كنوز| «حليم» والقبلة السينمائية فى مرآة أمير الرومانسية

إحسان عبد القدوس يزور صديقه عبد الحليم بعد عودته من العلاج فى لندن
إحسان عبد القدوس يزور صديقه عبد الحليم بعد عودته من العلاج فى لندن


بابتسامته الطيبة المرحبة المرحة التى لا تفارق شفتيه، استقبلنى الكاتب الكبير إحسان عبد القدوس فى منزله، كان صريحًا فى حديثه كعهدنا به دائمًا عندما يكتب وعندما يتحدث، بدأ بسؤاله عن الاتهام الموجه له بأن قصصه ورواياته تثير غرائز المراهقين والمراهقات فقال : 

هذا ليس بغريب على الحاقدين والحاسدين والفاشلين، ولست أول من أتهم بهذا الاتهام، تعرض لذلك من قبلى توفيق الحكيم، وكل الكتاب الذين حاولوا تطوير الأدب والخروج به من الكلاسيكية إلى الواقعية، ولم يسلم من هذا الاتهام فى الغرب كل من باراك وموباسان وفيكتور هوجو، وعندما حققت رواية «لا أنام» ما حققته من نجاح، دق الحاسدون والحاقدون الطبول وهاجمونى واتهمونى بإثارة الغرائز، ولم يلتفتوا إلى أنى أقدم دراسة إنسانية ضرورية لمفهوم الجنس وتأثيراته فى حياة كل منا، والكاتب يجب ألا يهرب من مناقشة الموضوع لأن له تأثيرًا فعليًا على أبطال القصة، وطلبت من د. طه حسين، وتوفيق الحكيم، ويوسف السباعى، وأعضاء من جمعية الأدباء أن يقولوا رأيهم فى «لا أنام» وكلهم أجمعوا على أنها عمل من الأدب الرفيع».

اقرأ أيضًا|  كنوز| من جيل لجيل يمتد الوفاء لأبطال نصر أكتوبر

قلت له : أى النوعين تفضل الكتابة فى السياسة أم القصص ؟

قال : أنا لا أتعمد الكتابة فى أيهما فإذا تنبه إحساسى لموضوع سياسى كتبت فيه وإذا تنبه إحساسى لموضوع أدبى كتبت فيه، ولا خيار عندى ولا تفضيل. 

لماذا لم تكتب الزجل مثل والدك، أو الشعر الغنائى ؟ 

ضحك إحسان قائلًا : كتبت الزجل فى مستهل حياتى لكن والدتى منعتنى من الاستمرار فى هذا اللون من الإبداع الذى برع فيه والدى، والأغنية حاليًا فى حاجة لكلمات تخرج عن التقليدية والشكل المألوف، وأفكر فى كتابتها بهذه الصيغة. 

رأيك فى اقتباسات محمد عبد الوهاب من الموسيقى الغربية ؟ 

لست من المعترضين والمعارضين لاقتباسات الموسيقار محمد عبد الوهاب للجمل الموسيقية الأجنبية بشرط أن يضعها فى مكانها ولا تكون مجرد اقتباس وخلاص، أو تكون فى سياق غريب على إحساسنا، ومحمد عبد الوهاب ملحن استعمارى، يستعمر الأصوات التى يلحن لها. 

هل ظهور عبد الحليم حافظ أثر على المطربين الذين سبقوه ؟ 

نجاح عبد الحليم السريع أوجد حركة نشاط فى الوسط الغنائى لأنه أتى بنغمة وأداء مختلف، والتفت عبد الوهاب لهذا الصوت الحساس وأصبح أنشط من ذى قبل، وكذلك فريد الأطرش وبقية المطربين، والمسألة أصبحت دفاعًا عن النفس من خطر نجاح عبد الحليم. 

