سيف، المعروف لاحقًا بسليمان باشا الفرنساوي، عام 1788 في مدينة ليون الفرنسية، بعد مسيرة عسكرية متميزة في جيش نابليون، وجد طريقه إلى مصر حيث التقى بمحمد علي باشا، الذي كان في خضم مشروعه لبناء دولة مصرية حديثة. قرر محمد علي تعيين سليمان باشا في مهمة تأسيس جيش مصري يعتمد على أسس أوروبية حديثة، وأعطاه مجموعة من المماليك ليبدأ تدريبهم في أسوان.

تأثر سليمان باشا بحياة المصريين وثقافتهم، فاعتنق الإسلام واندفع في عمله ليصبح أحد أبرز القادة العسكريين في مصر، حتى وصل إلى منصب «رئيس الجهادية»، ما يعادل اليوم منصب «وزير الحربية». تميز هذا القائد بقدرة فائقة على التعامل مع التحديات وتحمل الصعوبات، واستمر في خدمة الجيش المصري عبر عدة عهود حتى توفي عام 1872.

◄ الزواج من مريم وأثره في المجتمع المصري

لم يقتصر اندماج سليمان باشا في المجتمع المصري على عمله العسكري، بل امتد ليشمل حياته الشخصية. حيث تزوج من السيدة مريم، التي يُعتقد أنها من عائلة محمد علي باشا، وأنجب منها أولادًا أسهموا في الترابط بين العائلات المصرية والفرنسية. بنته نازلي تزوجت من محمد شريف باشا، رئيس وزراء مصر آنذاك، وأنجبت فتاة تزوجت من عبد الرحيم صبري باشا، ومن هذا الزواج وُلِدت الملكة نازلي، والدة الملك فاروق.

◄ قبة مريم 

تقع قبة مريم، زوجة سليمان باشا، بجوار ضريح زوجها في شارع سليمان الفرنساوي في حي مصر القديمة. تتميز القبة بتصميم معماري فريد يعكس مزيجًا من الأسلوب الأوروبي والمصري. تتكون من حجرة مثمنة الشكل تعلوها قبة من الحديد المشغول، مزينة بأشكال نباتية مفرغة تعكس دقة الحرفيين الذين قاموا بتنفيذها. كما يحيط بالقبة شرفة من الحديد المشغول، وتعتبر واحدة من أندر الأمثلة على هذا النوع من العمارة في مصر.

داخل القبة، نجد الضريح مزينًا بآيات قرآنية محفورة على الرخام، مما يضيف إلى القبة جمالية روحية تعكس تقدير المصريين لهذا القائد وزوجته. القبة مغلقة، لكن زوار الليل نجحوا في اختراقها وتحطيم بعض الرخام، مما يدعو إلى أهمية الحفاظ على هذا الأثر.

◄ التاريخ العسكري لسليمان

كان سليمان باشا الفرنساوي يعتبر الذراع الأيمن لإبراهيم باشا، ابن محمد علي باشا. شارك في حملات عسكرية عديدة مثل حرب المورة، وحرب الشام، وحرب الأناضول. وكان له دور كبير في بناء جيش مصري حديث يعتمد على الانضباط والمهارات العسكرية الأوروبية.

اقرأ أيضا| حكاية أثر| الإناء المصري العريق: قطعة أثرية من 3200 عام تباع بـ 4 آلاف دولار فقط!

يقول سليمان باشا عن الجنود المصريين: «إنهم خير من رأيتهم من الجنود، يجمعون بين النشاط والقناعة والجلد على المتاعب». هذا القول يعكس مدى احترامه للجنود المصريين وتقديره لقدراتهم، مما جعله يسهم بفاعلية في ترسيخ قواعد الجيش المصري.