وهل يرجع نجاح عبد الحليم لحلاوة صوته أم للألحان التى يؤديها ؟ 

عبد الحليم مطرب موهوب، ذكى جدًا، وصوته معبر وحساس، يعرف كيف الكلمة ويختار اللحن الذى يظهر جماليات صوته، وصوت عبد الحليم والألحان التى يصيغها له كمال الطويل ومحمد عبد الوهاب والموجى وبليغ حمدى ومنير مراد مكملان لبعضهما البعض. 

هل تعتقد أن عبد الحليم من الممكن أن ينجح سينمائيًا كممثل فقط ؟ 

ابتسم الأستاذ إحسان قائلًا : أنا كنت صاحب فكرة نزول عبد الحليم إلى ميدان التمثيل فقط عندما رشحته لبطولة فيلم «فى بيتنا رجل» لكنه تراجع عندما أقنعه محمد عبد الوهاب بعدم خوض التجربة وأفهمه أن الجمهور أحبه كمطرب ولن يتقبله كممثل فقط، مع أن المطرب الأمريكى الشهير فرانك سيناترا نجح كممثل فقط نجاحًا كبيرًا.

هل تتصور أن تخلو قصص أفلامنا من الرومانسية والحب ؟ 

اعتدل الأستاذ إحسان وهو يقول : كل الأفلام فى جميع بقاع الدنيا لا تخلو من قصة حب نراها حتى فى أفلام الجريمة والعنف، كلمة الحب أكبر من أن تحدد، فالوطنية حب والبطولة حب، والإنسانية نفسها حب، حتى المبادئ السياسية اليوم أصبحت حبًا، فالحياد الإيجابى حب، لأنه يرمى إلى السلام، والاتحاد حب، الحب لا يقتصر فقط على هذه العاطفة المتبادلة بين فردين، الحب أوسع من هذا بكثير، العمل للإنسانية نفسها حب، والسينما مرآة تعكس حياتنا، والحياة ما هى إلا حب، والسينما تنقل للمتفرج ألوانا شتى من ألوان الحب. 

الكثير يستهجن «القبلة» السينمائية ويعتبرها مثيرة للغرائز ؟ 

«القبلة» السينمائية، فن تتطلبه الحبكة الدرامية، وهنا لا يكون المقصود بها إثارة الغرائز، أو تكون مستهجنة لأنها جزء فاعل فى الحدث، من لديه كبت هو الذى يشعر بأنها تحرك غرائزه، أما الإنسان الذى لا يعانى خياله من هذا فلا تتحرك لديه أى إثارة ما لأنه إنسان طبيعى يدرك المعنى السينمائى المقصود فى اللقطة السينمائية. 

البعض يقول إن الاندماج فى التمثيل هو قمة الإقناع ؟ 

الممثل يجب أن يحتفظ بوعيه وهو ينتقل من شخصيته الحقيقية إلى الشخصية التى يمثلها، فإذا فقد إحساسه ووعيه وشعوره فهو ممثل فاشل، وفن التمثيل لا يقوم على الاندماج الكلى، وعلى الممثل الاحتفاظ بإحساساته وهو يؤدى دوره، وقد حدث معى فى مطلع حياتى وأنا فى العاشرة من عمرى أن وقفت على خشبة المسرح لتجسد أحد الأدوار، كان علىّ أن أبكى فى أحد المشاهد، واندمجت فى البكاء وأصابتنى حالة عصبية بشكل غير طبيعى أفقد أدائى الإحساس الطبيعى المطلوب ومن وقتها وأنا أهاب التمثيل، الاندماج الكلى فى التمثيل ليس هو المطلوب. 

ما «القبلة» التى أعجبتك أكثر من غيرها فى أفلام رواياتك؟

ابتسم الأستاذ إحسان وهو يقول : «القبلة» المتبادلة بين عبد الحليم حافظ ولبنى عبد العزيز فى فيلم «الوسادة الخالية»، والقبلة الباردة التى اتقنت فاتن حمامة تمثيلها فى فيلم «الطريق المسدود» فأشعرت المشاهد بأنها بالفعل قبلة باردة ليس بها إحساس وشعور، والقبلة الحارة بين فاتن حمامة وعماد حمدى فى فيلم «لا أنام».

لماذا لا تكتب سيناريوهات قصصك التى تعرض على الشاشة ؟ 

لأننى أؤمن بالتخصص، لابد من التخصص فى كل عمل للوصول إلى أكبر درجة من الكمال، وأضعف ما عندنا فى صناعة السينما هو السيناريو، لا زلنا فقراء فى كتاب السيناريو الدراسين المتخصصين، أنا تخصصت فى كتابة القصة المقروءة، ولكى أكتب السيناريو لابد أن أتفرغ له وأدرسه دراسة تامة، ولابد لكاتب السيناريو عندما يتناول القصة ليعد لها السيناريو، أن يخلق منها شيئًا كبيرًا بلغة الكاميرا التى تحول السرد فى القصة لصور سينمائية متحركة ومشاعر بأحاسيس الممثلين، واعترف بأن بعض قصصى ورواياتى فشلت على الشاشة عندما تعامل معها كتاب سيناريو ليسوا على درجة من الإبداع الموازى لإبداع الكاتب، لقد خشى المنتجون وإلى جانبهم كتاب السيناريو أن يحوروا فى القصة ويدخلوا عليها ما يلزمها لتصبح عرضًا سينمائيًا ناجحًا بحجة أن القراء الذين قرأوها فى الكتب سيشعرون بهذا الاختلاف وستكون النتيجة فشل الرواية، هذه فكرة خاطئة تمامًا، لأن السيناريو عمل كامل متكامل مفسر بالصورة للقصة أو الرواية، وأنا أفكر فعلًا فى دراسة السيناريو عندما أجد الوقت الكافى لهذا العمل الكبير. 

■■■
أخذت من وقت الأستاذ إحسان عبد القدوس الكثير من وقته وعطلته عن كتابة مقال سياسى ورواية جديدة كان يخطها على الورق، فاستأذنت متمنيًا له الصحة ودوام الإبداع. 

جميل الباجورى «الهلال» 24 يونيو 1958

 

النار كامنة فى الحجر

بقلم: د. مصطفى محمود

أخطر عدو للإنسان عاداته لأنها مع الوقت والتكرار والانتظام تضرب بجذورها تحت الجلد، ثم تجرى فى الإنسان مجرى الدم، وتدخل فى المزاج والشهية والمناخ النفسى، فإذا كانت عادات خاطئة فهى تتأصل فى السلوك ويصبح لها حكم، مثل التدخين والشراب وتعاطى المسكنات والمنبهات والمخدرات، وهذه العادات تصبح مستبدة لها سوط إرهابى على صاحبها.

ومعتاد أى صنف من هذه الأصناف يظل فى احتياج دائم، وإذا لم يجد الصنف فقد عقله بحثاً عنه، وإذا وجده وشبع منه ضجر وزهد واشتاق إلى التلوين والتنويع واندفع فى بحث مجنون عن الجديد منها فهو دائماً فى قلق، وجوع، وتوتر، وملل، أما الذين ابتعدوا بأنفسهم عن هذه العادات فهم دائماً الأسعد حالاً، وأهل النفوس المطمئنة المتوازنة، وهم الأقدر على العطاء والإنتاج والعمل، ولهذا.. فإن أول رياضة خلقية ينصح بها شيوخنا من يريد التطهر من الخطائين، خرق العوائد والخروج بالنفس من مألوفاتها وفطامها من محبوباتها.

كسر سور المألوف هو الخطوة الأولى وهى أصعب الخطى على النفس وأشقها، لأن الإنسان عبد لما تعود وعدو لما جهل، عادات تنضبط عليها هرموناته وتتولف عليها عجلة حياته، والخروج من هذه العادات كالخروج من الجلد واللحم شاق مؤلم يدمى النفس ويبكيها !

والنفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم، وأول نصيحة للشيخ هى الترك والبعد والهجر وغض البصر، ومهاجمة الخواطر قبل أن تهجم عليك، وطرحها وراءك وأقوى الشهوات يمكن أن تموت وتذبل بالترك.