◄ القيمة الثقافية والمعمارية لقبة مريم

تعتبر قبة مريم من أبرز المعالم التاريخية في حي مصر القديمة، إذ تحمل بصمات فترة تاريخية مزدهرة للعمارة العلوية. الأسلوب المعماري لهذه القبة نادر، وقد تم بناؤه بتقنية جديدة تم استيرادها من أوروبا. ومن أبرز مكونات القبة الحديد المشغول الذي يظهر في أشكال الورود والزخارف النباتية، والتي كانت تقنية فنية حديثة في ذلك الوقت.

القبة مزينة أيضًا بأسوار من الزهر شديدة الجمالية، رغم أن معظمها قد تعرض للتلف، لكنها لا تزال محافظة على طابعها العام، ويعتبر هذا الطراز المعماري شاهدًا على التداخل الثقافي بين الشرق والغرب.

◄ موقف المصريين من إرث سليمان باشا 

تقديرًا لإسهامات سليمان باشا في بناء الجيش المصري، أقام المصريون له تمثالًا في ميدان «سليمان باشا»، وأطلقوا اسمه على أحد شوارع القاهرة. إلا أنه بعد ثورة يوليو 1952، تم نقل التمثال إلى المتحف الحربي، وتم تغيير اسم الميدان إلى «طلعت حرب». ورغم هذه التغييرات، لا يزال بعض المصريين يطلقون على المكان «ميدان سليمان باشا»، وذلك عرفانًا بالدور الذي قام به في بناء الجيش المصري الحديث.

◄ الحفاظ على القبة 

تعتبر قبة مريم تحفة فنية وتاريخية يجب الحفاظ عليها، إذ تمثل جزءًا من الهوية الثقافية المصرية، وتشهد على فترة من التاريخ المصري تزخر بالإنجازات. ينبغي أن يتم الاهتمام بترميمها والعناية بها للحفاظ على قيمتها التاريخية والمعمارية، ولتكون شاهدًا حيًّا للأجيال القادمة على الإرث المعماري والاجتماعي لعصر محمد علي.

قبة زوجة سليمان باشا الفرنساوي في حي مصر القديمة ليست مجرد بناء تاريخي، بل هي شهادة على حياة رجل قدم لمصر الكثير، وتجسيد لقيم الوفاء بين زوجين اجتمعا في حب الوطن والخدمة العسكرية. 

◄ ضريح سليمان باشا الفرنساوي

تعاونت الإدارة المركزية للآثار بالقاهرة والجيزة مع أهالي المنطقة المحيطة بضريح سليمان باشا الفرنساوي في مصر القديمة لمنع إلقاء القمامة بجوار السور الحامي للضريح. 

وأكد الدكتور جمال مصطفى، رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية واليهودية، أن هذا التعاون أثمر عن مبادرات إيجابية من الأهالي، حيث قاموا بوضع نباتات زينة حول الضريح على نفقتهم الخاصة، تقديراً للجهود المبذولة من قِبَل منطقة آثار مصر القديمة في تنظيف وتجميل الموقع الأثري.

ضريح سليمان باشا الفرنساوي، المعروف أيضًا باسم الكولونيل سيف، هو ضريح أثري في منطقة مصر القديمة يحمل قصة تاريخية مميزة. وُلِد سليمان باشا في عام 1788 بمدينة ليون بفرنسا، وجاء إلى مصر مع الحملة الفرنسية. بعد انتهاء الحملة، اختار البقاء في مصر واعتنق الإسلام، ليصبح أحد الشخصيات المؤثرة في الجيش المصري.

عُيِّن سليمان باشا قائدًا للجيش المصري في عهد محمد علي باشا، الذي كلفه بتأسيس نواة الجيش المصري الحديث. بدأ بتدريب أول دفعة من الضباط المصريين، مستخدمًا 500 من المماليك لتأسيس معسكر في أسوان بعيدًا عن تأثيرات الجيش المختلط في القاهرة. ساهم سليمان باشا في تطوير القدرات العسكرية لمصر، مما جعله شخصية محورية في تاريخ الجيش المصري.