النار كامنة فى الحجر، ولا تخرج من كمونها إلا بقدح الحجر بالحجر، قدح الذكورة بالأنوثة هو الذى يولد الشرر، فإذا اشتقت اعمل طول يومك فى عمل منتج مفيد، والغاية تستحق أن تتعب من أجلها وتدمى القدم والبنان فليس أشرف من الكمال الخلقى، وقهر الهوى ورياضة النفس على الحكمة فهل بدأت معركتك ؟
إن لم تكن قد بدأت، فشمر ساعديك وابدأ، اطفئ سيجارتك وحطم كأسك، وألق بزجاجة المنوم من النافذة، غالب ضعفك، وخاصم شيطانك، مجاهدة الطبع تبدأ من كل شيء، من أ . ب الأكل والشرب، فإذا طلبت المعدة الأكل فالزم الجوع، وإذا طلبت الشراب فالزم الظمأ، ذلك هو التمرين الأول لفطام النفس، ونصيحة الشيخ نصيحة عظيمة فى هذا العصر العجيب عصر الأكل، العصر الذى يبلغ فيه استهلاك اللحم ذروته فى شهر الصيام ! 

هل أدركتم فى أى عصر نعيش ؟ وفى أى عصر كان يعيش صاحبنا الصوفى الكامل ؟ ومقدار المسافة بيننا وبينه وإلى أى مدى تفاوتت المراتب، ذلك رجل كان يجاهد نفسه ليفطمها من الماء والخبز، ونحن نجاهد أنفسنا لنفطمها من الجاتوه، وكأس البراندى والسيجار والصدور والظهور العارية، واللذات المختلسة، تلك العادات التى بدأت تتسلل إلينا من التليفزيون والسينما لتتخلل نسيج الحياة كله، وتصنع منها حياة رخوة استهلاكية تأخذ ولا تعطى، حياة حسية دودية عقيمة، حياة سوسها التعود فحذار وألف مرة حذار من التعود، حذار من قدح النار التى فى الحجر.

من كتاب «هل هو عصر الجنون»

كنوز: نقدم هذا المقال فى الذكرى الخامسة عشرة لغياب الكاتب الكبير الأديب العلامة المفكر د. مصطفى محمود الذى غادرنا فى 31 أكتوبر 2009 بعد أن ملأ حياتنا بالثقافة والفكر والعلم والإيمان.. رحمه الله. 

«زكيبة بريد» أحمد الصاوى محمد

حقا أن العدالة بطيئة.. لكنها تجيء حتمًا، ولو سارت على مهل! 

فمنذ عشرين سنة وصديقى الأستاذ محمد التابعى يشوه خلقتى فى «آخر ساعة» بألوان من الكاريكاتير التى يظهر فيها «صاروخان» فن الانتقام !.. بحيث لم أجد حيلة، من أن أنشر لنفسى صورة «أنا» الكاريكاتورية أيضا فى «مجلتى» وأكتب تحتها - تواضعًا - «سماعك بالمعيدى خير من أن تراه» !

 «وها هو ذا» المصور «الأغر» - رغم ما فعله الزمن - ينشر اليوم صورة مقبولة لـ «أنا»! غير أن الأيام دارت فعلًا.

و«زكيبة البريد» التى تحمل إلى كل يوم مئات الرسائل كلها شكوى وأنين، ليس فيها رسالة واحدة حنان أو حنين ! ليس فيها مثلما فى بريد «بلزاك» رسالة مضخمة بالعطور.. فقد انقضى عهد «المعجبات» والمعجبين ! 

كيف يا رب لا تكون فى كل تلك الأكوام من زكائب البريد رسالة سابحة فى الخيال، تجيء من وراء البحار أو الجبال، وتحمل من الشرق أو الغرب، مشاركة روحية بريئة للكاتب الذى «طفطف» روحه على الجمال ؟! 

أحمد الصاوى محمد مجلة «المصور» 

«الصحفى العجوز» فى ميزان فكرى أباظة 

فى 22 أكتوبر الماضى مرت علينا الذكرى 83 لغياب واحد من أهم القامات الصحفية الكبيرة التى لها تاريخ بارز فى بلاط صاحبة الجلالة الصحافة ورحل عنا فى عام 1941 عن عمر يناهز 61 عاما، عن الكاتب الرحالة الكبير توفيق حبيب مليكة نتحدث، وللأسف لم يأخذ هذا الرائد الكبير حقه الذى يستحقه فى التغطيات الصحفية مما جعل البعض ومنهم طلاب كليات الإعلام وأقسام الصحافة بالكليات والمعاهد لا يعرفون من هو توفيق حبيب مليكة وما هو دوره فى عالم الصحافة كواحد من أهم رواد مهنة البحث عن الحقيقة، أو البحث عن المتاعب باعتبارها مهنة شاقة تنحاز دائما للرأى العام الشعبى ! ويكفى أن الكاتب الكبير محمد زكى عبد القادر قد نعاه بكلمات مؤثرة جدا عند رحيله، وكتب عنه الكاتب الكبير فكرى باشا أباظة مقالا يعدد فيه مزايا أسلوبه الصحفى وأسلوبه الأدبى الراقى. 

ولد توفيق حبيب فى 7 فبراير1880، وتلقى تعليمه الأولى بمدرسة المرسلين الأميركان ثم مدرسة الأقباط الكبرى، بدأ مشواره مع الصحافة فى جريدة الوطن، وكتب فى مجلات فرعون، والهلال، والمجلة الجديدة، والاستقلال، وعمل مع يوسف الخازن فى جريدة «الأخبار»، وقد نعاه الكاتب الكبير محمد زكى عبد القادر فى مقال قال فيه: «كانت صدفة غريبة أن يموت الرجل الذى أحب الصحافة وخدم الصحافة، فى يوم لا تستطيع فيه الصحافة أن تحمل نبأه إلى الناس، كان فريدا فى تفكيره وخلقه وحديثه واتجاهه فى الحياة، ولن نجد نسخة ثانية من توفيق حبيب، وسوف يظل مكانه خاليا»، وقد ترك للمكتبة العربية العديد من المؤلفات ومنها «جهاد شاب وطنى - الفجالة قديما وحديثا - هوامش الصحافى العجوز - أبو جلدة - الفتيان الكشافة - أسرار الملوك - رحلة صيف إلى تركيا واليونان ويوغسلافيا وإيطاليا - شهران فى أوربا - رحلات الصحافى العجوز - رحلة صيف من إسكندرية وإستانبول - وترجم رواية اليتمين». 

كان يهتم بجمع طوابع البريد وإلقاء محاضرات عن الوحدة الوطنية بحديقة الأزبكية يحضرها جمهور غفير من المسلمين والأقباط، وشرح الكاتب الكبير فكرى أباظة السمات المميزة لأسلوبه فى مقال بجريدة «الأهرام» نشر فى 22 ديسمبر 1933 وقال فيه «عندما نشرت الأهرام أول كلمة للصحافى العجوز راعنى الأسلوب؛ وشعرت أن الكاتب شيء جديد فى عالم الأدب؛ وأحسست بغيرة يحسها كل كاتب عندما يصطدم بمنافس قوى، ظننت أن معينه سينضب وقوته سينالها الفتور شأن من سبقوه من كتاب السلاسل والحلقات، لكنه كان يزداد تألقا ويزداد قراء جريدته يوما بعد يوم إلى ان غادر الدنيا، فخسرنا الصحفى العجوز». 

«كنوز» 

3 ليالٍ لا تنساها نعيمة عاكف !

مرت فى حياتى ثلاث ليال لا أنساها فقد تركت وراءها ذكريات محفورة لا تقوى على محوها الأيام، فقد نشأت فى أسرة رياضية يتدرب جميع أفرادها على الألعاب التى تعتمد على المخاطرة والشجاعة، وكان من بين النواحى الرياضية التى تضمها برامج السيرك الذى كانت تملكه أسرتى برنامج ترويض الحيوانات، وكان محظورًا على الأطفال أن يقتربوا من حظائر الحيوانات، لكننى كنت منذ الصغر أحب ركوب الخيل، وكثيرًا ما انتهزت فرصة غياب أفراد الأسرة وركبت مع المدربين الخيل وأثبت براعة فائقة فى الركوب. 

وذات يوم حدثتنى إحدى قريباتى حديثًا جميلًا، وكانت تعمل فى الفرقة، عن ركوب الخيل فى الليالى القمرية، وعندما جاء الليل تسللت فى الظلام إلى حظائر الخيول، وكان أول جواد وقع نظرى عليه حصانًا جديدًا لم يدرب بعد، وركبت الحصان، وخرجت إلى الحقول أمتع نفسى بمنظر ضوء القمر المسلط على خضرة الحقول، وهو من المناظر الطبيعية الجميلة، وكنت اتنقل من مكان إلى مكان بالحصان، وفجأة وجدت الحصان يقفز إلى أعلى ويلقى بى على الأرض ثم ينطلق وسط الحقول، ولم تنفع محاولاتى فى أن أمسك به، وخشيت عواقب ذلك فأسرعت إلى الخيام المخصصة لنومنا، وضاع النوم من عينى، فقد كنت أفكر فيما سيحدث للحصان، وماذا ستقول الأسرة عندما تكتشف ضياعه، وعندما يعرفون أننى السبب ؟ بكيت طيلة الليل، وفى الصباح تسللت إلى حظائر الحيوانات فإذا بى أجد الحصان قد عاد وحده ووقف ينتظر مدربه ليدخله إلى الحظيرة !

كنت مغرمة بالعمل فى السينما غرامًا كبيرًا، وتمنيت لو اتيحت لى الفرصة للظهور فى فيلم فقد كنت على ثقة تامة بنجاحى، وذات يوم التقى بى مدير إنتاج إحدى الشركات، وقال إن أحد المخرجين يبحث عن وجه جديد ليقوم بدور البطولة فى أحد أفلامه، ودعانى لإجراء تجربة سينمائية سريعة عن صلاحيتى للسينما، وذهبنا إلى الاستديو عصر أحد الأيام حيث أجريت لى التجربة، وحمل المصور الفيلم إلى معامل التحميض للوقوف على النتيجة فى نفس الليلة وعدت إلى البيت فلم أذق طعم النوم، فبرغم الثقة التى كانت تملأنى بنفسى إلا أننى خشيت نتيجة الاختبار السينمائى، وفى الساعة الثامنة صباحًا كنت على باب الاستديو أسأل عن نتيجة التجربة وتشاء الصدف أن تلعب دورًا مهمًا فى حياتى فقد شاهد المخرج حسين فوزى التجربة، وأعجب بها، وتشاء الأقدار أن يكون هو أول فيلم لى.. ثم أصبح زوجى وشريك العمر. 

وقد غنيت فى بعض الأفلام التى قمت ببطولتها ورغم أننى أعرف أننى أتمتع بصوت جميل يساعدنى على الأداء الفنى للحن، ورغم أن بعض أفراد أسرتى وكذلك الأصدقاء من الموسيقيين شهدوا لى بحلاوة الصوت، إلا أنه حدث عندما سجلت اللحن الأول أمام ميكرفون السينما أن أصابنى خوف شديد إلى درجة أننى طلبت من الفرقة الموسيقية أن تعيد تسجيل اللحن خمس مرات وهو رقم قياسى فى عالم تسجيل الألحان، وكنا فى فصل الشتاء والجو بارد جدًا، ولكننى أصررت على أن ينتهى المختصون من إعداد الأغنية لأسمعها فى نفس اليوم، وفعلًا سهر موظفو الاستديو الفنيون وسهرت أنا معهم حتى انتهوا من إعداد الأغنية بعد منتصف الليل وعندما سمعت التسجيلات الخمس فرحت فرحًا شديدًا، ولم أنم ليلتها من الفرح !

نعيمة عاكف «الكواكب» 10 يوليو 1956